«من رفوف المتاجر إلى قمة هرم أكبر شركة في أمريكا: كيف صعد جون فورنر لقيادة وولمارت؟»

في خطوة لافتة تعكس التحولات العميقة في أكبر شركة تجزئة في العالم، أعلنت وولمارت تعيين جون فورنر رئيسًا تنفيذيًا جديدًا خلفًا لدوج مكميلون، الذي قرر التقاعد بعد مسيرة استمرت عشرة أعوام من قيادة عملاق التجزئة الأمريكي. وفي 31 يناير المقبل، يغادر مكميلون منصبه، تاركًا الشركة بين يدي رجل بدأ حياته المهنية في «وولمارت» موظفًا بالساعة يعيد ترتيب الرفوف، لينتهي اليوم على رأس مؤسسة تتصدر قائمة «فورتشن 500» من حيث الإيرادات.
من هو جون فورنر؟ رحلة صعود استثنائية
قصة فورنر، البالغ من العمر 51 عامًا، تكاد تكون تجسيدًا دقيقًا للحلم الأمريكي. فمن مسقط رأس الشركة في بنتونفيل بولاية أركنساس، بدأ عمله في أحد مراكز الحدائق التابعة لوولمارت. ومع فبراير المقبل، سيكون مسؤولًا عن قيادة قوة بشرية تضم 2.1 مليون موظف عبر 11 ألف متجر منتشرة في 19 دولة حول العالم.
بعد حصوله على شهادة في إدارة التسويق من جامعة أركنساس، تنقّل فورنر بين عدد من الوظائف داخل الشركة؛ من مدير متجر، إلى مدير منطقة، ثم مشتري، قبل أن ينتقل إلى الجانب المؤسسي ويشغل مناصب عليا مثل المدير العام للأقسام ونائب رئيس المشتريات العالمية. كما أمضى عامين في مدينة شنتشن بالصين، حيث تولى إدارة التسويق والترويج في وولمارت الصين، وهي تجربة وصفها لاحقًا بأنها كانت حاسمة في تشكيل رؤيته الدولية.
توالت بعدها المناصب القيادية، فشغل منصب الرئيس التنفيذي لسامز كلوب، ولاحقًا قاد عمليات وولمارت أمريكا، ليصبح أحد أبرز القيادات التي ساهمت في دفع الشركة نحو توجهات أكثر حداثة وكفاءة.
ثقة مجلس الإدارة… وإشادة من القائد المغادر
في بيان رسمي، قال جريج بنر، رئيس مجلس إدارة وولمارت:
«جون فورنر يفهم كل جانب من جوانب أعمالنا؛ من أرضية المبيعات إلى الإستراتيجية العالمية. وقد أثبت قدرته على تحقيق النتائج دون التفريط بقيم الشركة».
أما مكميلون، الذي عمل مع فورنر عن قرب لمدة 20 عامًا، فقد وصفه بأنه «تاجر، ومشغل، ومبتكر، وباني»، مؤكدًا أنه الشخص المناسب لقيادة الشركة نحو فصل جديد من تاريخها.
استثمار غير مسبوق في الموظفين
تظل الجوانب الإنسانية في مسيرة فورنر من أكثر ما يلفت الانتباه. فكونه بدأ حياته المهنية موظفَ متجر، قاده ذلك إلى إحداث تغييرات جذرية في نظام الأجور داخل وولمارت خلال السنوات الماضية. فقد قاد إعادة هيكلة شاملة لآلية دفع أجور مديري المتاجر، تضمن منح المديرين الأعلى أداءً رواتب تتراوح بين 420 و620 ألف دولار سنويًا، وهو ما يُعتبر من أعلى مستويات الأجر في قطاع التجزئة.
كما رفعت وولمارت الرواتب الأساسية للمديرين إلى ما بين 130 و160 ألف دولار، بالإضافة إلى منح أسهم ومكافآت تحفيزية. ووفقًا لفورنر، فإن الهدف من هذه السياسات هو «جعل المديرين يشعرون بأنهم شركاء حقيقيون في ملكية الشركة».
ولم يقتصر الأمر على القيادات، بل أعادت الشركة العمل ببرنامج المكافآت السنوية لموظفي المتاجر، حيث بات بإمكان بعض العاملين المؤهلين الحصول على مكافآت تصل إلى 1000 دولار سنويًا، ما يعزز الروح المعنوية ويرفع معدلات الاحتفاظ بالموظفين.
بين التكنولوجيا والوظائف… رؤية تقوم على التوازن
في الوقت الذي تهدد فيه موجة الذكاء الاصطناعي مستقبل ملايين الوظائف حول العالم، يبدو أن فورنر يحمل رؤية أكثر توازنًا. فقد أكد أن عدد موظفي وولمارت سيظل ثابتًا خلال السنوات الخمس المقبلة، رغم ارتفاع إنتاجية العمل نتيجة الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا.
وأوضح خلال مؤتمر «Brainstorm Tech» في يوتا أن الوظائف التي ستختفي بسبب التكنولوجيا ستُستبدل بفرص جديدة داخل الشركة، مشيرًا إلى أن «هذه الأدوار الجديدة تدفع أجورًا أفضل، ومعدلات الاستنزاف فيها منخفضة جدًا»، وهو ما يرسخ صورة وولمارت كأحد أفضل أماكن العمل في قطاع التجزئة لعام 2024.
لماذا اختارته وولمارت؟
ربما تكمن الإجابة في الفلسفة الإدارية التي يحملها فورنر، والمتأثرة بوضوح بخبراته المبكرة في الحياة. فقد نشأ في أسرة تعمل بجد، وتعلم منذ طفولته قيمة العمل الشاق أثناء مساعدته لجده في المزرعة. هذا المزيج من البساطة، والتجربة العملية على أرض الواقع، والخبرة الدولية الواسعة، جعل منه القائد الذي ترى وولمارت أنه قادر على قيادة المرحلة القادمة بكل تحدياتها، مِن تحسين تجربة العملاء، إلى إدارة أضخم قوة عاملة في القطاع الخاص الأمريكي، وصولًا إلى رسم ملامح مستقبل التجزئة في عالم سريع التغير.




