من وظيفة مرموقة إلى ريادة مستقلة.. قصة نجاح ملهمة لرجل غيّر مساره في بلد آخر

في عالم تحكمه الوظائف المستقرة والمسارات المهنية المرسومة سلفًا، قلّما يجرؤ البعض على القفز خارج الدائرة الآمنة. لكن إيثان سبايبي، مستشار الاتصالات البريطاني، اختار أن يسبح عكس التيار، وأن يستبدل حياة مهنية مضمونة في قلب لندن بتجربة ريادية أكثر جرأة على ضفاف المتوسط، حيث برشلونة، المدينة التي أعادت تعريف مفهوم النجاح لديه.
حياة مهنية مكتملة… لكن ناقصة
قبل سنوات قليلة، كان إيثان سبايبي نموذجًا للنجاح المهني التقليدي. يعمل مديرًا في وكالة اتصالات مرموقة في وستمنستر، أحد أكثر أحياء لندن نفوذًا وحراكًا سياسيًا وإعلاميًا. راتب ثابت، مسار وظيفي واضح، شبكة علاقات قوية، ومستقبل يبدو مضمونًا.
من الخارج، كانت الصورة مثالية. لكن من الداخل، كان هناك شعور متزايد بعدم الاكتفاء. إحساس خفي بأن هذا المسار، رغم نجاحه، لا يعكس طموحه الحقيقي ولا شغفه بالحرية والاستقلال. يقول المقربون منه إن إيثان لم يكن يومًا أسير الوظيفة، بل كان يرى العمل وسيلة للحياة، لا العكس.

برشلونة… الاكتشاف الأول
تعود جذور التحول إلى عام 2013، عندما انتقل إيثان إلى برشلونة ضمن برنامج دراسي في الاقتصاد واللغة الإسبانية. كانت تلك المرة الأولى التي يعيش فيها خارج المملكة المتحدة لفترة طويلة، وكانت بمثابة صدمة إيجابية.
برشلونة لم تكن مجرد مدينة جديدة، بل تجربة حياتية متكاملة. شوارع تنبض بالفن، طقس معتدل، ثقافة اجتماعية منفتحة، وتوازن واضح بين العمل والحياة. الطعام، البحر، الإيقاع اليومي، كلها عناصر جعلته يعيد النظر في مفهوم “العيش الجيد”.
مع مرور الأشهر، بدأ الشعور بالانتماء يتشكل. لم تكن برشلونة محطة مؤقتة في حياته، بل مكانًا شعر فيه للمرة الأولى أن الحياة يمكن أن تُعاش دون استعجال.
العودة إلى لندن… والحنين المستمر
بعد التخرج عام 2014، عاد إيثان إلى لندن ليبدأ حياته المهنية. نجح سريعًا في قطاع الاتصالات، وتدرّج حتى وصل إلى منصب إداري مهم. لكن برشلونة لم تغادر ذهنه.
كان يزورها تقريبًا كل عام، أحيانًا للسياحة، وأحيانًا للعمل عن بُعد. ومع كل زيارة، كانت المقارنة تتجدد: كلفة المعيشة المرتفعة في لندن مقابل بساطة الحياة في برشلونة، ساعات العمل الطويلة مقابل وقت أطول للحياة الشخصية.
حتى التفاصيل الصغيرة كانت كاشفة. تذكرة طيران ذهاب وعودة بين لندن وبرشلونة كانت تكلفه نحو 60 جنيهًا إسترلينيًا، أقل من نصف تكلفة بطاقة القطار الشهرية داخل لندن. وجبة لشخصين في مطعم محلي ببرشلونة لا تتجاوز 35 جنيهًا، بينما القهوة نفسها تكلف نصف سعرها في العاصمة البريطانية.
سؤال الثلاثينيات: هل هذا ما أريده حقًا؟
مع اقترابه من منتصف الثلاثينيات، بدأ إيثان يطرح على نفسه أسئلة أكثر عمقًا. هل يريد أن يقضي بقية حياته في سباق الترقيات؟ هل يقبل بنمط حياة قائم على الإيجارات المرتفعة، الانتقال إلى الضواحي، والروتين اليومي المرهق؟
كان واضحًا له أنه لا يسعى إلى النمط التقليدي للحياة الأسرية، ولا يرى نفسه مرتبطًا بخيارات الاستقرار التي يفرضها المجتمع عادة. هذا الإدراك حرّره من كثير من القيود النفسية، وفتح الباب أمام قرار أكثر جرأة: الانتقال إلى بلد آخر.

صيف القرار الكبير
في صيف 2024، حسم إيثان أمره. قرر الانتقال إلى برشلونة بشكل دائم. لكن القرار لم يكن رومانسيًا فقط، بل تطلب حسابات دقيقة، خاصة على المستوى المهني.
وظيفته في وكالة الاتصالات لم تكن قابلة للنقل بسبب سياسات الشركة والاعتبارات الضريبية. كان أمامه خياران لا ثالث لهما: البحث عن وظيفة جديدة في إسبانيا، أو تأسيس مشروعه الخاص.
بالنسبة له، كان الخيار الثاني أكثر انسجامًا مع حلم الاستقلال الذي طالما راوده.
ولادة Born Advisory
هكذا وُلدت Born Advisory، شركة استشارات متخصصة في تدريب الرؤساء التنفيذيين وكبار المديرين على مهارات التواصل، المقابلات الإعلامية، والتحدث أمام الجمهور.
اختار إيثان اسم الشركة بعناية، مستلهمًا إياه من حي “إل بورن”، أحد أكثر أحياء برشلونة حيوية وإبداعًا. الحي الذي يجمع بين التاريخ والحداثة، ويعكس الروح التي أراد أن تحملها شركته: مهنية، إنسانية، وغير تقليدية.
اعتمد في بداياته على شبكة علاقاته في لندن، ومعرفته العميقة بقطاع الاتصالات، ما سهّل عليه جذب أول العملاء، خاصة من الشركات البريطانية التي تبحث عن مدربين يتمتعون بخبرة دولية.
حياة بين مدينتين
الانتقال لم يكن قطيعة تامة مع لندن. لا يزال إيثان يسافر إليها مرتين شهريًا لحضور اجتماعات مهمة. يصل عادة صباح الثلاثاء، ويعود مساء الأربعاء.
رحلة مكثفة، لكنها – من وجهة نظره – ثمن بسيط مقابل أسلوب الحياة الذي اختاره. كان يقول إن الاستيقاظ في برشلونة، بالقرب من البحر وتحت شمس المتوسط، يعوض عن أي عناء سفر.
أثناء وجوده في لندن، كان يقيم غالبًا عند أصدقاء، أو يحجز غرفة فندق اقتصادية بنحو 100 جنيه إسترليني، باعتبارها نفقات عمل يمكن استيعابها بسهولة.
عمل أكثر شغفًا… وفاعلية
اللافت أن انتقاله لم يؤثر سلبًا على عمله، بل على العكس. لاحظ عملاؤه فرقًا واضحًا في أدائه، شغفه، والتزامه الشخصي.
العمل لم يعد مجرد وظيفة، بل مشروعًا يعكس هويته وقيمه. أصبح أكثر قدرة على اختيار عملائه، تنظيم وقته، وتقديم قيمة حقيقية، بدل الالتزام بإطار مؤسسي صارم.
انعكاس التجربة: ما الذي تغيّر؟
يصف إيثان تجربته بأنها استثمار في الذات قبل أن تكون مغامرة مهنية. الانتقال إلى برشلونة لم يمنحه فقط نمط حياة أفضل، بل أعاد ترتيب أولوياته، وحرّره من ضغوط لم يكن يدرك حجمها سابقًا.
التوازن بين العمل والحياة لم يعد شعارًا، بل واقعًا يوميًا. الوقت أصبح موردًا ثمينًا يُدار بوعي، لا يُستهلك في التنقل والروتين.
ريادة الأعمال… خطوة خارج منطقة الراحة
قصة إيثان سبايبي ليست استثناءً، لكنها تذكير قوي بأن ريادة الأعمال تبدأ غالبًا بخطوة جريئة خارج منطقة الراحة.
القرارات الكبيرة ليست سهلة، وتحمل في طياتها مخاطر حقيقية، لكن المخاطرة المدروسة قد تكون بوابة لتحولات لا تُقدّر بثمن، سواء على المستوى المهني أو الشخصي.
لكل من يفكر في خوض تجربة مماثلة، تجربة إيثان تقدم درسًا واضحًا: الاستقلالية، حين تُبنى على وعي وخبرة، يمكن أن تكون أقوى محفز للنجاح.

ما بين الأمان والتجربة
في النهاية، يختصر إيثان رحلته في فكرة واحدة: الفرق بين حياة مريحة نسبيًا، وحياة تُعاش بشغف. الأولى تمنح أمانًا، لكن الثانية تمنح معنى.
وتبقى قصته شهادة على أن الحرية المهنية، حين تقترن بالعمل الجاد والاستثمار في النفس، ليست رفاهية، بل خيار واقعي قادر على صناعة نجاح مختلف… وأكثر صدقًا.




