يلا تيك

ألفابت تضخ 175 مليار دولار لإعادة رسم خريطة المنافسة في الذكاء الاصطناعي

تشهد الساحة العالمية لقطاع التكنولوجيا واحدة من أكثر مراحلها احتدامًا منذ نشأة الإنترنت؛ إذ لم يعد التفوق الرقمي مجرد أداة لتحسين الخدمات أو زيادة الكفاءة التشغيلية، بل تحول إلى رهان اقتصادي وإستراتيجي يحدد ملامح الاقتصاد العالمي، ويعيد رسم خرائط النفوذ بين الشركات والدول على حد سواء.

وفي قلب هذا السباق المتسارع، تبرز شركة ألفابت، المالكة لمحرك البحث الأشهر عالميًا «جوجل»، باعتبارها أحد أبرز اللاعبين الذين يراهنون بكل ثقلهم على الذكاء الاصطناعي بوصفه المحرك الرئيسي للنمو خلال العقود المقبلة. فقد أعلنت الشركة عن خطة إنفاق رأسمالي ضخمة تعكس تحوّلًا جذريًا في أولويات شركات التكنولوجيا العملاقة، وتؤكد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارًا إضافيًا، بل أصبح العمود الفقري للاقتصاد الرقمي الجديد.

وبحسب ما نقلته وكالة «رويترز»، تتجه ألفابت إلى مضاعفة إنفاقها الرأسمالي تقريبًا خلال العام الجاري، في خطوة تعكس تصعيدًا غير مسبوق في سباق عالمي محتدم على البنية التحتية الحاسوبية. وتسعى الشركة من خلال هذه الاستثمارات إلى معالجة القيود المرتبطة بالقدرة الحاسوبية، وتوسيع مراكز البيانات، وتعزيز الشبكات، بما يضمن دعم منتجاتها المتقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي.

وبذلك، لم تعد استثمارات الذكاء الاصطناعي مجرد بند في الميزانيات، بل أصبحت العامل الحاسم في تحديد مستقبل قطاع التكنولوجيا، ومصدر التمايز الحقيقي بين الشركات الكبرى خلال المرحلة المقبلة.

ألفابت تضخ 175 مليار دولار لإعادة رسم خريطة المنافسة في الذكاء الاصطناعي
ألفابت تضخ 175 مليار دولار لإعادة رسم خريطة المنافسة في الذكاء الاصطناعي

سباق عالمي على البنية التحتية الحاسوبية

تكشف خطط ألفابت بوضوح أن المعركة الأساسية في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد تدور حول التطبيقات فقط، بل حول القدرة على امتلاك وتشغيل البنية التحتية الحاسوبية الضخمة. فالشركة تستهدف إنفاقًا رأسماليًا يتراوح بين 175 و185 مليار دولار خلال العام الحالي، مقارنة بنحو 91.45 مليار دولار في عام 2025.

ويأتي هذا الرقم أعلى بكثير من توقعات المحللين، الذين رجّحوا إنفاقًا في حدود 115.26 مليار دولار فقط، ما يكشف فجوة كبيرة بين تقديرات السوق وطموحات الشركة. وتعكس هذه الفجوة إيمان إدارة ألفابت بأن الطلب على الذكاء الاصطناعي سيتضاعف بوتيرة أسرع مما تتوقعه الأسواق التقليدية.

ورغم المخاوف التي عبّر عنها بعض المستثمرين بشأن العوائد قصيرة الأجل لمثل هذا الإنفاق الضخم، فإن النتائج المالية القوية التي أعلنتها الشركة ساهمت في تهدئة المخاوف؛ إذ ارتفع سهم ألفابت بنسبة 76% منذ بداية 2025، في مؤشر واضح على ثقة المستثمرين في جدوى هذه الاستثمارات على المدى المتوسط والطويل.

وبذلك، تحولت المخاطرة إلى فرصة، خصوصًا في ظل تسارع تبنّي الشركات والمؤسسات الحكومية للحلول المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في مجالات التحليل التنبئي، وإدارة البيانات، والأتمتة الذكية.


تقلبات السوق… ومعادلة التوازن الصعبة

لم يخلُ إعلان نتائج ألفابت من ردود فعل متباينة في الأسواق المالية؛ إذ شهد السهم تقلبات حادة عقب الإعلان، حيث تراجع بنحو 6% في التداولات الأولية، قبل أن يقلص خسائره إلى حوالي 1% فقط.

ويعكس هذا السلوك حالة التوازن الدقيقة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على المستثمرين: فمن جهة، هناك إنفاق رأسمالي ضخم قد يضغط على الهوامش الربحية قصيرة الأجل، ومن جهة أخرى، هناك نمو قوي في الإيرادات والأرباح مدفوعًا بتوسع الطلب على الحلول الذكية.

وهذه المعادلة لا تخص ألفابت وحدها، بل تمثل التحدي الأساسي الذي يواجه جميع عمالقة التكنولوجيا في هذه المرحلة، حيث بات مطلوبًا منهم إقناع الأسواق بأن الإنفاق اليوم هو استثمار في أرباح الغد.


عمالقة التكنولوجيا يدخلون سباق المليارات

ولا تقف ألفابت وحدها في هذا الاتجاه التصاعدي؛ إذ تشير التقديرات إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى مجتمعة ستنفق أكثر من 500 مليار دولار على الذكاء الاصطناعي خلال العام الجاري.

فقد أعلنت شركة ميتا رفع إنفاقها الرأسمالي بنسبة 73%، في إطار سعيها لتطوير نماذج لغوية ضخمة ودعم منصاتها الاجتماعية بتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. في المقابل، كشفت مايكروسوفت عن تسجيل إنفاق قياسي، مدفوعة بشراكتها الإستراتيجية مع OpenAI، واستثماراتها الضخمة في البنية السحابية.

ويؤكد هذا التوجه أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد ساحة تنافس تقنية، بل تحول إلى معركة بقاء بالنسبة للشركات الرقمية الكبرى، حيث يعني التخلف عن هذا السباق فقدان القدرة على المنافسة خلال سنوات قليلة.


نمو السحابة يعيد رسم المشهد التنافسي

أحد أبرز المؤشرات على نجاح إستراتيجية ألفابت يتمثل في الأداء القوي لقطاع الحوسبة السحابية، الذي أصبح أحد المحركات الرئيسية للنمو. فقد سجلت إيرادات «Google Cloud» نموًا بنسبة 48% لتصل إلى 17.7 مليار دولار خلال الربع الأخير من 2025، وهو أسرع معدل نمو يشهده القطاع منذ أكثر من أربع سنوات.

ويكشف هذا الأداء أن استثمارات الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على تطوير تقنيات مستقبلية، بل تتحول بالفعل إلى تدفقات نقدية حقيقية تعزز مركز الشركة المالي.

وفي هذا السياق، أشار سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لألفابت، إلى أن الشركة كانت تعاني قيودًا في الإمدادات والقدرة التشغيلية، رغم التوسع المستمر في مراكز البيانات. مؤكدًا أن الإنفاق الرأسمالي الحالي موجّه بالأساس إلى تهيئة الشركة لموجة طلب أكبر في المستقبل.

ويعكس هذا التصريح رؤية طويلة المدى تراهن على أن الذكاء الاصطناعي سيصبح مكونًا أساسيًا في جميع الأنشطة الاقتصادية، من الصناعة والتجارة، إلى الصحة والتعليم والخدمات المالية.


من شركة إنترنت إلى مزود بنية تحتية رقمية

يشير التحول في إستراتيجية جوجل إلى انتقالها من كونها شركة تقدم خدمات إنترنت تقليدية، إلى مزود عالمي للبنية التحتية الرقمية. فاليوم، تعتمد آلاف المؤسسات الكبرى على خدماتها السحابية لإدارة البيانات الضخمة، وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، وتنفيذ عمليات معقدة تتطلب قدرات حوسبية هائلة.

وبذلك، أصبحت استثمارات الذكاء الاصطناعي حجر الزاوية في نمو أعمال جوجل السحابية، خصوصًا مع تصاعد اعتماد الشركات على الأتمتة والتحليل الذكي لاتخاذ القرار.


«Gemini 3» يعيد ترتيب موازين القوة

مثّل إطلاق نموذج Gemini 3 نقطة تحول مفصلية في مسار جوجل داخل سباق الذكاء الاصطناعي. فبعد فترة ساد فيها انطباع بأن الشركة متأخرة مقارنة بمنافسيها، جاء النموذج الجديد ليبدد هذه الصورة، ويؤكد قدرة جوجل على المنافسة في الصف الأول.

وبحسب تقارير، دفعت قوة Gemini 3 شركة OpenAI إلى إصدار إنذار داخلي لتسريع وتيرة التطوير، ما يعكس حجم التأثير الذي أحدثته استثمارات ألفابت في هذا المجال.

ونجح نموذج Gemini المخصص للشركات في بيع نحو 8 ملايين مقعد مدفوع عبر 2800 شركة، في مؤشر واضح على التبني المؤسسي الواسع للحلول الذكية. كما وقّعت جوجل شراكة سحابية مع شركة آبل لتشغيل ميزات الذكاء الاصطناعي في أجهزة iPhone باستخدام نماذج Gemini، في خطوة تعزز حضورها داخل منظومة الأجهزة الذكية عالميًا.


الذكاء الاصطناعي يعزز البحث والإعلانات

لم تقتصر آثار الاستثمار على قطاع السحابة، بل امتدت بقوة إلى محرك البحث والإعلانات، وهما العمودان الأساسيان لإيرادات جوجل. فقد تجاوز عدد مستخدمي تطبيق Gemini 750 مليون مستخدم شهريًا، بزيادة تقارب 100 مليون مستخدم منذ نوفمبر الماضي.

كما تضاعف عدد الاستعلامات اليومية في وضع الذكاء الاصطناعي، ما يعكس تحولًا في سلوك المستخدمين نحو البحث التفاعلي القائم على الفهم والسياق.

وفي مجال الإعلانات، مكّن Gemini الشركة من عرض إعلانات ضمن عمليات بحث طويلة ومعقدة كانت صعبة الربح سابقًا، ما فتح آفاقًا جديدة لتحقيق الدخل. وهو ما يؤكد أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على تحسين التجربة، بل يخلق نماذج ربح مبتكرة.


أرباح تفوق التوقعات

في ضوء هذه التطورات، أعلنت ألفابت تحقيق إيرادات بلغت 113.83 مليار دولار خلال الربع الأخير من 2025، متجاوزة توقعات المحللين البالغة 111.43 مليار دولار.

كما بلغ الربح المعدل للسهم 2.82 دولار مقارنة بتوقعات عند 2.63 دولار، في إشارة واضحة إلى أن الذكاء الاصطناعي بدأ يتحول من تكلفة ضخمة إلى محرك أرباح فعلي.


مستقبل الاقتصاد الرقمي

تكشف تحركات ألفابت وعموم عمالقة التكنولوجيا أن العالم يتجه بثبات نحو اقتصاد تقوده الخوارزميات والبنية التحتية الحاسوبية. فلم تعد المنافسة بين الشركات على التطبيقات فقط، بل على امتلاك القدرة الحاسوبية والبيانات والنماذج الذكية.

ومن المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة موجة اندماجات وشراكات جديدة، خصوصًا مع دخول شركات تقليدية إلى المجال للاستفادة من التحول الرقمي. وفي الوقت ذاته، قد يؤدي تضخم الإنفاق إلى زيادة المخاطر المالية إذا لم تتحقق العوائد المتوقعة.

لكن المؤكد أن استثمارات الذكاء الاصطناعي أصبحت اليوم معيار القوة الاقتصادية في العصر الرقمي، وأن من يتأخر عن هذا السباق، قد يجد نفسه خارج خريطة المنافسة العالمية خلال سنوات قليلة.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى