شاب ترك المدرسة فصار باحثًا في الذكاء الاصطناعي بـOpenAI.. كيف منح ChatGPT “دكتوراه غير رسمية” لغابرييل بيترسون؟

في مشهد يلخص التحولات العميقة التي يشهدها عالم التكنولوجيا الحديثة، يبرز اسم الشاب السويدي غابرييل بيترسون بوصفه إحدى أكثر القصص الملهمة في عصر الذكاء الاصطناعي. فبعد أن غادر مقاعد الدراسة الثانوية قبل أعوام قليلة، أصبح اليوم باحثًا في شركة OpenAI وعضوًا ضمن فريق تطوير مشروع Sora، أحد أكثر المشاريع طموحًا في صناعة الذكاء الاصطناعي. والغريب أن طريقه لم يمر عبر الجامعات أو الدرجات العلمية، بل عبر جلسات طويلة مع ChatGPT الذي تحول—بحسب وصفه—إلى “جامعة كاملة” بين يديه.
■ من الرسوب إلى الريادة: رحلة مختلفة نحو المستقبل
يؤكد بيترسون، الذي لم يُكمل تعليمه الثانوي، أن اعتماده على شات جي بي تي كان بمثابة نقطة التحول الأكبر في حياته، إذ تعلم من خلاله مفاهيم الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة بمستوى “يعادل الدراسات العليا”، على حد قوله. ويقول في بودكاست Extraordinary – الذي نُشرت حلقته الخميس الماضي – إنه يشغل حاليًا وظيفة تتطلب عادة درجة دكتوراه، لكنه حصل على مهاراتها عبر أداة واحدة: ChatGPT.

بدأت رحلة الشاب السويدي من مرحلة الصفر. لم يكن لديه أي خلفية أكاديمية متقدمة، لكنه اعتمد على طريقة سماها “المنهج من الأعلى إلى الأسفل”، وهي منهجية تبدأ من التطبيق العملي المباشر ثم تنزل تدريجيًا نحو فهم الأساسيات. كان يسأل النموذج عن مشاريع مناسبة، ثم يطلب منه كتابة الأكواد، وعند ظهور الأخطاء يعود إليه مرة أخرى، ليصل في النهاية إلى فهم عميق لبنية الأنظمة التي يعمل عليها.
“فجأة تجد نفسك تمتلك المعرفة التأسيسية.. ولم تعد بحاجة للبدء من الأسفل”، يقول بيترسون واصفًا تلك اللحظة التي شعر فيها بأنه تجاوز عقبة التعليم التقليدي واكتسب مهاراته الخاصة.
■ من ترك المدرسة إلى مختبرات OpenAI
وفقًا لصفحته على “لينكدإن”، انضم بيترسون إلى فريق Sora في ديسمبر الماضي، بعد تجارب مهنية متنوعة في شركات مثل Midjourney وDataland. وقبل ذلك، كان قد ترك المدرسة في السويد عام 2019 ليلتحق بشركة ناشئة صغيرة، الأمر الذي أجبره على تعلّم البرمجة بسرعة وفعالية.
ويقول: “كان علينا بناء منتجات، وتطوير أنظمة توصية، والقيام بمهام scraping، وعمليات الدمج. في الشركات الناشئة، تواجه دائمًا مشكلة حقيقية يجب حلها، وهذا هو أفضل شكل للتعلم”.

■ شباب بلا شهادات يقودون ثورة التكنولوجيا
قصة بيترسون ليست حالة فردية. بل جزء من موجة جديدة يصنع فيها المتسربون من الجامعات أو التعليم الثانوي حضورًا قويًا في قطاع التكنولوجيا بفضل أدوات الذكاء الاصطناعي.
الرئيس التنفيذي لـOpenAI، سام ألتمان – وهو نفسه متسرب من جامعة ستانفورد – عبّر الشهر الماضي عن “غيرة إيجابية” تجاه الجيل الجديد من المتسربين، معتبرًا أن الفرص التي يمتلكونها اليوم هائلة وغير مسبوقة. وقال خلال مؤتمر DevDay إن “كمّ الأشياء التي يمكن بناؤها الآن هائل.. والفرص واسعة بشكل لا يُصدق”.
وفي الوقت نفسه، أشارت شركة Andreessen Horowitz الاستثمارية إلى أن “الملعب أصبح متكافئًا للمؤسسين الشباب”، معتبرة أن اللحظة الحالية هي الأفضل خلال عقد كامل لبدء الشركات الجديدة.
أما ألكس كارب، الرئيس التنفيذي لشركة Palantir، فذهب أبعد من ذلك حين قال في مقابلة مع CNBC: “كل ما تعلمته في مدرستك وجامعتك عن كيفية عمل العالم.. غير صحيح فكريًا”. وطرح كارب لاحقًا برنامج Meritocracy Fellowship، تدريبًا مدفوعًا موجهًا لخريجي الثانوية غير المسجلين في الجامعات.
■ لماذا أثق بـ ChatGPT؟ مستويات الثقة وتحديات النموذج
تزايد الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدية دفع المؤسسات إلى إعادة النظر في طريقة تعاملها مع المعرفة، ومن أبرزها ChatGPT، الذي أصبح منصة تعليمية غير رسمية للملايين حول العالم.
النموذج اللغوي الذي طورته OpenAI قادر على أداء طيف واسع من المهام: الإجابة عن الأسئلة، تلخيص النصوص، كتابة القصص الخيالية، وتحليل البيانات، بل وصياغة الاستراتيجيات التجارية. هذا التأثير العابر للقطاعات جعل التواصل في الأعمال أكثر سرعة وفعالية، ودفع شركات عديدة إلى دمجه في أنظمتها التشغيلية.
لكن في المقابل، هناك تحديات جوهرية لا يمكن إغفالها:
1) المخاطر الأخلاقية
استخدام الذكاء الاصطناعي للتواصل مع العملاء والموظفين قد يثير قضايا تتعلق بالتحيز والدقة والخصوصية. لذلك يجب أن ترافقه رقابة بشرية مستمرة لضمان تقديم ردود مناسبة وغير مضللة.
2) مخاوف الجودة
رغم قوة ChatGPT، إلا أنه ليس معصومًا من الخطأ. وقد يؤدي الاعتماد الكامل عليه في القرارات الحساسة إلى مشكلات في حالة تقديم معلومات غير دقيقة.
3) التكامل مع الأنظمة الداخلية
انتقال المؤسسات نحو استخدام شات جي بي تي يتطلب دمجه مع بنيتها التقنية، وهو أمر قد يكون معقدًا ويتطلب دعمًا من فرق تقنية متخصصة.
■ بين التحديات والفرص: مستقبل يكتبه الذكاء الاصطناعي
رغم هذه التحديات، يؤكد خبراء التكنولوجيا أن مكاسب ChatGPT تتجاوز بكثير مخاطره، إذ يمكنه:
-
أتمتة المهام المتكررة
-
تحسين خدمة العملاء
-
زيادة الإنتاجية
-
دعم تحليل البيانات
-
تعزيز القدرة على اتخاذ القرار
-
منح الشركات ميزة تنافسية حقيقية
وفي هذا المشهد السريع، تجلس قصة غابرييل بيترسون في قلب التحول. فهي تجسيد عملي لمعادلة جديدة تقول إن المعرفة لم تعد حكرًا على الجامعات، وأن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على منح فرص عادلة لمن يمتلك الشغف والقدرة على التعلم الذاتي.

لقد حصل بيترسون على “دكتوراه غير رسمية” من ChatGPT، لكن الأهم أنه حوّلها إلى وظيفة حقيقية في واحدة من أهم شركات الذكاء الاصطناعي في العالم. وهذا بحد ذاته رسالة واضحة:
في عصر الذكاء الاصطناعي، الشغف قد يكون أهم من الشهادة.




