يلا تيك

«برينيتكس» المدعومة من ديفيد بيكهام تتراجع عن استراتيجية الاستثمار في «البيتكوين» بعد تقلبات السوق

في أغسطس الماضي، خطفت شركة Prenetics Global، المتخصصة في علوم الرعاية الصحية والمدرجة في بورصة ناسداك، الأنظار بإعلان جريء وغير تقليدي في عالم الشركات الصحية: إطلاق خطة خزينة تعتمد على شراء بيتكوين واحد يوميًا، في خطوة تهدف إلى تكوين محفظة رقمية تصل قيمتها إلى مليار دولار خلال خمس سنوات.

القرار حينها لم يكن مجرد تحرّك استثماري عابر، بل عُدّ رسالة قوية من شركة صحية مدعومة باسم عالمي بحجم أسطورة كرة القدم ديفيد بيكهام، مفادها أن العملات المشفرة لم تعد حكرًا على شركات التكنولوجيا أو المؤسسات المالية، بل باتت خيارًا مطروحًا حتى في قطاعات تقليدية كالرعاية الصحية.

لكن بعد ستة أشهر فقط، ومع دخول سوق العملات المشفرة في موجة هبوط حادة، تغيّرت الحسابات، وتبدّل المسار، لتعلن الشركة التخلّي عن استراتيجيتها الطموحة في تجميع البيتكوين، والعودة إلى التركيز على نشاطها الأساسي، وبالأخص علامتها التجارية الصاعدة في مجال المكملات الغذائية IM8.


بداية جريئة في توقيت بالغ الحساسية

عندما كشفت برينيتكس عن خطتها في الأول من أغسطس، كانت البيتكوين لا تزال تحتفظ بجاذبيتها كأصل تحوطي طويل الأجل، في ظل حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق العالمية، وتصاعد المخاوف بشأن التضخم وأسعار الفائدة.

وروجت الشركة آنذاك لخطة «1 بيتكوين في اليوم» باعتبارها استراتيجية خزينة مبتكرة تهدف إلى حماية القيمة وتعزيز ميزانيتها العمومية، مستلهمة تجارب شركات مثل MicroStrategy التي تبنّت البيتكوين كأصل احتياطي رئيسي.

وساهم وجود ديفيد بيكهام ضمن قائمة المساهمين في منح الخطوة زخمًا إعلاميًا واسعًا، حيث اعتُبرت سابقة في قطاع الرعاية الصحية، ودفعت كثيرين للحديث عن موجة جديدة من تبني الشركات غير التقليدية للأصول الرقمية.


ستة أشهر كفيلة بتغيير المشهد

غير أن الرياح لم تجرِ بما اشتهت السفن. فخلال النصف الثاني من العام، دخلت البيتكوين في مسار هبوطي واضح، مع تراجع شهية المخاطرة لدى المستثمرين، وانخفاض التدفقات النقدية إلى سوق العملات المشفرة، وسط تشديد السياسات النقدية عالميًا واستمرار الضغوط التنظيمية.

وفي هذا السياق، أعلنت شركة Prenetics Global، المدعومة من بيكهام، أنها أوقفت رسميًا تجميع عملة البيتكوين اعتبارًا من 4 ديسمبر، متخلية عن خطتها التي لم يمضِ عليها سوى أشهر قليلة.

وبذلك، انتقلت الشركة من موقع “أول شركة رعاية صحية تؤسس خزانة بيتكوين” إلى نموذج أكثر تحفظًا، يضع الاستدامة التشغيلية في مقدمة الأولويات.


ما الذي تمتلكه برينيتكس اليوم؟

بحسب الإفصاحات الأخيرة، تمتلك برينيتكس حاليًا 510 عملات بيتكوين، تُقدّر قيمتها بنحو 45 مليون دولار، إلى جانب ما يعادلها من النقد.

وأكدت الشركة أنها ستحتفظ بهذه الحيازات كجزء من أصول الخزانة الاحتياطية، لكنها شددت في الوقت نفسه على أنها لن تخصص أي رأس مال حالي أو مستقبلي لشراء المزيد من البيتكوين.

وجاء في بيان رسمي:

«لقد التزمت شركة برينيتكس بعدم تخصيص أي رأس مال حالي أو جديد لغرض الحصول على المزيد من عملة البيتكوين».


التحول إلى IM8: الرهان على «فرصة لا تتكرر»

بالتوازي مع التخلي عن استراتيجية التوسع في الأصول الرقمية، أعلنت الشركة أن تركيزها سينصب بالكامل على تطوير علامتها التجارية للمكملات الغذائية IM8، التي وصفتها الإدارة بأنها «فرصة لا تتكرر إلا مرة واحدة في الجيل».

وأوضح مجلس الإدارة، في بيان صدر يوم الثلاثاء، أن:

«الطريقة الأكثر جدوى لخلق قيمة مستدامة للمساهمين تكمن في تكريس الموارد لعلامة تجارية استثنائية مثل IM8».

الرئيس التنفيذي للشركة، داني يونج، علّق قائلًا:

«انطلاقًا من موقع قوة، نتخذ قرارات استراتيجية منضبطة تعكس خبرتنا كمشغلين، والتزامنا بتحقيق أقصى قيمة للمساهمين على المدى الطويل».


أرقام تفسّر التحوّل

التحول في استراتيجية برينيتكس لم يكن عاطفيًا أو مدفوعًا فقط بتقلبات السوق، بل استند إلى أرقام قوية حققتها IM8 خلال فترة زمنية قصيرة.

فوفقًا للبيانات الرسمية، حققت العلامة التجارية إيرادات متكررة بلغت 100 مليون دولار خلال الأشهر الأحد عشر الأولى فقط من إطلاقها، وهو أداء لافت في قطاع شديد التنافسية.

وتتوقع الشركة أن ترتفع إيرادات IM8 إلى ما بين 160 و200 مليون دولار بحلول عام 2026، ما يعزز قناعة الإدارة بأن العائد الاستثماري من هذا النشاط يفوق بكثير العوائد المحتملة من الاستمرار في تجميع البيتكوين خلال سوق هابطة.


جولة تمويل لم تغيّر المصير

اللافت أن برينيتكس كانت قد جمعت في أكتوبر الماضي 48 مليون دولار عبر جولة أسهم شهدت إقبالًا قويًا، وكان الهدف المعلن حينها هو شراء المزيد من البيتكوين.

وفي ذلك التوقيت، أكدت الشركة أن طموحها طويل الأجل يتمثل في الوصول إلى مليار دولار من حيازات البيتكوين خلال خمس سنوات.

غير أن التطورات اللاحقة، سواء على صعيد السوق أو الأداء التشغيلي لعلامة IM8، دفعت الإدارة إلى إعادة تقييم الأولويات، والعدول عن هذا المسار الطموح.


سوق العملات المشفرة تحت الضغط

قرار برينيتكس لا يمكن فصله عن السياق الأوسع لسوق العملات المشفرة، الذي يشهد منذ أشهر تراجعًا في الأسعار وانخفاضًا في مستويات السيولة.

ومع دخول البيتكوين في سوق هابطة، غيّرت العديد من شركات إدارة الأصول الرقمية استراتيجياتها، خصوصًا تلك التي كانت تروّج سابقًا لفكرة تخزين العملات المشفرة كوسيلة لجذب المستثمرين.


ETHZilla مثالًا على الانسحاب

في هذا الإطار، برزت حالة شركة ETHZilla، المتخصصة في إدارة أصول الإيثيريوم والمدعومة من رجل الأعمال الشهير بيتر ثيل، والتي أعلنت مؤخرًا إغلاق منصتها لإدارة العملات الرقمية.

وبحسب الإفصاحات، باعت الشركة ما قيمته 74.5 مليون دولار من الإيثيريوم في مطلع الشهر الجاري، في خطوة عكست حجم الضغوط التي تواجهها شركات التشفير حتى تلك المدعومة بأسماء ثقيلة في عالم الاستثمار.


رد فعل السوق: تراجع محدود وثقة سنوية مرتفعة

عقب إعلان برينيتكس التراجع عن خطة تجميع البيتكوين، انخفض سهم الشركة (PRE) بنسبة 3.5% في يوم واحد، ليتداول عند مستوى يقارب 15.74 دولارًا.

لكن الصورة الأكبر تبدو أكثر إيجابية، إذ ارتفع سهم الشركة بنحو 189% منذ بداية العام، في أداء يتفوق بشكل واضح على حركة البيتكوين نفسها، التي تراجعت بنحو 5.6% خلال الفترة ذاتها.


مقارنة مع «إمبراطورية سايلور»

وفي المقابل، تكشف المقارنة مع شركة MicroStrategy (MSTR)، التي يقودها مايكل سايلور وتُعد أكبر شركة في العالم من حيث تجميع البيتكوين، عن مفارقة لافتة.

فعلى الرغم من التزام سايلور الكامل باستراتيجية البيتكوين، انخفض سهم MSTR بنحو 48% هذا العام، ما يعكس حجم المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على أصل واحد شديد التقلب.

«برينيتكس» المدعومة من ديفيد بيكهام تتراجع عن استراتيجية الاستثمار في «البيتكوين» بعد تقلبات السوق
«برينيتكس» المدعومة من ديفيد بيكهام تتراجع عن استراتيجية الاستثمار في «البيتكوين» بعد تقلبات السوق

بين الطموح الرقمي والواقعية التشغيلية

في النهاية، يسلّط قرار برينيتكس الضوء على التحدي الحقيقي الذي تواجهه الشركات عند الموازنة بين الطموحات الاستثمارية الجريئة والواقع التشغيلي.

ففي حين تبقى العملات المشفرة خيارًا جذابًا على المدى الطويل لدى بعض الشركات، تؤكد تجربة برينيتكس أن المرونة الاستراتيجية والقدرة على تغيير المسار في الوقت المناسب قد تكون أكثر أهمية من التمسك بخطط طموحة لا تتناسب مع ظروف السوق.

وبينما تواصل الشركة الاحتفاظ بحيازاتها الحالية من البيتكوين كأصل احتياطي، يبدو أن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة سيكون على IM8، العلامة التي تراهن عليها الإدارة باعتبارها محرك النمو الأساسي، بعيدًا عن تقلبات سوق لا يزال يبحث عن توازنه.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى