وزارة إيلون ماسك.. هل نجحت وزارة الكفاءة الحكومية في كبح جماح الإنفاق الأمريكي خلال عام 2025؟

مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في دورته الحالية، سعى منذ الأيام الأولى لإطلاق إشارات قوية تعكس رؤيته لإدارة الدولة، وفي مقدمتها تقليص حجم الحكومة الفيدرالية وكبح ما يصفه بـ«الترهل البيروقراطي» الذي استنزف الموازنة الأمريكية لعقود. ومن هنا، أعلن ترامب عن خطوة غير مسبوقة تمثلت في إنشاء وزارة جديدة حملت اسم وزارة الكفاءة الحكومية، وهي كيان استثنائي أُوكلت إليه مهمة خفض الإنفاق العام وإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة.
اللافت في هذه الخطوة لم يكن فقط استحداث وزارة جديدة في وقت يرفع فيه شعار تقليص الحكومة، بل اختيار رجل الأعمال الملياردير إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم وصديق ترامب المقرب، لقيادة هذا المشروع الطموح. وبين وعود ضخمة ونتائج متباينة، انتهى عام 2025 ليطرح تساؤلات عميقة حول ما حققته هذه الوزارة فعليًا، وما إذا كانت قد نجحت في تغيير قواعد اللعبة أم اكتفت بإحداث صدمة مؤقتة داخل أروقة واشنطن.
إيلون ماسك يدخل دهاليز الدولة
لم يكن دخول إيلون ماسك إلى قلب الجهاز الحكومي الأمريكي حدثًا عاديًا. فالرجل الذي ارتبط اسمه بثورات تكنولوجية كبرى، من السيارات الكهربائية إلى استكشاف الفضاء، وجد نفسه فجأة في مواجهة واحدة من أعقد المؤسسات في العالم: البيروقراطية الفيدرالية الأمريكية.
منذ اللحظة الأولى، قدّم ماسك نفسه بوصفه «رجل المهمات الصعبة»، متعهدًا باستخدام عقلية الشركات الناشئة لإصلاح ما اعتبره جهازًا حكوميًا مترهلًا، يستهلك المليارات دون كفاءة حقيقية. وأطلق على مشروعه اختصار DOGE، في إشارة ساخرة تحمل دلالة مزدوجة بين «وزارة الكفاءة الحكومية» وعملة «دوجكوين» المشفرة المرتبطة باسمه.

تراجع تاريخي في أعداد الموظفين الفيدراليين
أحد أبرز المؤشرات التي يمكن رصدها عند تقييم تجربة وزارة الكفاءة الحكومية هو الانخفاض الحاد في أعداد العاملين بالحكومة الفيدرالية. فبحسب البيانات الرسمية، تراجع عدد الموظفين بنحو 9% خلال عام واحد، حيث انخفض من حوالي 3.015 مليون موظف اتحادي في يناير إلى نحو 2.744 مليون موظف بحلول نوفمبر 2025.
ويمثل هذا التراجع أكبر خفض في القوى العاملة الفيدرالية تشهده الولايات المتحدة منذ عقود، وهو ما اعتبره مؤيدو ماسك دليلًا واضحًا على نجاحه في تنفيذ وعده باستخدام «المنشار الكهربائي» لقطع أوصال البيروقراطية، وهو التعبير الذي استخدمه حرفيًا خلال ظهوره في أحد الفعاليات السياسية، رافعًا أداة كهربائية أمام الحضور في مشهد أثار جدلًا واسعًا.
تخفيض الوظائف… دون خفض الإنفاق
ورغم هذا التراجع اللافت في أعداد الموظفين، فإن الصورة لم تكن وردية على صعيد الإنفاق الحكومي. فخلافًا لتوقعات أن يؤدي تقليص القوى العاملة إلى خفض تلقائي في المصروفات، أظهرت البيانات أن الإنفاق الفيدرالي واصل ارتفاعه خلال العام.
ووفقًا لأداة الرصد التابعة لمشروع هاميلتون بمؤسسة بروكينجز، والتي تتابع الإنفاق الحكومي لحظة بلحظة، ارتفعت النفقات الفيدرالية من 7.135 تريليون دولار إلى نحو 7.558 تريليون دولار حتى 19 ديسمبر 2025، أي بزيادة تتجاوز 420 مليار دولار خلال عام واحد.
هذه الأرقام وضعت وزارة ماسك في مرمى الانتقادات، حيث أشار معهد كاتو في تحليله السنوي إلى أن DOGE لم يكن لها تأثير ملموس على المسار العام للإنفاق الحكومي، رغم الضجة الإعلامية التي صاحبت عملها.
نجاح إداري أم فشل مالي؟
هذا التناقض بين خفض عدد الموظفين واستمرار تصاعد الإنفاق فتح الباب أمام نقاش واسع في الأوساط السياسية والاقتصادية الأمريكية. فهل يمكن اعتبار الوزارة ناجحة لأنها أعادت تشكيل الجهاز الإداري وقلصت حجمه؟ أم أن فشلها في كبح جماح الإنفاق يضع علامات استفهام كبرى حول جدوى التجربة؟
يرى منتقدو ماسك أن تقليص الوظائف دون إصلاح هيكلي شامل لطريقة إدارة الأموال العامة لا يؤدي بالضرورة إلى وفورات حقيقية، بل قد يخلق أزمات تشغيلية ويضعف جودة الخدمات الحكومية. في المقابل، يؤكد مؤيدوه أن النتائج المالية تحتاج إلى وقت أطول للظهور، وأن ما تحقق خلال عام واحد يُعد إنجازًا غير مسبوق.
استقالات مؤجلة وتسريحات مثيرة للجدل
من أكثر الخطوات إثارة للجدل التي اتخذها ماسك كان برنامج الاستقالة المؤجلة، الذي أطلقه في وقت مبكر من العام، عارضًا على آلاف الموظفين الفيدراليين مغادرة وظائفهم مقابل حوافز مالية وتأجيل رسمي لإنهاء الخدمة.
وقد بلغ تأثير هذا البرنامج ذروته في أكتوبر 2025، عندما شهدت الحكومة الفيدرالية أكبر انخفاض شهري في عدد العاملين، تجاوز 150 ألف موظف دفعة واحدة. ومع إضافة التسريحات الأخرى، انخفض إجمالي عدد العاملين بأكثر من 270 ألف موظف مقارنة ببداية العام.
ورغم أن بعض قرارات التسريح تم التراجع عنها لاحقًا بفعل ضغوط قضائية ونقابية، فإن الأثر العام ظل قائمًا، وأعاد تشكيل الخريطة الوظيفية داخل المؤسسات الفيدرالية.

وعود مالية تتقلص بمرور الوقت
عندما بدأ ماسك الترويج لمشروع DOGE في عام 2024، رفع سقف التوقعات عاليًا، متعهدًا بتحقيق وفورات سنوية لا تقل عن تريليوني دولار. لكن هذه الوعود بدأت تتقلص تدريجيًا مع اقتراب موعد التنفيذ.
خلال الحملة الانتخابية في 2025، جرى تخفيض الرقم إلى تريليون دولار، ثم عاد ليهبط مرة أخرى إلى نحو 150 مليار دولار فقط، وهو ما اعتبره مراقبون اعترافًا ضمنيًا بصعوبة تحقيق التخفيضات الجذرية التي وعد بها في البداية.
استهداف مؤسسات حساسة
لم يتردد ماسك في توجيه مقص التخفيضات نحو مؤسسات حكومية حساسة، من بينها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) ومكاتب الضمان الاجتماعي، وهو ما أثار قلقًا واسعًا بشأن تأثير هذه التخفيضات على البرامج الاجتماعية والمساعدات الخارجية.
وقد أدت سرعة تنفيذ هذه القرارات إلى حالة من الارتباك داخل واشنطن، حيث تحولت الأشهر الأولى من ولاية ترامب إلى ساحة صراع بين الإدارة الجديدة والنقابات والكونغرس وأطراف قضائية متعددة.
نهاية مفاجئة لمهمة ماسك
في نهاية مايو 2025، انتهت مهمة إيلون ماسك على رأس وزارة الكفاءة الحكومية بشكل مفاجئ، دون مقدمات واضحة. ورغم غموض الأسباب الرسمية، فإن التكهنات تراوحت بين ضغوط سياسية، وخلافات داخل الإدارة، وإرهاق شخصي من طبيعة العمل الحكومي.
وفي تقييمه الشخصي للتجربة، الذي كشف عنه لاحقًا في بودكاست مع كاتي ميلر، وصف ماسك عمل الوزارة بأنه «ناجح إلى حد ما»، مؤكدًا أنها أوقفت الكثير من أوجه الهدر والتبذير، لكنه أقر في الوقت نفسه بأنه لا يرغب في تكرار التجربة مرة أخرى.
DOGE بعد ماسك… كيان بلا نفوذ؟
بعد رحيل ماسك، لم تعد وزارة الكفاءة الحكومية كيانًا مستقلًا بالثقل ذاته، رغم استمرارها شكليًا في نشر تحديثات متفرقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ويلاحظ أن قسم «أحدث الأعمال» على موقعها الرسمي لم يتم تحديثه منذ أغسطس الماضي، ما يعكس تراجع دورها وتأثيرها.
وبينما تؤكد الوزارة أن جهود خفض التكاليف لا تزال مستمرة، يرى مراقبون أن غياب ماسك أفقد المشروع زخمه السياسي والإعلامي، وحوّله إلى مبادرة بيروقراطية أخرى داخل النظام الذي كان من المفترض أن تحاربه.

حصيلة عام بين الطموح والواقع
في المحصلة، يكشف عام 2025 أن تجربة وزارة الكفاءة الحكومية بقيادة إيلون ماسك كانت جريئة وصادمة، لكنها لم تكن حاسمة بالقدر الذي وعد به صانعوها. فقد نجحت في تقليص أعداد الموظفين إلى مستويات غير مسبوقة، لكنها أخفقت في تحقيق الهدف الأهم: خفض الإنفاق الحكومي بصورة ملموسة.
وبين من يراها خطوة أولى ضرورية على طريق إصلاح طويل، ومن يعتبرها مغامرة سياسية مكلفة، تبقى تجربة ماسك في واشنطن مثالًا حيًا على الفجوة بين منطق الشركات الخاصة وتعقيدات إدارة الدولة، وعلى أن تقليص البيروقراطية قد يكون أسهل من تقليص فاتورة الإنفاق نفسها.




