أخبار ومقالات

دكتور خالد فواز يكتب:الابتكار والتجديد وأثرهما في نجاح المشروعات والمنافسة

يقوم نجاح أي مشروع على مجموعة من العناصر الأساسية، يأتي في مقدمتها الابتكار والتجديد؛ فهما من أهم العوامل التي تسهم في بناء ثقة الأفراد والعملاء في المشروع، ولا سيما في مراحله الأولى. فعندما يبدأ المشروع في تقديم تجربة جديدة أو أسلوب مختلف في التعامل أو الخدمات أو المنتجات، يبدأ العملاء في ملاحظة هذه العناصر وتقييمها منذ الأيام الأولى لافتتاح المشروع. وقد تتمثل عناصر التميز في جودة المعاملة، أو مستوى الخدمة، أو اختيار الموقع، أو جودة المنتجات، أو سرعة تقديم الخدمة، أو تقديم قيمة إضافية لا توفرها المشروعات المنافسة.

ومن هنا، فإن نجاح المشروع لا يعتمد على مجرد افتتاحه، وإنما يتطلب مجموعة من المراحل والإجراءات السابقة واللاحقة للافتتاح، مثل دراسة الجدوى، ودراسة السوق، ودراسة المنافسين، ووضع الخطة التسويقية، واختيار الإدارة والقيادة القادرة على إدارة المشروع، وتحديد الميزة التي تميز المشروع عن غيره.

وعند بداية أي مشروع، توجد مجموعة من الإجراءات الأساسية التي يجب الاهتمام بها، ومنها اختيار الموقع المناسب، واختيار العاملين، وتحديد المنتجات أو الخدمات التي سيتم تقديمها، والحصول على التراخيص اللازمة، والالتزام بالاشتراطات القانونية والإدارية والصحية والأمنية، بالإضافة إلى تحديد رأس المال والميزانية اللازمة للتشغيل. كما يجب تحديد مصادر الإيرادات والتكاليف المتوقعة، ومعرفة الوقت الذي يمكن خلاله الوصول إلى نقطة التعادل ثم تحقيق الأرباح.

ولكن قد يحدث أن يقوم صاحب المشروع بكل هذه الإجراءات، ومع ذلك لا يحقق المشروع الإيرادات المتوقعة. وهنا تظهر أهمية التجديد والابتكار ودراسة المنافسين؛ لأن وجود مشروع في السوق لا يعني بالضرورة إقبال العملاء عليه، وإنما يتوقف الإقبال على قدرته على تقديم شيء يميزه عن المشروعات الأخرى.

ولذلك يجب على صاحب المشروع أن يدرس المنافسين بصورة دقيقة، وأن يعرف نقاط القوة والضعف لديهم، وما الذي يجعل العملاء يفضلون التعامل معهم، وما الخدمات أو المنتجات التي يقدمونها، وما الأسعار التي يحددونها، وكيف يتعاملون مع العملاء. ومن خلال هذه الدراسة يستطيع صاحب المشروع البحث عن مساحة جديدة في السوق يستطيع من خلالها تقديم قيمة مختلفة.

ومن الأمثلة على ذلك أن يقوم أحد أصحاب المشروعات وال مارت بدراسة المتاجر الموجودة في المنطقة، وملاحظة طريقة ترتيب المنتجات، وأساليب العرض، ومستوى التعامل مع العملاء، والأسعار، والخدمات المقدمة. وبعد ذلك يمكنه أن يقدم ميزة جديدة تجذب العملاء، مثل تقديم أسعار تنافسية في البداية، أو توفير خدمة مختلفة، أو تحسين طريقة التعامل مع العملاء، أو تقديم خدمات إضافية. ولكن يجب الحذر من أن يتحول التقليد إلى مجرد نسخ لما يفعله المنافس؛ لأن التقليد وحده لا يضمن النجاح، بل قد يؤدي إلى فقدان المشروع لشخصيته وميزته.

وقد ترتبط هذه الفكرة بما طرحه عالم الاجتماع الفرنسي غابرييل تارد (Gabriel Tarde) حول التقليد والتفاعل الاجتماعي. فقد رأى تارد أن المجتمع لا يمكن فهمه بمعزل عن تفاعل الأفراد، وأن التقليد يمثل إحدى الآليات الأساسية التي تنتقل من خلالها الأفكار والسلوكيات بين الأفراد. ومن ثم يمكن تطبيق هذه الفكرة على عالم المشروعات؛ إذ قد يظهر أسلوب جديد في مشروع معين، ثم تقوم المشروعات الأخرى بتقليده، وبعد ذلك تظهر المنافسة، ثم يحاول كل مشروع تقديم ابتكار جديد حتى يحافظ على مكانته في السوق.

وبالتالي يمكن تصور دورة المنافسة في المشروعات على النحو الآتي:

ابتكار → تقليد → منافسة → ابتكار جديد → ميزة تنافسية جديدة.

فإذا قدم متجر، على سبيل المثال، عرضًا يتمثل في منح العميل خصمًا قدره 10% عند الشراء بقيمة 100 جنيه، فقد تصبح هذه السياسة عاملًا يجذب بعض العملاء إليه. وقد يحاول متجر آخر منافسته من خلال تقديم ميزة مختلفة، مثل قبول وسائل دفع متعددة، أو السماح بالشراء الآجل أو التقسيط وفقًا للقواعد المنظمة لذلك، أو توفير خدمة التوصيل إلى المنزل، أو تقديم هدايا للعملاء في المناسبات أو عند التجديد السنوي للتعامل معهم.

وهذه المزايا لا تتعلق بالسعر فقط، وإنما تمثل قيمة مضافة يمكن أن تجعل العميل يفضل مشروعًا على مشروع آخر. فقد يكون أحد المشروعات أكثر تميزًا في الإدارة، بينما يتميز مشروع آخر بجودة المنتج، ويتميز ثالث بسرعة الخدمة، ورابع بخدمة ما بعد البيع، وخامس بالتوصيل أو العروض والهدايا.

ومن هنا تظهر أهمية استمرار المشروع في التجديد وتقديم القيمة المضافة؛ لأن العميل قد ينجذب في البداية إلى المشروع بسبب ميزة معينة، ولكنه قد ينتقل إلى مشروع منافس إذا توقّف المشروع عن التطور ولم يعد يقدم ما يلبي احتياجاته المتغيرة. ولذلك فإن الميزة التنافسية ليست بالضرورة ثابتة، وإنما تحتاج إلى التطوير المستمر.

وفي النهاية، فإن نجاح أي مشروع لا يتحقق بمجرد إعداد دراسة جدوى أو توفير رأس المال وافتتاح النشاط، وإنما يحتاج إلى دراسة حقيقية للسوق، وفهم احتياجات العملاء، وتحليل المنافسين، واكتشاف الاحتياجات التي لم يتم تلبيتها، ثم تقديمها بطريقة أفضل وأكثر تميزًا. كما أن التقليد الأعمى للمنافسين قد يكون أحد أسباب الفشل؛ لأن المشروع الناجح هو الذي يتعلم من الآخرين دون أن يفقد هويته، ويستفيد من تجارب المنافسين ثم يحولها إلى نقطة انطلاق نحو الابتكار والتجديد.

وبذلك يمكن القول إن الابتكار هو نقطة البداية، والتقليد استجابة للمنافسة، والمنافسة تدفع إلى التجديد، أما الاستمرار في النجاح فيتطلب القدرة على إنتاج ميزة تنافسية وقيمة مضافة بصورة مستمرة.

زر الذهاب إلى الأعلى