يلا تيك

Palantir تحقق نموًا حكوميًا بنسبة 66% وسط جدل متزايد حول تقنيات المراقبة

تعود شركة Palantir Technologies إلى واجهة المشهد التكنولوجي والسياسي في الولايات المتحدة، ليس فقط بوصفها واحدة من أسرع شركات البرمجيات نموًا في قطاع الذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة، بل أيضًا باعتبارها نموذجًا صارخًا للتداخل المعقّد بين التكنولوجيا والأمن القومي والسياسة العامة.
فبينما أعلنت الشركة قفزة قوية في إيراداتها، مدفوعة بعقود حكومية ضخمة، تجد نفسها في الوقت ذاته في قلب عاصفة متجددة من الانتقادات الحقوقية والسياسية المرتبطة بتقنيات المراقبة التي تطورها واستخداماتها الحساسة.

هذا التناقض بين النمو المالي المتسارع والجدل الأخلاقي المتصاعد يعيد إلى الواجهة ملفًا قديمًا متجددًا حول حدود الخصوصية الفردية، ودور الشركات الخاصة في دعم الحكومات، ومدى شرعية استخدام الذكاء الاصطناعي في ملفات الهجرة والأمن القومي. وهي أسئلة لا تبدو إجاباتها سهلة، خصوصًا في مناخ أمريكي يشهد استقطابًا سياسيًا حادًا وتراجعًا في ثقة الرأي العام بالمؤسسات الرسمية.

وبحسب تقرير نشرته وكالة «رويترز»، دافع أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لشركة Palantir، بقوة عن تقنيات المراقبة التي تطورها شركته، مؤكدًا أنها تخضع لضوابط تقنية صارمة تحول دون إساءة استخدامها أو تجاوز الحكومة لصلاحياتها القانونية. وجاء هذا الدفاع بالتزامن مع إعلان الشركة تحقيق نمو قوي في الإيرادات خلال الربع الرابع من العام، ما زاد من حساسية التوقيت، وربط بين الأداء المالي والنقاش السياسي الدائر.

Palantir تحقق نموًا حكوميًا بنسبة 66% وسط جدل متزايد حول تقنيات المراقبة
Palantir تحقق نموًا حكوميًا بنسبة 66% وسط جدل متزايد حول تقنيات المراقبة

قفزة الإيرادات الحكومية: الدولة أكبر زبون

سجلت Palantir ارتفاعًا لافتًا في الإيرادات المتأتية من الحكومة الأمريكية بنسبة 66% خلال الربع الأخير مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، لتصل إلى نحو 570 مليون دولار. ويُعد هذا الرقم مؤشرًا واضحًا على تنامي اعتماد المؤسسات الحكومية، المدنية والعسكرية، على تقنيات التحليل المتقدم والذكاء الاصطناعي في إدارة الملفات الأمنية واللوجستية والاستخباراتية.

هذه القفزة لم تكن معزولة عن الأداء العام للشركة؛ إذ تجاوزت المبيعات الإجمالية 1.41 مليار دولار، متخطية توقعات المحللين، وهو ما انعكس سريعًا على ثقة المستثمرين، ودفع أسهم الشركة إلى الارتفاع بنحو 5% في تعاملات ما بعد الإغلاق، رغم حالة الحذر التي تسيطر على الأسواق العالمية.

وترى إدارة الشركة أن هذا النمو ليس حدثًا استثنائيًا، بل جزء من مسار طويل الأجل، مدعوم بعقود حكومية متعددة السنوات. وتشير التقديرات إلى أن مبيعات عام 2026 ستشهد قفزة إضافية، في انعكاس مباشر لتوسع استخدام تقنيات المراقبة والتحليلات القائمة على الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الرسمية الأمريكية، من وزارات الدفاع والأمن الداخلي إلى الهيئات التنظيمية.

تقنيات المراقبة: من الابتكار إلى ساحة الجدل

في صميم هذا النمو تقف تقنيات المراقبة والتحليل التي طورتها Palantir، والتي تتيح للحكومات دمج كميات هائلة من البيانات، وتحليلها، واستخلاص أنماط تساعد على اتخاذ قرارات أمنية وتشغيلية معقدة.
لكن هذه القدرات نفسها جعلت الشركة هدفًا دائمًا لانتقادات منظمات حقوق الإنسان، التي ترى أن مثل هذه الأدوات قد تتحول بسهولة إلى وسائل للمراقبة الشاملة وانتهاك الخصوصية، خصوصًا في غياب شفافية كافية حول كيفية استخدامها.

وتزداد حدة هذا الجدل حين يتعلق الأمر بملفات حساسة مثل الهجرة، حيث تُتهم بعض الجهات الحكومية باستخدام التكنولوجيا لتعزيز سياسات صارمة أثارت غضبًا واسعًا في أوساط الرأي العام الأمريكي.

عقود الهجرة والضغوط السياسية

تواجه الشركات المتعاونة مع هيئة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) تدقيقًا متزايدًا من الإعلام والكونغرس ومنظمات المجتمع المدني، خاصة بعد تصاعد الانتقادات لأساليب الهيئة في إنفاذ قوانين الهجرة. وقد تفاقم هذا الجدل عقب حوادث إطلاق نار في يناير الماضي أسفرت عن مقتل مواطنين أمريكيين، ما زاد من حساسية أي تعاون تقني مع الجهات الأمنية.

في هذا السياق، فازت Palantir بعقد مع ICE لتطوير أنظمة مراقبة وتحليل بيانات مخصصة لإنفاذ قوانين الهجرة. ورغم تأكيد الشركة أن هذه الأنظمة تخضع لضوابط دقيقة، إلا أن ذلك لم يمنع موجة من الانتقادات الحقوقية التي اعتبرت أن التعاون بحد ذاته يمثل انحيازًا لسياسات مثيرة للجدل.

ولم تكن Palantir وحدها في هذا المأزق؛ إذ أعلنت شركة CapGemini الفرنسية بيع وحدة أمريكية صغيرة كانت تمتلك عقدًا مع ICE، عقب ضغوط سياسية وانتقادات من مشرعين فرنسيين. وهي خطوة تعكس مدى حساسية التعاون مع الجهات الأمنية الأمريكية في المناخ السياسي الدولي الحالي.

دفاع الإدارة التنفيذية: التكنولوجيا كحارس للخصوصية

خلال مكالمة ما بعد إعلان النتائج المالية، شدد أليكس كارب على أن شركته تقدم دعمًا تقنيًا حاسمًا لبعض أكثر العمليات الحكومية تعقيدًا، دون الإفصاح عن تفاصيل البرامج التي تشارك فيها Palantir. هذا الغموض، وإن كان مفهومًا من منظور أمني، أسهم في زيادة التساؤلات حول طبيعة استخدام هذه التقنيات.

وفي رسالة رسمية إلى المساهمين، أكد كارب أن الاستثمار في منصات تقنية متقدمة ليس تهديدًا للخصوصية، بل على العكس، هو السبيل الأكثر فاعلية لحمايتها. وأوضح أن أنظمة Palantir صُممت بحيث تقيّد الوصول إلى البيانات وفق صلاحيات دقيقة ومجزأة، مع وجود سجلات تدقيق شاملة يمكنها رصد أي تجاوزات محتملة.

وأضاف أن هذه التقنيات تضمن أن «الدولة ووكلاءها لا يمكنهم رؤية إلا ما ينبغي رؤيته»، سواء كان ذلك في سياق أمني أو إداري. وهو خطاب تسعى من خلاله الشركة إلى طمأنة الرأي العام والمستثمرين، في وقت باتت فيه الثقة بالتكنولوجيا محل اختبار دائم.

أداء السهم والتقييم المرتفع: ثقة أم مخاطرة؟

رغم النتائج التشغيلية القوية، لم يخلُ أداء سهم Palantir من التقلبات. فقد تراجعت الأسهم بأكثر من 15% منذ بداية العام الجاري، وسط تشكيك المستثمرين في التقييم المرتفع للغاية للشركة. إذ يبلغ مضاعف السعر إلى الأرباح المتوقعة خلال 12 شهرًا نحو 140.5 مرة، وهو رقم يضع الشركة تحت ضغط مستمر لتحقيق نمو استثنائي ومتواصل.

ويرى محللون أن هذا التقييم يعكس توقعات شبه مثالية للأداء المستقبلي. وقال زافيير وونغ، محلل eToro، إن علامات الاستفهام حول التقييم «لن تختفي بسهولة»، معتبرًا أن السهم «مسعّر على أساس الكمال»، ما يعني أن أي تعثر أو تباطؤ في النمو قد ينعكس بقوة على سعره.

ومع ذلك، لا تزال Palantir واحدة من أفضل أسهم الذكاء الاصطناعي أداءً على المدى المتوسط، بعدما حققت مكاسب بلغت 1700% خلال السنوات الثلاث الماضية، مدفوعة بتوسع استخدامها التجاري والعسكري لمنصاتها التحليلية المتقدمة.

آفاق النمو حتى نهاية 2026: توسع بلا هوادة

تأسست Palantir على يد بيتر ثيل، أحد أبرز رجال التكنولوجيا في وادي السيليكون، وكانت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) من أوائل داعميها، ما ساعد على ترسيخ حضورها داخل المؤسسات الحكومية منذ مراحلها الأولى.

وتتوقع الشركة تحقيق إيرادات تتراوح بين 7.18 و7.20 مليار دولار في عام 2026، بزيادة تتجاوز 60% مقارنة بعام 2025. كما تتوقع نمو مبيعاتها للشركات الأمريكية بنسبة لا تقل عن 115% لتتجاوز 3.14 مليار دولار خلال الفترة نفسها.

هذه الأرقام تعكس طموحًا واضحًا لتوسيع الحضور التجاري، وعدم الاكتفاء بالاعتماد على العقود الحكومية وحدها. لكنها في الوقت نفسه تطرح تحديًا محوريًا: كيف يمكن لشركة تقوم أعمالها على تحليل البيانات والمراقبة أن توازن بين الابتكار، والخصوصية، والضغوط السياسية المتزايدة؟

معادلة معقدة بلا حلول سهلة

تقف Palantir اليوم عند مفترق طرق دقيق؛ فهي من جهة واحدة من أبرز المستفيدين من الطفرة العالمية في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، ومن جهة أخرى لاعب مركزي في نقاش أخلاقي وسياسي متصاعد حول مستقبل الخصوصية ودور التكنولوجيا في حياة الأفراد.

وبينما تواصل الشركة تحقيق أرباح قوية وتوسيع عقودها، يبقى مستقبلها مرهونًا بقدرتها على إدارة هذا التوازن الهش، في عالم لم تعد فيه التكنولوجيا مجرد أداة، بل قوة سياسية واجتماعية تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمواطن.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى