أخبار ومقالات

قفزة تاريخية لسهم «مور ثريدز» بنسبة 502% في أول يوم تداول تشعل سباق رقائق الذكاء الاصطناعي وتفتح مواجهة مباشرة مع إنفيديا

في واحدة من أكثر اللحظات إثارة في الأسواق المالية الصينية خلال السنوات الأخيرة، حققت شركة «مور ثريدز تكنولوجي» قفزة غير مسبوقة في أول يوم تداول لها في سوق شنغهاي، بعدما ارتفع سهمها بنسبة وصلت إلى 502%. هذا الأداء الاستثنائي لم يقتصر على كونه أكبر صعود في اكتتاب يتجاوز مليار دولار خلال العام، بل شكّل مؤشرًا صارخًا على التحولات الجذرية التي يشهدها قطاع التكنولوجيا الصيني، وخاصة في مجال رقائق الذكاء الاصطناعي الذي أصبح ساحة صراع عالمي.

ويأتي هذا الأداء المتوهج بالتزامن مع تصاعد طموح الصين في تحقيق اكتفاء ذاتي تكنولوجي، في ظل قيود أمريكية متزايدة تهدف إلى الحد من قدراتها في مجال الحوسبة المتقدمة.


قفزة قياسية في أول يوم تداول: مشهد لم تشهده البورصات الصينية منذ 2019

طرحت الشركة أسهمها بسعر 114.28 يوان للسهم الواحد، لكن الطلب الضخم فور الافتتاح دفع السهم إلى الارتفاع بنحو 502%، في خطوة نادرة حتى داخل سوق «ستار بورد» المعروف بنشاط الشركات التكنولوجية الناشئة.

ووفق بيانات «بلومبرج»، فإن استمرار السهم فوق هذا المستوى حتى إغلاق الجلسة يجعل هذا الإدراج الأكبر من حيث المكاسب في أول يوم تداول منذ بدء إصلاحات الاكتتابات الصينية عام 2019. ويعكس ذلك حالة تعطّش حقيقي لدى المستثمرين تجاه الشركات العاملة في الذكاء الاصطناعي، حتى وإن كانت خاسرة.

هذه القفزة لم تكن مجرد حركة مضاربية؛ بل جاءت مدفوعة بزخم سياسي واقتصادي يلعب دورًا محوريًا في توجيه الاستثمارات نحو قطاع الرقائق، الذي تعتبره بكين حجر الزاوية في معركتها نحو التفوق التكنولوجي العالمي.


الشركات المحلية تملأ الفراغ الذي تركته إنفيديا: فرصة ذهبية لـ«مور ثريدز»

أجبرت القيود الأمريكية شركة Nvidia على تقليص شحنات رقائقها المتقدمة إلى الصين، ما خلق فراغًا في السوق المحلي. هذا الفراغ فتح الباب أمام شركات ناشئة مثل «مور ثريدز» لتعزيز حضورها وتقديم حلول محلية بديلة.

خفّفت السلطات المالية في الصين شروط إدراج الشركات غير المربحة في سوق «ستار بورد» خلال هذا العام، في خطوة هدفت إلى تشجيع الشركات الواعدة في مجال الرقائق على الطرح العام. وهي الخطوة التي استفادت منها «مور ثريدز» بشكل مباشر.

وأكّد شاو تشيفينغ، كبير مسؤولي الاستثمار في «يينغ آن أسيت مانجمنت»، أن القفزة القياسية “لم تكن مفاجِئة بالنظر إلى حجم الطلب على الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي”، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن الارتفاعات الضخمة قد تحمل بعض المبالغة في التقييمات.


نتائج مالية ضعيفة… وإيرادات تقفز 182%: معادلة محفوفة بالمخاطر

ورغم الإدراج الناجح، تكشف النتائج المالية لـ«مور ثريدز» عن صورة مزدوجة:

1. خسائر كبيرة تتراجع بصعوبة

سجلت الشركة خسائر صافية بلغت 724 مليون يوان خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، متراجعة 19% مقارنة بالعام السابق. ورغم أن هذا التراجع إيجابي نسبيًا، إلا أنه لا يغيّر حقيقة أن الشركة لا تزال بعيدة عن الربحية.

2. إيرادات تتصاعد بوتيرة استثنائية

قفزت الإيرادات بنسبة 182% لتصل إلى 780 مليون يوان، ما يشير إلى توسّع قوي في الطلب على منتجات الشركة من رقائق الرسوميات ومعجلات الذكاء الاصطناعي.

3. تقييمات مرتفعة… ربما أكثر مما ينبغي

يبلغ مضاعف سعر السهم إلى المبيعات نحو 123 مرة عند سعر الطرح، مقارنة بمتوسط 111 مرة في القطاع، وهو ما دفع المستشار المالي للشركة لتحذير المستثمرين من مخاطر التقييمات المرتفعة.

4. ضغوط على الشركات المرتبطة

هبط سهم “شينزين H&T” – المساهم الصغير في الشركة – بنسبة 10% بعد الإدراج، في إشارة إلى قلق السوق من أي ارتباطات غير مباشرة مع التقييمات الضخمة.


من قيود واشنطن إلى رهان بكين: «مور ثريدز» بين المطرقة والسندان

تأسست الشركة عام 2020 على يد جانغ جيان تشونغ، وهو أحد أبرز المديرين السابقين في Nvidia، ما منحها خبرة عميقة في عالم معالجات الرسوميات.

لكن الشركة تلقت ضربة قاسية عام 2023 بعد أن أدرجتها وزارة التجارة الأمريكية على القائمة السوداء، ما حرمها من الوصول إلى تكنولوجيا أمريكية حساسة، بما في ذلك الأدوات اللازمة لتصميم وتصنيع الرقائق. وقد أدى ذلك إلى موجات تسريح وإعادة هيكلة داخلية.

ورغم ذلك، عاد التفاؤل ليمتد عبر قطاع الرقائق المحلي، مدفوعًا بدعم حكومي غير مسبوق. وقفز مؤشر «ستار 50» التكنولوجي بنسبة تتجاوز 30% هذا العام، بينما تضاعفت قيمة شركات كبرى مثل «كامبريكون».

كما تستعد شركات مثل «يانغتسي ميموري» و«تشانغ شين ميموري» لطرح اكتتابات قد تصل قيمتها إلى 300 مليار يوان لكل منهما، ما يعزز صورة قطاع يتجه نحو طفرة تاريخية.


ماذا يعني هذا الإدراج لسوق الرقائق الصينية؟

يمكن تلخيص دلالات صعود «مور ثريدز» في أربع نقاط:

1. تسريع جهود الصين لتحقيق الاكتفاء التكنولوجي

إدراج ناجح بهذا الحجم يرسل إشارة قوية للمستثمرين بأن الدولة عازمة على خلق بدائل محلية لإنفيديا وأشباهها.

2. إثبات قدرة الشركات الناشئة على جذب تمويل ضخم

جمع 8 مليارات يوان من اكتتاب لشركة لا تزال خاسرة يُعد مؤشرًا على ثقة عالية في مستقبل السوق.

3. ارتفاع المنافسة داخل السوق المحلية نفسها

قد يؤدي تدفق السيولة إلى سحب أموال من شركات أخرى، كما حذّر بعض مديري الصناديق.

4. انعكاسات عالمية

نجاح «مور ثريدز» قد يشجع ظهور نماذج مشابهة خارج الصين، خاصة في الأسواق التي تواجه تحديات في الوصول إلى رقائق أمريكية.


صعود استثنائي لكنه محفوف بالتحديات

لم يكن إدراج «مور ثريدز» مجرد نجاح مالي، بل حدث استراتيجي يلامس صميم الصراع العالمي على الهيمنة التكنولوجية. فبينما تفرض واشنطن قيودًا تستهدف إبطاء قدرات الصين، تتحرك بكين بسرعة لتمويل شركاتها المحلية ودفعها لتطوير معالجات قادرة على منافسة Nvidia.

لكن رغم القفزة الهائلة، يبقى الطريق طويلًا أمام «مور ثريدز» لتحقيق الاستقرار المالي وتجاوز العقبات المتعلقة بسلاسل التوريد والابتكار. ومع ذلك، فإن انطلاقتها في البورصة كانت كفيلة بإرسال رسالة واضحة: سباق رقائق الذكاء الاصطناعي لم يعد صراعًا أمريكيًا–صينيًا فقط، بل أصبح سباق شركات ناشئة تصنع تاريخًا جديدًا.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى