رسالة داخلية في جوجل: لا تغادروا أمريكا إذا كنتم على تأشيرة عمل
تحذير داخلي في «جوجل» يربك آلاف الموظفين: السفر الدولي قد يعني الغياب القسري عن أمريكا
في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل كبرى شركات التكنولوجيا الأمريكية، حذّرت شركة «جوجل» عددًا من موظفيها الحاصلين على تأشيرات عمل أمريكية، وعلى رأسها تأشيرة H-1B، من مغبة السفر إلى خارج الولايات المتحدة خلال الفترة الحالية، بسبب التأخيرات غير المسبوقة التي تشهدها السفارات والقنصليات الأمريكية حول العالم في معالجة طلبات التأشيرات.
التحذير، الذي كشف عنه تقرير لموقع «بيزنس إنسايدر»، لم يأتِ في سياق عابر أو احترازي تقليدي، بل حمل نبرة قانونية واضحة تشير إلى مخاطر حقيقية قد تضع الموظف في موقف بالغ التعقيد، يصل حد البقاء خارج الأراضي الأمريكية لفترات طويلة قد تمتد إلى عام كامل.
هذا التطور يسلّط الضوء على أزمة متفاقمة تعيشها العمالة الأجنبية الماهرة في الولايات المتحدة، ويعيد إلى الواجهة الجدل القديم المتجدد حول سياسات الهجرة، ودور تأشيرات العمل في دعم الاقتصاد الأمريكي، خاصة في قطاع التكنولوجيا الذي يعتمد بشكل كبير على الكفاءات الدولية.

رسالة قانونية صارمة: لا تغادروا الولايات المتحدة
بحسب التقرير، أُرسلت رسالة داخلية يوم الخميس الماضي من مكتب المحاماة الخارجي المتعاقد مع «جوجل»، «بال إميجريشن لو»، إلى عدد من موظفي الشركة، خاصة أولئك الذين يحتاجون إلى ختم تأشيرة جديد على جوازات سفرهم لإعادة الدخول إلى الولايات المتحدة.
الرسالة أوضحت بشكل مباشر أن السفر الدولي في الوقت الراهن قد يحمل مخاطر جسيمة، في ظل التمدد الكبير في فترات معالجة التأشيرات داخل السفارات والقنصليات الأمريكية، وهو ما قد يحول رحلة قصيرة إلى غياب قسري طويل عن مقر العمل.
وأشارت المذكرة القانونية إلى أن بعض البعثات الدبلوماسية الأمريكية تعاني من اختناقات إدارية شديدة، أدت إلى وصول فترات الانتظار للحصول على موعد تأشيرة إلى 12 شهرًا أو أكثر في بعض الدول، وهو ما يعني أن الموظف الذي يغادر الولايات المتحدة قد لا يتمكن من العودة في إطار زمني معقول.
التحذير شدد على أن الشركة لا تستطيع ضمان سرعة المعالجة أو التدخل لتسريع الإجراءات، في ظل تشدد حكومي متزايد وتراكم الطلبات غير المنجزة منذ سنوات.
أزمة مواعيد التأشيرات: تراكمات ما بعد الجائحة وسياسات أكثر تشددًا
لا يمكن فهم تحذير «جوجل» بمعزل عن السياق الأوسع الذي تعيشه منظومة الهجرة الأمريكية منذ جائحة كورونا. فالإغلاق الجزئي للسفارات خلال فترة الجائحة، وتراجع أعداد الموظفين القنصليين، ثم الارتفاع المفاجئ في الطلب على التأشيرات بعد إعادة الفتح، كلها عوامل ساهمت في خلق أزمة مزمنة في مواعيد التأشيرات.
لكن الأزمة لا تتوقف عند العوامل الإدارية فقط، إذ تزامن هذا التكدس مع تحولات سياسية وأمنية أعادت تشديد إجراءات التدقيق والفحص الأمني، خصوصًا بالنسبة لتأشيرات العمل.
وفي هذا الإطار، لم تعد مسألة الحصول على تأشيرة أو تجديدها إجراءً روتينيًا، بل أصبحت عملية معقدة متعددة المراحل، تتطلب وقتًا أطول وفحوصًا أكثر دقة، ما يزيد من حالة عدم اليقين لدى الموظفين وأرباب العمل على حد سواء.
تأشيرة H-1B في قلب العاصفة
يأتي تحذير «جوجل» في وقت تشهد فيه تأشيرة H-1B، المخصصة للعمالة عالية المهارة، موجة جديدة من الجدل السياسي والإعلامي داخل الولايات المتحدة.
إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلنت هذا الشهر تشديد إجراءات التدقيق على المتقدمين للحصول على هذه التأشيرة، بما في ذلك فحص حسابات وسائل التواصل الاجتماعي، في خطوة أثارت انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وشركات تكنولوجيا كبرى.
وترى الإدارة الأمريكية أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الأمن القومي وضمان أن العمالة الأجنبية لا تُستخدم كوسيلة للالتفاف على سوق العمل المحلي، بينما تعتبرها الشركات عائقًا مباشرًا أمام استقطاب المواهب العالمية التي يعتمد عليها الابتكار والنمو.

رسم 100 ألف دولار يعيد إشعال الجدل
إلى جانب التشديد الأمني، أثار قرار الإدارة الأمريكية هذا العام بفرض رسم قدره 100 ألف دولار على الطلبات الجديدة لتأشيرة H-1B موجة غضب واسعة داخل الأوساط الاقتصادية.
ويرى منتقدو القرار أن هذا الرسم يشكل عبئًا ماليًا ضخمًا، خاصة على الشركات الناشئة والمتوسطة، ويمنح أفضلية غير عادلة للشركات العملاقة القادرة على تحمل هذه التكاليف، مثل «جوجل» و«أمازون» و«مايكروسوفت».
في المقابل، تدافع الإدارة عن القرار باعتباره وسيلة للحد من إساءة استخدام البرنامج وضمان توظيف العمالة الأجنبية فقط في الوظائف التي تعاني نقصًا حقيقيًا في السوق المحلي.
قطاع التكنولوجيا الأكثر تأثرًا
يُعد قطاع التكنولوجيا الأمريكي من أكثر القطاعات اعتمادًا على تأشيرات H-1B، حيث تشكل العمالة القادمة من دول مثل الهند والصين العمود الفقري للعديد من فرق التطوير والهندسة والذكاء الاصطناعي.
شركات مثل «جوجل» و«ميتا» و«آبل» و«أمازون» تعتمد بشكل واسع على هذه الكفاءات، ليس فقط لسد نقص المهارات، بل للحفاظ على قدرتها التنافسية عالميًا في مجالات متقدمة مثل الحوسبة السحابية والتعلم الآلي وأمن المعلومات.
ومن هنا، فإن أي اضطراب في نظام التأشيرات لا ينعكس فقط على الموظفين الأفراد، بل يمتد تأثيره إلى خطط الشركات واستمرارية المشاريع وتوازن فرق العمل.
موظفون بين خيارين أحلاهما مرّ
بالنسبة للموظفين الحاصلين على تأشيرات عمل، يضعهم تحذير «جوجل» أمام معادلة صعبة: إما الالتزام بالبقاء داخل الولايات المتحدة لفترة غير محددة، مع ما يحمله ذلك من أعباء نفسية واجتماعية، أو المجازفة بالسفر وتحمل خطر عدم القدرة على العودة في الوقت المناسب.
كثير من هؤلاء الموظفين لديهم التزامات عائلية خارج أمريكا، من زيارات لأهلهم أو حضور مناسبات إنسانية طارئة، ما يجعل قرار عدم السفر شديد القسوة.
وتشير تقارير غير رسمية إلى أن بعض الموظفين اضطروا بالفعل إلى تأجيل زيارات عائلية لعدة سنوات، خشية الوقوع في فخ التأخير القنصلي.
سابقة من «ألفابت»: تحذير متكرر
التحذير الأخير ليس الأول من نوعه. ففي سبتمبر الماضي، كانت الشركة الأم لـ«جوجل»، «ألفابت»، قد أصدرت رسالة داخلية قوية اللهجة، نصحت فيها موظفيها بتجنب السفر الدولي، وحثّت بشكل خاص حاملي تأشيرات H-1B على البقاء داخل الولايات المتحدة.
وبحسب رسالة اطّلعت عليها وكالة «رويترز»، فإن «ألفابت» عبّرت آنذاك عن مخاوفها من تعقيد إجراءات العودة، وعدم القدرة على التنبؤ بمدة المعالجة.
هذا التكرار يعكس أن المشكلة ليست ظرفية أو مؤقتة، بل جزء من واقع جديد تعيشه العمالة الأجنبية في الولايات المتحدة.
تداعيات أوسع على صورة أمريكا كوجهة للمواهب
يرى محللون أن استمرار هذه الأوضاع قد يضر بصورة الولايات المتحدة كوجهة جاذبة للمواهب العالمية، في وقت تتسابق فيه دول أخرى، مثل كندا وألمانيا وأستراليا، لتسهيل إجراءات الهجرة واستقطاب الكفاءات التقنية.
ويحذر خبراء الاقتصاد من أن القيود المتزايدة قد تدفع بعض العقول المبدعة إلى البحث عن فرص بديلة خارج الولايات المتحدة، ما قد ينعكس سلبًا على الابتكار والنمو طويل الأجل.

بين الأمن والاقتصاد: معادلة معقدة
في نهاية المطاف، يعكس تحذير «جوجل» التوتر القائم بين اعتبارات الأمن القومي والسياسات الاقتصادية من جهة، واحتياجات سوق العمل والابتكار من جهة أخرى.
وبينما تسعى الحكومة الأمريكية إلى تشديد الرقابة وضبط منظومة الهجرة، تجد الشركات والموظفون أنفسهم عالقين في منطقة رمادية، يسيطر عليها عدم اليقين والخوف من قرارات غير متوقعة.
ويبقى السؤال مفتوحًا: إلى أي مدى يمكن للاقتصاد الأمريكي، وخاصة قطاع التكنولوجيا، أن يتحمل استمرار هذه القيود دون أن يدفع ثمنًا باهظًا على المدى البعيد؟




