«سوفت بنك» تعزز رهانها على الذكاء الاصطناعي بضخ 40 مليار دولار في «أوبن إيه آي»

سوفت بنك تعزز رهانها على «أوبن إيه آي» باستثمارات ضخمة تصل إلى 40 مليار دولار
في خطوة تعكس تصاعد وتيرة السباق العالمي على تقنيات الذكاء الاصطناعي، أعلنت مجموعة «سوفت بنك» اليابانية، اليوم، مواصلة ضخ استثمارات ضخمة تصل إلى نحو 40 مليار دولار في شركة «أوبن إيه آي»، المطوّرة لتطبيق «شات جي بي تي»، في واحدة من أكبر الصفقات الاستثمارية في تاريخ قطاع التكنولوجيا.
وبحسب مصادر مطلعة، قام «سوفت بنك» خلال الأسبوع الماضي بتحويل دفعة نهائية تتراوح قيمتها بين 22 و22.5 مليار دولار، ضمن التزامه الاستثماري تجاه «أوبن إيه آي»، وذلك بعد أن نجح في جمع نحو 10 مليارات دولار في وقت سابق من خلال عمليات تسنيد، ما وفّر سيولة كبيرة لدعم هذه الخطوة الاستراتيجية.
ويأتي هذا الاستثمار في توقيت حاسم يشهد فيه قطاع الذكاء الاصطناعي طفرة غير مسبوقة، مدفوعة بتزايد الطلب العالمي على النماذج التوليدية، والحوسبة السحابية، والبنية التحتية الضخمة لمراكز البيانات، وهو ما دفع كبرى الشركات العالمية إلى إعادة رسم استراتيجياتها الاستثمارية.

8 مليارات دولار إضافية تعزز حصة سوفت بنك في «أوبن إيه آي»
ضمن حزمة الاستثمارات الجديدة، ضخت مجموعة «سوفت بنك» نحو 8 مليارات دولار إضافية في «أوبن إيه آي»، لترتفع حصتها في الشركة إلى ما يقرب من 10%، وفقًا لما نقلته شبكة «سي إن بي سي». وجاء ذلك في وقت قُدّرت فيه القيمة السوقية للشركة بنحو 260 مليار دولار قبل إتمام هذا الاستثمار، ما يعكس الثقة المتزايدة في مستقبل الشركة ودورها المحوري في تشكيل ملامح الذكاء الاصطناعي عالميًا.
ووفقًا لبيانات سابقة صادرة عن «سي إن بي سي» في فبراير الماضي، من المتوقع أن يتم سداد كامل التمويل على مدار فترة تتراوح بين 12 و24 شهرًا، على أن يُخصص جزء كبير من هذه الأموال لدعم وتوسيع البنية التحتية التقنية، لا سيما في إطار مشروع «Stargate» المشترك بين «أوبن إيه آي» و«أوراكل» و«سوفت بنك».
ويُعد مشروع «Stargate» أحد أضخم المبادرات الهادفة إلى إنشاء منظومة متكاملة من مراكز البيانات فائقة القدرة، وحلول الاتصال المتقدمة، بما يلبّي الاحتياجات المتنامية لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي العملاقة، التي تتطلب طاقة حوسبية هائلة واستثمارات رأسمالية ضخمة.
سباق عالمي على مراكز البيانات والبنية التحتية
تتزامن تحركات «سوفت بنك» مع موجة عالمية من الاستثمارات المكثفة في مجال مراكز البيانات، حيث تسابق الشركات التكنولوجية الكبرى الزمن لبناء منشآت قادرة على استيعاب النمو المتسارع في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، سواء في المجالات التجارية أو الصناعية أو الترفيهية.
وفي هذا السياق، أعلنت «سوفت بنك» مؤخرًا عن اتفاق لدفع 4 مليارات دولار مقابل الاستحواذ على شركة «DigitalBridge»، المتخصصة في الاستثمار في مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية. وتهدف هذه الصفقة إلى تعزيز حضور المجموعة في قطاع الذكاء الاصطناعي، وتأمين أصول استراتيجية تمكّنها من لعب دور رئيسي في دعم الابتكارات المستقبلية.
ويرى محللون أن هذا التوجه يعكس إدراك «سوفت بنك» لحقيقة مفادها أن السيطرة على البنية التحتية أصبحت عنصرًا حاسمًا في سباق الذكاء الاصطناعي، لا يقل أهمية عن تطوير النماذج والخوارزميات نفسها.

التخارج من إنفيديا وإعادة توجيه الاستثمارات
في خطوة لافتة، باعت مجموعة «سوفت بنك» الشهر الماضي كامل حصتها في شركة «إنفيديا»، الرائدة عالميًا في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي، بقيمة بلغت نحو 5.8 مليار دولار. ورغم أن «إنفيديا» تُعد حجر الزاوية في منظومة الذكاء الاصطناعي الحالية، فإن قرار التخارج يعكس إعادة توجيه استراتيجية لرأس المال نحو الاستثمار المباشر في مطوري النماذج والمنصات.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن عائدات هذه الصفقة، إلى جانب مصادر سيولة أخرى، ساهمت بشكل مباشر في تمويل استثمار «سوفت بنك» الضخم في «أوبن إيه آي»، ما يؤكد أن المجموعة أعادت ترتيب أولوياتها الاستثمارية بما يتماشى مع رؤيتها طويلة الأجل.
خطوات تمهّد للاستحواذ أو الشراكة الموسعة
تُثير هذه الاستثمارات تساؤلات واسعة حول نوايا «سوفت بنك» المستقبلية تجاه «أوبن إيه آي»، إذ يرى مراقبون أن رفع الحصة إلى 10% قد يكون تمهيدًا لخطوات أوسع، سواء عبر تعزيز النفوذ داخل الشركة أو الدخول في شراكات استراتيجية أعمق.
وفي المقابل، تواصل «أوبن إيه آي» جذب اهتمام كبار المستثمرين العالميين، بعد أن تلقت بالفعل مليارات الدولارات من شركة «مايكروسوفت»، التي تُعد شريكًا استراتيجيًا رئيسيًا لها، سواء على مستوى التمويل أو البنية السحابية.
كما أشارت تقارير سابقة إلى أن الشركة الناشئة تدرس إمكانية طرح عام أولي (IPO) في المستقبل، في خطوة قد تُحدث تحولًا كبيرًا في هيكل ملكيتها وتفتح الباب أمام تقييمات سوقية غير مسبوقة.
اهتمام متزايد من عمالقة التكنولوجيا والإعلام
لا يقتصر الزخم الاستثماري حول «أوبن إيه آي» على شركات التكنولوجيا فحسب، بل يمتد إلى قطاعات أخرى، من بينها الإعلام والترفيه. فقد كشفت تقارير عن دراسة شركة «أمازون» ضخ استثمار يتجاوز 10 مليارات دولار في الشركة، في إطار سعيها لتعزيز قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي.
كما أعلنت شركة «ديزني» ضخ مليار دولار مقابل الحصول على حصة تتيح لها استخدام شخصياتها الشهيرة، مثل «ميكي ماوس» و«سندريلا»، في المحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة أمام صناعة الترفيه ويثير في الوقت ذاته تساؤلات قانونية وأخلاقية حول حقوق الملكية الفكرية.
رهان ماسايوشي سون الأكبر
يُنظر إلى الرهان «الكامل» على «أوبن إيه آي» باعتباره أحد أكبر وأجرأ رهانات الرئيس التنفيذي لمجموعة «سوفت بنك»، ماسايوشي سون، منذ تأسيس مجموعته الاستثمارية. ويأتي هذا الرهان في إطار رؤيته التي لطالما راهنت على التقنيات الثورية، حتى وإن بدت محفوفة بالمخاطر على المدى القصير.
ولتمويل هذه الاستراتيجية الطموحة، لم يتردد سون في اتخاذ قرارات صعبة، شملت بيع أصول استراتيجية والتخلي عن حصص في شركات كبرى. فإلى جانب التخارج من «إنفيديا»، باع «سوفت بنك» حصة بقيمة 4.8 مليار دولار في شركة «تي-موبايل يو إس»، كما اتخذ إجراءات لخفض أعداد العاملين وترشيد النفقات.

مستقبل الذكاء الاصطناعي بين الطموح والمخاطر
تعكس تحركات «سوفت بنك» إيمانًا عميقًا بأن الذكاء الاصطناعي سيكون المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي والتكنولوجي في العقود المقبلة. غير أن هذا الإيمان لا يخلو من المخاطر، في ظل التحديات التنظيمية، والضغوط المتزايدة على استهلاك الطاقة، والمخاوف الأخلاقية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.
ومع ذلك، يبدو أن «سوفت بنك» تراهن على أن الاستثمار المبكر والكثيف في «أوبن إيه آي» سيمنحها موقعًا متقدمًا في هذا السباق، ويتيح لها الاستفادة من التحولات الكبرى التي يعيد بها الذكاء الاصطناعي تشكيل الاقتصاد العالمي.
وبينما تواصل الشركات والحكومات حول العالم ضخ مليارات الدولارات في هذا القطاع، تبقى الأيام المقبلة كفيلة بالكشف عما إذا كان رهان ماسايوشي سون سيُسجل كنجاح تاريخي جديد، أم كمغامرة محفوفة بالتحديات في واحدة من أكثر الصناعات ديناميكية في العصر الحديث.




