يلا تيك

صفقة Cambridge.. جوجل تعزّز إمبراطورية «DeepMind» باستحواذ جديد

في خطوة جديدة تعكس تسارع السباق العالمي على تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدم، أعلنت شركة جوجل استحواذها على شركة «كومن سينس ماشينز» (Common Sense Machines)، وهي شركة ناشئة مقرها مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس الأمريكية، ومتخصصة في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي توليدي قادرة على إنشاء أصول ثلاثية الأبعاد انطلاقًا من صور ثنائية الأبعاد.

ويأتي هذا الاستحواذ في توقيت بالغ الأهمية، حيث تتنافس كبرى شركات التكنولوجيا العالمية على بناء ما يُعرف بـ«نماذج العالم» القادرة على فهم الواقع المادي ومحاكاته رقميًا، في إطار توجه أوسع نحو دمج الذكاء الاصطناعي بالواقع الممتد (XR)، والميتافيرس، والروبوتات، وصناعة المحتوى الرقمي ثلاثي الأبعاد.


تفاصيل الصفقة: استحواذ هادئ بأبعاد عميقة

وبحسب ما صرّح به متحدث رسمي باسم جوجل، فقد أُنجزت الصفقة خلال الأسبوع الجاري، دون الإفصاح عن قيمتها المالية، في نهج بات معتادًا من الشركة عند إتمام صفقات استحواذ تستهدف القدرات البحثية أكثر من الأصول التجارية المباشرة.

ووفق بيانات مهنية صادرة عن منصات تتبع الاستثمار الجريء، تضم شركة «كومن سينس ماشينز» نحو 12 موظفًا فقط، ما يشير إلى أنها كانت تعمل كنواة بحثية عالية التخصص، أكثر من كونها شركة توسعية تستهدف الأسواق الواسعة.

وكانت آخر قيمة تقييم معلنة للشركة الناشئة قد بلغت نحو 15 مليون دولار، بعد أن نجحت في جمع تمويلات إجمالية وصلت إلى 10 ملايين دولار من مجموعة من المستثمرين البارزين، من بينهم صندوق رأس المال الجريء الشهير أندريسن هورويتز (Andreessen Horowitz)، وذلك بحسب بيانات منصة «بيتش بوك» المتخصصة في تتبع الصفقات والاستثمارات.

صفقة Cambridge.. جوجل تعزّز إمبراطورية «DeepMind» باستحواذ جديد
صفقة Cambridge.. جوجل تعزّز إمبراطورية «DeepMind» باستحواذ جديد

جذور البحث العلمي: صلة مباشرة بجوجل ديب مايند

ويكتسب هذا الاستحواذ بعدًا إضافيًا بالنظر إلى الخلفية العلمية لمؤسسي الشركة، إذ أشار التقرير إلى أن أحد الرئيسين التنفيذيين المشاركين لـ«كومن سينس ماشينز»، تيجاس كولكارني، سبق له العمل كباحث علمي في جوجل ديب مايند، الذراع البحثية المتقدمة لجوجل في مجال الذكاء الاصطناعي.

وقد غادر كولكارني جوجل ليشارك في تأسيس الشركة عام 2020، في فترة شهدت تحولًا جذريًا في مسار الذكاء الاصطناعي، خاصة مع صعود نماذج التعلم العميق، وبدايات الاهتمام بتقنيات الدمج بين الرؤية الحاسوبية والفهم المكاني ثلاثي الأبعاد.

ويرى مراقبون أن عودة كولكارني وفريقه إلى جوجل، ولكن هذه المرة عبر بوابة الاستحواذ، تعكس نمطًا متكررًا في إستراتيجية الشركة، التي تعتمد على احتضان العقول البحثية المتميزة، سواء من الداخل أو عبر استرجاعها من الشركات الناشئة.


ما الذي تفعله «كومن سينس ماشينز»؟

تتركز خبرة الشركة المستحوذ عليها في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على تحويل الصور الثنائية الأبعاد إلى نماذج ثلاثية الأبعاد دقيقة، وهي تقنية تُعد حجر أساس في عدد واسع من التطبيقات المستقبلية، من بينها:

  • تطوير ألعاب الفيديو والبيئات الافتراضية

  • إنشاء محتوى ثلاثي الأبعاد للواقع المعزز والافتراضي

  • تدريب الروبوتات على فهم العالم الفيزيائي

  • تصميم المنتجات والهندسة الرقمية

  • محاكاة البيئات الواقعية لأغراض البحث والتطوير

وتكمن أهمية هذه التقنيات في أنها تقلل بشكل كبير من الوقت والتكلفة اللازمين لإنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد، والتي كانت حتى وقت قريب تتطلب تدخلًا بشريًا كثيفًا وخبرات تقنية عالية.


دلالات استراتيجية: جوجل تراهن على المستقبل متعدد الوسائط

يعكس هذا الاستحواذ استمرار توجه جوجل نحو تعميق استثماراتها في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي ومتعدد الوسائط، وهي الفئة التي تجمع بين النصوص والصور والصوت والفيديو، بل وتتجاوزها الآن إلى الفضاء ثلاثي الأبعاد.

ويأتي ذلك بعد النجاحات التي حققتها جوجل في مجال توليد الصور، لا سيما مع إطلاق نماذج قادرة على إنشاء صور عالية الجودة انطلاقًا من أوصاف نصية، ومن بينها النموذج المعروف داخليًا باسم «نانو بانانا»، والذي حظي باهتمام واسع في الأوساط التقنية لقدراته على إنتاج صور واقعية بدقة وسرعة لافتتين.

لكن الرهان الحقيقي لجوجل لا يقتصر على الصور ثنائية الأبعاد، بل يمتد إلى بناء أنظمة قادرة على فهم العالم كما هو موجود فيزيائيًا، وهو ما يفتح الباب أمام تطبيقات أكثر تعقيدًا وواقعية.


«نماذج العالم»: رؤية ديميس هاسابيس

وفي هذا السياق، سبق لرئيس جوجل ديب مايند، ديميس هاسابيس، أن شدد في أكثر من مناسبة على أهمية ما يُعرف بـ«نماذج العالم» (World Models)، وهي نماذج ذكاء اصطناعي لا تكتفي بتحليل البيانات، بل تحاكي القوانين الفيزيائية والمنطق المكاني للعالم الحقيقي.

ويرى هاسابيس أن الوصول إلى ذكاء اصطناعي عام (AGI) يمر حتمًا عبر تمكين الآلات من فهم البيئة المادية، والتفاعل معها، والتنبؤ بنتائج الأفعال داخلها، وهو ما يجعل تقنيات النمذجة ثلاثية الأبعاد عنصرًا جوهريًا في هذا المسار.

ومن هنا، يمكن فهم استحواذ جوجل على «كومن سينس ماشينز» باعتباره خطوة عملية لتعزيز هذا التوجه، من خلال دمج خبرات متخصصة في بناء الجسور بين الرؤية الحاسوبية والإدراك المكاني.


المرحلة المقبلة: اندماج بحثي لا تجاري

وعلى صعيد المرحلة التالية للاستحواذ، أكد المتحدث باسم جوجل أن الموظفين السابقين في شركة «كومن سينس ماشينز» سينضمون إلى فرق العمل داخل جوجل ديب مايند، في خطوة تعكس نية الشركة دمج الخبرات التقنية للشركة الناشئة ضمن إستراتيجيتها البحثية والتطويرية، بدلًا من الإبقاء عليها كوحدة مستقلة.

ويشير هذا القرار إلى أن جوجل لا تستهدف بالضرورة تحويل تقنيات الشركة إلى منتج تجاري مباشر في المدى القريب، بقدر ما تسعى إلى توظيفها كجزء من منظومة بحثية أوسع، تخدم تطور نماذجها الأساسية في الذكاء الاصطناعي.


سباق عالمي محتدم

يأتي هذا التحرك في ظل منافسة محتدمة بين عمالقة التكنولوجيا، حيث تعمل شركات مثل مايكروسوفت وميتا وإنفيديا على تطوير تقنيات مشابهة، سواء عبر البحث الداخلي أو من خلال الاستحواذ على شركات ناشئة متخصصة في الذكاء الاصطناعي ثلاثي الأبعاد.

وتسعى هذه الشركات إلى تأمين موقع متقدم في الموجة المقبلة من التحول الرقمي، التي يُتوقع أن تعيد تشكيل صناعات بأكملها، من الترفيه والتعليم، إلى التصنيع والرعاية الصحية.


استثمار في العقول قبل التقنيات

في المحصلة، يعكس استحواذ جوجل على «كومن سينس ماشينز» فلسفة واضحة في إدارة الابتكار، تقوم على الاستثمار في العقول البحثية المتخصصة قبل التركيز على المنتجات الجاهزة، وعلى بناء قدرات طويلة الأمد بدلًا من السعي وراء مكاسب سريعة.

ومع تسارع تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتزايد أهمية النماذج القادرة على فهم الواقع المادي، يبدو أن جوجل تضع لبنة جديدة في مسار طويل، قد يقود في نهايته إلى أنظمة أكثر ذكاءً، وأكثر قربًا من إدراك العالم كما يراه الإنسان.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى