أخبار ومقالات

بايدو بين قفزة الإيرادات وتحديات السوق: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مسار عملاق التكنولوجيا الصيني

تشهد شركة بايدو، عملاق التكنولوجيا ومحرك البحث الأكبر في الصين، مرحلة دقيقة تتقاطع فيها مكاسب قطاع التكنولوجيا المتقدمة مع ضغوط سوقية واقتصادية متزايدة. ففي أحدث بيانات كشفتها الشركة، أعلنت بايدو تسجيل ارتفاع ملحوظ في إيرادات الربع الثالث من العام الجاري، مدفوعة بالنمو القوي في خدمات الحوسبة السحابية وتحسن سوق الإعلانات، وفق ما نقلته وكالة “رويترز”. وبلغ إجمالي إيرادات الشركة نحو 4.38 مليار دولار بحسب بيانات LSEG، في إشارة إلى قدرة الشركة على الحفاظ على زخم أعمالها رغم التحديات.

ومن المقرر أن تكشف الشركة رسميًا عن نتائجها المالية قبل افتتاح الأسواق يوم الثلاثاء 18 نوفمبر، وسط ترقب كبير من المستثمرين والمحللين الماليين، خاصة أن الأداء المالي للشركة خلال الربع الأخير شهد بعض التراجع نتيجة الإنفاق المتزايد على تطوير مبادرات الذكاء الاصطناعي وتوسيع منصة القيادة الذاتية التابعة لها Apollo Go.

ورغم هذه الضغوط، تستمر الإيرادات الأساسية، وفي مقدمتها قطاع الإعلانات، في إظهار بوادر تعافٍ ملحوظ، رغم التحديات الاقتصادية التي تواجه السوق الصينية. فقد تمكنت الشركة من تحقيق مكاسب تضاعفت خلال الأشهر الأخيرة مع تحسن الطلب على الحلول الرقمية، وإن بقيت بعيدة عن مستويات الربحية القياسية التي اعتادت عليها.

غير أن الصورة ليست خالية من القلق؛ فخلال الأيام الخمسة الماضية، تراجع سهم بايدو بنسبة 11% مع رد فعل سلبي من جانب المستثمرين تجاه إطلاق نموذج الذكاء الاصطناعي الجديد Ernie 5.0، الذي جاء — وفق تعبير محللين — أقل من التوقعات، رغم قدرته على معالجة النصوص والصور والصوت والفيديو بشكل متزامن. ورأى السوق أن النموذج لم يقدم “الابتكار النوعي” المنتظر، ما أثار تحفظات حول وتيرة التطوير داخل الشركة.

لكن وعلى الرغم من التراجع الأخير، تبقى أسهم بايدو مرتفعة بنسبة 38% منذ بداية عام 2025، مدفوعة بإطلاق سلسلة نماذج متقدمة طورتها الشركة داخليًا، أسهمت في تعزيز موقع الصين ضمن السباق العالمي لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.

تراجع الربحية وتوقعات ضبابية

ويؤكد محللو “وول ستريت” أن الشركة مرشحة للإعلان عن ربحية سهم معدلة (EPS) بقيمة 1.08 دولار فقط، وهو انخفاض كبير مقارنة بأرباح الربع الثالث من 2024 التي سجلت 2.34 دولار. كما تُظهر التوقعات أن الإيرادات قد تتراجع بواقع 9.5% على أساس سنوي لتسجل 4.33 مليار دولار خلال الربع نفسه.

ويرجع هذا التراجع — وفق التحليلات — إلى ارتفاع النفقات التشغيلية، خاصة تلك المتعلقة بالبنية التحتية الرقمية وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتطوير أنظمة القيادة الذاتية المتقدمة. كما أثّر ضعف قطاع التسويق الإلكتروني — أحد أهم مصادر الدخل للشركة — على الأداء الإجمالي، حيث سجل القطاع تراجعًا بنحو 15% خلال الربع الثاني من 2025، وتُتوقع خسارة إضافية تصل إلى 25% في الربع الثالث.

ويبدو أن اعتماد الشركة المستمر على الإعلانات الرقمية بات يشكل تحديًا متزايدًا، خاصة مع انتشار منصات بحث تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وضعف الإنفاق الإعلاني نتيجة التباطؤ الاقتصادي في الصين.

Apollo Go… رهان المستقبل

ورغم هذه الضغوط، يرى مراقبون أن Apollo Go — منصة القيادة الذاتية — قد تمثل مستقبل الشركة ومحرك نموها الأساسي خلال السنوات القادمة. فقد توسعت المنصة عالميًا عبر شراكات كبيرة مع كل من Uber و Lyft، وتخطط لنشر آلاف المركبات ذاتية القيادة في أسواق متعددة، ما يعكس توجه بايدو نحو تنويع مصادر الدخل وتقليل اعتمادها على الإعلانات.

ويؤكد محللون أن الاستثمار المكثف في هذا القطاع، رغم تكلفته العالية، قد يفتح أمام الشركة أبواب ريادة عالمية في تكنولوجيا التنقل الذكي، خاصة في ظل سعي العديد من الدول لاعتماد حلول نقل ذاتية القيادة تقلل من الازدحام والانبعاثات وتزيد من مستويات السلامة.

خلاصة المشهد

تجد بايدو نفسها اليوم أمام مفترق طرق: من جهة، تنمو وحداتها الرقمية المتقدمة بقوة، وعلى رأسها الحوسبة السحابية والقيادة الذاتية. ومن جهة أخرى، تتعرض أرباحها التقليدية لضغوط كبيرة نتيجة ضعف سوق الإعلانات واشتداد المنافسة في قطاع الذكاء الاصطناعي.

وبين هذه المعادلة المعقدة، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح بايدو في تحويل استثمارات الذكاء الاصطناعي إلى مكاسب مالية ثابتة تعزز مكانتها كقوة تكنولوجية عالمية؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالكشف عن الاتجاه الحقيقي لمسار هذا العملاق الصيني.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى