يلا تيك

الرقابة الأوروبية تتصاعد: تحقيق جديد ضد جوجل يعمّق صراع التكنولوجيا بين بروكسل وواشنطن

في خطوة تعكس تشددًا متزايدًا تجاه عمالقة التكنولوجيا، فتح الاتحاد الأوروبي تحقيقًا جديدًا مع شركة جوجل الأمريكية، على خلفية شبهات بإساءة استغلال نفوذها في سوق الذكاء الاصطناعي وفرض شروط غير عادلة على منشئي المحتوى. ويأتي هذا التحرك بعد أيام فقط من استهداف شركة ميتا بتحقيق مماثل، في مؤشر واضح على أن بروكسل تتجه نحو سياسة رقابية صارمة تطال كل الشركات الكبرى التي تقدم خدمات الذكاء الاصطناعي وتستحوذ على الحصة الأكبر في الأسواق الرقمية.

وبحسب جهات رقابية أوروبية، يفحص الاتحاد ما إذا كانت وحدة “ألفابت” التابعة لجوجل قد منحت نموذجها الذكي ميزة تنافسية غير عادلة مقارنة بمنافسيها، عبر التحكم في آليات الوصول إلى المحتوى وإعادة توجيه المستخدمين إلى خدماتها الخاصة، بما قد يخلّ بقواعد المنافسة ويقوّض حقوق الناشرين والمبدعين.

إضافة إلى ذلك، يراجع الاتحاد الأوروبي طريقة استخدام خدمات مثل AI Overviews و AI Mode لمحتوى الصحافة والناشرين عبر الإنترنت، وما إذا كان أصحاب المحتوى يحصلون على تعويض عادل مقابل استخدام أعمالهم. وتوضح هذه الخطوة أن بروكسل أصبحت أكثر جدية في تتبع أثر الذكاء الاصطناعي على الإعلام الرقمي، خصوصًا مع توسع أدوات التوليد الآلي للنصوص والصور في الاعتماد على البيانات المنشورة دون ضمان مقابل مناسب.

الرقابة الأوروبية تتصاعد: تحقيق جديد ضد جوجل يعمّق صراع التكنولوجيا بين بروكسل وواشنطن
الرقابة الأوروبية تتصاعد: تحقيق جديد ضد جوجل يعمّق صراع التكنولوجيا بين بروكسل وواشنطن

سياق رقابي مشحون وغرامات غيّرت قواعد اللعبة

التحقيق الجديد لا يأتي في فراغ؛ بل يندرج ضمن سلسلة إجراءات اتخذها الاتحاد الأوروبي ضد جوجل خلال السنوات الماضية. ففي سبتمبر الماضي، فرضت بروكسل غرامة ضخمة على الشركة بلغت نحو 3 مليارات يورو، بتهمة تفضيل منصتها الإعلانية على منافسيها. القرار أثار آنذاك غضب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي وصف الغرامة بأنها “تمييزية” ضد الشركات الأمريكية، معتبرًا أنها جزء من نهج أوروبي يُضيّق على نجاحات وادي السليكون.

وخلال الفترة نفسها، واجهت منصة X المملوكة لإيلون ماسك انتقادات حادة من الإدارة الأمريكية بسبب غرامة أوروبية تتعلق بالمحتوى الرقمي، ما زاد من توتر العلاقات بين بروكسل وواشنطن بشأن سياسات الرقابة الرقمية.

ولم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد؛ إذ فتح الاتحاد الأوروبي تحقيقًا آخر بحق خدمات واتساب التابعة لشركة ميتا، على خلفية مخاوف من أنها قد تعيق نماذج الذكاء الاصطناعي المنافسة بشكل غير عادل. وتعكس هذه الملفات مجتمعة توجهًا أوروبيًا جديدًا يقوم على متابعة دقيقة لكل المنصات الرقمية الضخمة، وتطبيق قواعد صارمة لحماية المنافسة ومنع استغلال الهيمنة السوقية.


التحديات الاقتصادية والتجارية: جوجل في مرمى الرقابة

على مدار السنوات الأخيرة، دفعت جوجل غرامات باهظة شكلت ضغطًا كبيرًا على نموذجها التجاري في القارة الأوروبية، أبرزها:

  • 4.13 مليار يورو في قضية الاحتكار الخاصة بنظام أندرويد.

  • 2.42 مليار يورو بسبب إقصاء منافسي التسوق عبر نتائج البحث.

  • 1.49 مليار يورو في قضية AdSense، قبل أن يتم إلغاء الغرامة لاحقًا.

وبالإضافة إلى هذه القضايا، أصبحت جوجل تحت رقابة قانون الأسواق الرقمية الذي دخل حيز التنفيذ عام 2023، والذي يُعتبر من أكثر القوانين التشريعية صرامة عالميًا في تنظيم عمل المنصات الضخمة. ويمنح هذا القانون الجهات الأوروبية سلطة واسعة لفرض التزامات مباشرة على الشركات المصنفة “حارسة بوابة رقمية”، بما يشمل جوجل، أبل، ميتا وأمازون.

ورغم قدرة هذه الشركات على الطعن في القرارات أمام محاكم الاتحاد في لوكسمبورج، فإن التوجه الأوروبي العام يُظهر رغبة واضحة في إعادة ضبط ميزان القوى داخل سوق التكنولوجيا.

الرقابة الأوروبية تتصاعد: تحقيق جديد ضد جوجل يعمّق صراع التكنولوجيا بين بروكسل وواشنطن
الرقابة الأوروبية تتصاعد: تحقيق جديد ضد جوجل يعمّق صراع التكنولوجيا بين بروكسل وواشنطن

الابتكار تحت الضغط: هل تتأثر بيئة الذكاء الاصطناعي؟

في تعليقها على التحقيق، قالت جوجل إن الإجراءات الأوروبية “قد تعرقل الابتكار في سوق شديد التنافس”. وأكدت أن المستخدمين الأوروبيين يستحقون الوصول إلى أحدث أدوات التكنولوجيا دون تأخير، مشيرة إلى أنها ستواصل التعاون مع شركاء الأخبار ومنشئي المحتوى خلال مرحلة الانتقال إلى عصر الذكاء الاصطناعي.

على الجانب الآخر، شددت المفوضة الأوروبية لشؤون المنافسة تيريزا ريبيرا على أن القضية ترسل “رسالة واضحة بأن الاتحاد ملتزم بحماية الصحافة الإلكترونية وضمان بيئة تنافسية عادلة في أسواق الذكاء الاصطناعي الناشئة”. وترى بروكسل أن تنظيم الذكاء الاصطناعي لا يتعارض مع دعمه، بل يضمن أن يكون الابتكار موجهًا لخدمة المجتمع وليس لتعزيز الهيمنة التجارية لعدد محدود من الشركات.

ويرى خبراء أن جوجل قد تُجبر في النهاية على تقديم حلول عملية لضمان شفافية خوارزمياتها وتعاملها مع المحتوى، وهو ما قد يؤثر على إستراتيجيات الشركة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي المدعوم بالبيانات.


التوترات الدولية: التكنولوجيا بين واشنطن وبروكسل

الأجواء السياسية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في ملف المنافسة التكنولوجية ليست في أفضل أحوالها. فقد انتقدت إدارة ترامب السابقة الغرامات الأوروبية الباهظة المفروضة على جوجل وأبل، والتي تخطت مجتمعة 22 مليار يورو، معتبرة أنها تستهدف الشركات الأمريكية بشكل منهجي.

ووصلت حدة التوتر إلى تهديد واشنطن بفرض رسوم جمركية على صادرات أوروبية أو وضع قيود على صادرات التكنولوجيا المتقدمة، في حال استمرت بروكسل في نهجها الرقابي. ورغم تغير الإدارات السياسية في الولايات المتحدة لاحقًا، فإن ملف تنظيم الذكاء الاصطناعي ما زال نقطة خلاف كبرى بين الجانبين.

اليوم، تواصل الحكومات الغربية مناقشاتها حول كيفية صياغة قواعد تحكم الذكاء الاصطناعي وتحديد مسؤوليات الشركات عن المحتوى وحقوق الملكية الفكرية، في وقت تتسابق فيه كل الأطراف للحفاظ على موقعها في سباق الابتكار العالمي.


معركة مفتوحة على مستقبل الذكاء الاصطناعي

من الواضح أن التحقيق الجديد ضد جوجل ليس مجرد إجراء قانوني منفصل، بل حلقة ضمن صراع عالمي أوسع حول مستقبل التكنولوجيا، ومَن يملك حق رسم القواعد التي ستحكم الجيل القادم من الأدوات الرقمية القائمة على الذكاء الاصطناعي.

وبينما تسعى جوجل للحفاظ على تفوقها في سوق سريع التغير، يتحرك الاتحاد الأوروبي لضمان ألا يتحول هذا التفوق إلى نفوذ احتكاري يهدد المنافسة أو يقلل من حقوق المستخدمين والمبدعين. ومع تصاعد الرقابة الأوروبية وتوتر العلاقات مع واشنطن، يبدو أن معركة التكنولوجيا العالمية ما زالت في بدايتها، وأن السنوات القادمة ستشهد جولات جديدة بين الشركات العملاقة والهيئات التنظيمية حول العالم.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى