حاضنات أعمال ومستثمرين

لماذا تفشل الشركات الناشئة؟ المستثمرون يكشفون سر السنوات الأولى: علاقة المؤسسين هي العامل الحاسم

في عالم الشركات الناشئة، حيث الأفكار الطموحة والابتكار السريع ورؤوس الأموال المغامرة، يظن الكثيرون أن فشل المشاريع يعود إلى ضعف التمويل أو نقص الخبرة التقنية أو سوء تقدير السوق. لكن أحد كبار المستثمرين الجريئين في أوروبا يرى أن السبب الحقيقي غالبًا ما يكون أبسط مما نتوقع، لكنه الأكثر خطورة: العلاقة بين المؤسسين أنفسهم.

ريس تشودري (Reece Chowdhry)، الشريك المؤسس لصندوق Concept Ventures—أكبر صندوق تمويل أولي (Pre-seed) في أوروبا—كشف في مقابلة مطوّلة مع شبكة CNBC Make It عن أبرز الأسباب التي تقود الشركات الناشئة إلى الانهيار خلال أول عامين من إطلاقها، رغم قوة الفكرة أو وفرة التمويل.


العلاقة بين المؤسسين… العامل غير المرئي خلف 80% من قرار الاستثمار

يؤكد تشودري أن 80% من قرار الاستثمار في الشركات التي ما زالت مجرد فكرة يعتمد بالأساس على المؤسسين وشخصياتهم وديناميكية عملهم، وليس على المنتج أو النموذج التجاري. ويوضح قائلاً:

“السبب الأول لفشل الشركات خلال أول 18 إلى 24 شهرًا هو الخلافات بين المؤسسين أو غياب التوافق في الرؤية.”

هذا التصريح يعكس فلسفة استثمارية واضحة:
الأفكار يمكن تطويرها… لكن العلاقات المكسورة يصعب إصلاحها.

ويضيف تشودري أن شركاته غالبًا ما تكون أول من يضع المال في أي مشروع يستثمر فيه، ما يجعل تقييم الفريق المؤسس خطوة حاسمة لا يمكن أخذها باستخفاف.


التناغم بين المؤسسين: معيار غير تقني لكنه مصيري

عند اللقاء الأول بالمؤسسين، لا يبحث تشودري عن أكواد برمجية أو عينات منتج، بل يبحث عن شيء أكثر عمقًا: التناغم.

ويتساءل خلال المقابلات:

  • هل يعرف المؤسسون بعضهم جيدًا؟

  • هل مروا بتجارب مشتركة تكشف شخصياتهم؟

  • هل تتطابق إجاباتهم عند الحديث منفردين؟

  • هل يفهم كل منهم نقاط قوة وضعف الآخر بوضوح؟

ويشبّه تشودري الأمر بأسئلة اختبار المواعدة في صحيفة نيويورك تايمز، مضيفًا بسخرية:

“إذا أعطيتكما أسئلة المواعدة… هل ستتطابق الإجابات بما يكفي للكشف عن معرفة حقيقية ببعضكما؟”


السمات التي يبحث عنها المستثمرون الجريئون في المؤسسين

إلى جانب الانسجام بين الفريق، يبحث تشودري عن مجموعة من الصفات الأساسية:

1. الهوس المعرفي بالمجال (Domain Obsession)

المؤسس الحقيقي—بحسب تشودري—هو من يفكر في المشكلة لسنوات، ويعيشها ويتنفسها، وكأنها جزء من هويته.

2. الإصرار والصلابة الذهنية

النجاح في الشركات الناشئة ليس خطًا مستقيمًا، بل سلسلة من الصدمات. من يصمد هو من يربح.

3. عقلية النمو والتعلم المستمر

الاستعداد للتطور والتخلي عن الأفكار القديمة عند الضرورة.

4. التفوّق في شيء خارج نطاق العمل

سواء كانت رياضة، شطرنج، أو أي نشاط يتطلب انضباطًا وإصرارًا.

هذه الصفات—وفق رؤية تشودري—تمثل جذور النجاح قبل أي نموذج عمل أو خطة تسويقية.


قصة Eleven Labs: عندما يصنع الصداقة والهوس أساسًا لمليارات الدولارات

كانت Concept Ventures من أوائل المستثمرين في شركة Eleven Labs، إحدى أبرز شركات الذكاء الاصطناعي الصوتي في العالم، والتي وصلت قيمتها إلى 3 مليارات دولار.

وعن السبب، يقول تشودري إن ما لفت انتباهه في مؤسسي الشركة—ماتي ستانيسفيسكي وبيوتر دابكوفسكي—كان نقطتين فقط:

  1. هوس شديد بالمجال التقني الذي يعملان فيه.

  2. علاقة صداقة عميقة تكشف انسجامًا متكاملًا في العمل.

كان المؤسسان يعرفان بعضهما منذ سنوات طويلة، يكمل كل منهما الآخر، ويكسر أحدهما حدة الآخر، ما خلق ديناميكية مثالية لبناء شركة ذات رؤية قوية.


بول جراهام… الخبير الذي يؤكد: المؤسس الواحد يصعد جبلًا بلا حبل أمان

لم يكن تشودري وحده من حذر من خطورة العلاقات السيئة بين المؤسسين. بول جراهام، المؤسس المشارك لحاضنة Y-Combinator—التي خرّجت شركات مثل Airbnb وDropbox—يقول شيئًا مشابهًا.

كتب جراهام في إحدى تدويناته:

“الشركة ذات المؤسس الواحد هي تصويت على عدم الثقة… لأنها تعني أنه لم يتمكن من إقناع أي من أصدقائه بالانضمام إليه.”

لكنه يضيف أيضًا أن وجود أكثر من مؤسس لا يعني بالضرورة ضمان النجاح… ما لم تكن العلاقة بينهم قوية ومتينة، تصل إلى حد “المحبة الحقيقية”.

ويشبّه جراهام الشركات الناشئة بالكلب حين يمسك بالجورب:

“إذا كان من الممكن تمزيق العلاقة بين المؤسسين… فسيمزقها العمل حتمًا.”


الحزمة الكاملة: لماذا يهم الفريق أكثر من الرئيس التنفيذي وحده؟

يرفض تشودري التركيز فقط على الرئيس التنفيذي، رغم شيوع هذا التوجه بين المستثمرين. ويقول صراحة:

“عديد من المستثمرين يركزون بشكل مبالغ فيه على شخص واحد… بينما الحقيقة أن نصف العمل أو أكثر يقوم به اثنان أو ثلاثة.”

ويرى أن الفرق الأوروبية غالبًا ما تضم مؤسسين تقنيين بارعين، لكن هذا ليس كافيًا. المهم هو:

  • تكامل المهارات بين الأعضاء

  • وجود مفكر سريع وآخر بطيء يوازن الفريق

  • وجود شخصية قيادية قادرة على جذب المواهب

  • توزيع طبيعي للأدوار داخل الفريق

الفريق—وليس الفرد—هو ما يصنع الحلم، وهو ما ينقذه حين يتعرض للانهيار.


إذا أردت بدء شركة ناجحة… اختر شريكك كما تختار شريك حياتك

ما بين رؤية تشودري وخبرة بول جراهام، تتضح حقيقة ثابتة في عالم الشركات الناشئة:
الفكرة مهمة، التمويل ضروري، لكن المؤسسين هم قلب المشروع وروحه.

فالسنوات الأولى ليست اختبارًا للنموذج التجاري فقط، بل اختبارًا للعلاقة البشرية الأعمق… علاقة الثقة، الصمود، الانسجام، والقدرة على اتخاذ قرارات مصيرية تحت ضغط خانق.

وربما لهذا السبب، ينصح كبار المستثمرين المؤسسين بأن يعاملوا اختيار الشريك المؤسس كما لو كانوا يختارون شريك الحياة… لأن الخلافات، إن بدأت، قد لا ينقذها أي استثمار.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى