أخبار ومقالات

ناسداك تطلب موافقة هيئة الأوراق المالية الأمريكية لتمديد التداول إلى 23 ساعة يوميًا

في خطوة تعكس التحولات العميقة التي تشهدها الأسواق المالية العالمية، تقدّمت بورصة «ناسداك»، ثاني أكبر بورصة في الولايات المتحدة، بطلب رسمي إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC) للحصول على الموافقة التنظيمية لتمديد ساعات التداول في أسواق الأسهم التابعة لها، لتصل إلى 23 ساعة يوميًا خلال أيام الأسبوع. هذه الخطوة، التي تبدو للوهلة الأولى تقنية أو إجرائية، تحمل في جوهرها أبعادًا استراتيجية واقتصادية قد تعيد رسم خريطة تداول الأسهم الأمريكية، وتُحدث تحولًا جذريًا في علاقة المستثمرين حول العالم بأسواق وول ستريت.

من جلسة تقليدية إلى شبه تداول مستمر

تاريخيًا، ارتبط تداول الأسهم الأمريكية بإطار زمني واضح ومحدود، يبدأ من الساعة 9:30 صباحًا حتى 4 مساءً بتوقيت نيويورك، وهو ما شكّل لسنوات طويلة العمود الفقري للنشاط المالي في الولايات المتحدة. ومع تطور التكنولوجيا وازدياد العولمة المالية، بدأت هذه الحدود الزمنية تبدو ضيقة أمام شهية المستثمرين العالميين الذين يتوزعون عبر مناطق زمنية مختلفة.

وبحسب الإفصاح الذي قدّمته «ناسداك»، فإن المقترح الجديد يهدف إلى إضافة جلسة تداول تمتد من الساعة 9 مساءً حتى 4 صباحًا بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة. وبذلك، تصبح السوق شبه مفتوحة على مدار اليوم، باستثناء ساعة واحدة فقط، لتُضاف هذه الجلسة إلى منظومة التداول الحالية التي تشمل جلسة ما قبل السوق، والجلسة الرئيسية، وجلسة ما بعد الإغلاق.

هذه الخطوة، إذا ما حصلت على الضوء الأخضر من الجهات التنظيمية، ستجعل من «ناسداك» واحدة من أكثر البورصات الكبرى مرونة من حيث التوقيت، متقدمة بذلك خطوة إضافية نحو نموذج التداول المستمر الذي لطالما كان حلمًا للمستثمرين الدوليين.

ناسداك تطلب موافقة هيئة الأوراق المالية الأمريكية لتمديد التداول إلى 23 ساعة يوميًا

دوافع عالمية وراء القرار

تشاك ماك، نائب الرئيس الأول للأسواق في أمريكا الشمالية لدى «ناسداك»، أوضح أن هذا التوجه لا يأتي من فراغ، بل يعكس “واقعًا جديدًا” فرضته طبيعة الأسواق العالمية المعاصرة. فالمستثمرون، سواء كانوا مؤسسات كبرى أو أفرادًا، لم يعودوا مستعدين للانتظار حتى تفتح الأسواق الأمريكية أبوابها وفق توقيت نيويورك، خاصة في عصر تتدفق فيه الأخبار والمعلومات المالية على مدار الساعة.

وأضاف ماك أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تمديد ساعات التداول بحد ذاته، بل في تحقيق هذا التمديد دون المساس بثقة السوق أو سلامته. فالسوق المنظم، بحسب تعبيره، يجب أن يظل قادرًا على توفير أسعار عادلة، وسيولة كافية، وشفافية عالية، حتى في الساعات التي كانت تُعتبر سابقًا خارج نطاق النشاط التقليدي.

طلب عالمي متزايد على الأسهم الأمريكية

يأتي تحرك «ناسداك» في وقت يشهد فيه الطلب العالمي على الأسهم الأمريكية نموًا لافتًا. فخلال السنوات الأخيرة، أصبحت شركات التكنولوجيا العملاقة المدرجة في السوق الأمريكية محط اهتمام المستثمرين من آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، لا سيما مع الدور المحوري الذي تلعبه هذه الشركات في الاقتصاد الرقمي العالمي.

وقد رحّب العديد من المشاركين في الأسواق الدولية بإمكانية الوصول الأسرع إلى التداول، خاصة عقب صدور نتائج أعمال الشركات أو البيانات الاقتصادية المهمة التي غالبًا ما تُعلن خارج ساعات التداول التقليدية. ففي السابق، كان المستثمرون في مناطق زمنية بعيدة يضطرون للانتظار ساعات طويلة قبل التفاعل مع هذه الأخبار، ما كان يحدّ من قدرتهم على إدارة المخاطر أو اقتناص الفرص في الوقت المناسب.

لكن في المقابل، لم تخلُ هذه الخطوة من التحذيرات. إذ يرى بعض المتعاملين أن التداول شبه المستمر قد يقلّص الوقت المتاح أمام المستثمرين لاستيعاب الأخبار وتحليلها بهدوء خارج أوقات التداول المعتادة. هذا الضغط الزمني، بحسب هؤلاء، قد يؤدي إلى ردود فعل متسرعة وتقلبات سعرية أكثر حدة، خصوصًا خلال الفترات التي تكون فيها السيولة أقل.

منصات رقمية سبقت البورصات التقليدية

قبل أن تتحرك البورصات الكبرى نحو تمديد ساعات التداول، كانت منصات التداول الرقمية قد سبقت هذا الاتجاه بسنوات. فقد أتاحت منصات مثل «Robinhood» و«Interactive Brokers» للمستثمرين إمكانية تداول الأسهم الأمريكية على مدار 24 ساعة، خمسة أيام في الأسبوع، عبر أنظمة تداول بديلة تعمل خارج البورصات الرسمية.

هذه التجربة وفّرت للمستثمرين الأفراد مرونة زمنية غير مسبوقة، وفتحت الباب أمام فئة جديدة من المتداولين الذين يفضلون العمل في أوقات غير تقليدية. غير أنها في الوقت نفسه كشفت عن تحديات جوهرية، أبرزها ضعف السيولة في بعض الفترات، واتساع فروق الأسعار بين العرض والطلب، إضافة إلى صعوبات في تسعير الأصول بدقة خارج أوقات الذروة.

ويرى محللون أن خطوة «ناسداك» تمثل محاولة لنقل هذا النموذج من الهامش إلى قلب السوق المنظم، مع إخضاعه لمعايير الحوكمة والشفافية نفسها التي تُطبق خلال ساعات التداول الرسمية. وبذلك، قد يتم تقليص الفجوة بين التداول داخل البورصات وخارجها، لصالح بيئة أكثر استقرارًا وتنظيمًا.

نحو جاهزية في 2026

رغم الطموح الكبير للمقترح، تؤكد «ناسداك» أن تنفيذه لن يكون فوريًا. إذ أشارت البورصة إلى أنها تستهدف أن تكون جاهزة لتطبيق نظام التداول الموسّع في بداية الربع الثالث من عام 2026، شريطة الحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة، وتحقيق التوافق الكامل مع بقية أطراف البنية التحتية للسوق.

هذا الجدول الزمني يعكس حجم التعقيد المرتبط بمثل هذا التحول، فالأمر لا يقتصر على تعديل أنظمة التداول داخل البورصة فحسب، بل يمتد ليشمل منظومة كاملة من الجهات والمؤسسات التي تعمل خلف الكواليس لضمان سير العمليات بسلاسة.

قراءة تحليلية للتحول المرتقب

ديلين وو، استراتيجي الأبحاث لدى مجموعة «Pepperstone» في أستراليا، وصف خطوة «ناسداك» بأنها “تحوّل كبير في الأسواق”، معتبرًا أنها تتيح للمستثمرين خارج الولايات المتحدة التفاعل مع الأسهم الأمريكية في الوقت الفعلي، بدل الانتظار حتى الجلسات الليلية أو الصباحية.

وأشار وو إلى أن هذا التحول قد يعزز جاذبية السوق الأمريكية في مواجهة أسواق أخرى تحاول استقطاب السيولة العالمية، خاصة في آسيا وأوروبا. فكلما زادت مرونة الوصول إلى السوق، ارتفعت احتمالات جذب رؤوس الأموال، لا سيما من المستثمرين الأفراد الذين يشكلون شريحة متنامية من النشاط الاستثماري العالمي.

ناسداك تطلب موافقة هيئة الأوراق المالية الأمريكية لتمديد التداول إلى 23 ساعة يوميًا

تنسيق واسع عبر منظومة السوق

لكي يصبح التداول الممتد واقعًا فعليًا، يتطلب الأمر تنسيقًا دقيقًا مع جهات أساسية في منظومة السوق. من بين هذه الجهات مؤسسة الإيداع والتقاص (DTCC)، المسؤولة عن تسوية الصفقات المالية، ولجان تشغيل أنظمة عرض الأسعار الفورية التي تضمن وصول المعلومات إلى المتعاملين بشكل متزامن وعادل.

وقد أعلنت «DTCC» بالفعل عن خطط لبدء تسوية صفقات الأسهم على مدار 24 ساعة، خمسة أيام في الأسبوع، بحلول الربع الثاني من عام 2026. هذه الخطوة تُعد مكمّلة أساسية لمبادرة «ناسداك»، إذ لا يمكن تصور تداول ممتد دون وجود نظام تسوية قادر على مواكبة هذا الإيقاع المتسارع.

اتجاه عام في الأسواق الأمريكية

لا تتحرك «ناسداك» بمعزل عن بقية الأسواق الأمريكية. فبورصة نيويورك (NYSE)، أكبر بورصة في العالم من حيث القيمة السوقية، أعلنت بدورها عن نيتها تقديم التداول لمدة 22 ساعة يوميًا خلال أيام الأسبوع. وقد حصل هذا المقترح بالفعل على موافقة أولية من هيئة الأوراق المالية والبورصات في وقت سابق من هذا العام، ما يعكس توجهًا تنظيميًا أكثر انفتاحًا تجاه تمديد ساعات التداول.

ويرى محللون أن هذا التوجه قد يشكّل نقطة تحول في تاريخ الأسواق الأمريكية، التي لطالما تميّزت بجلسات تداول محددة وواضحة. فمع تزايد المنافسة العالمية، لم يعد الالتزام بنموذج تقليدي خيارًا مضمونًا للحفاظ على الريادة.

بين الفرص والمخاطر

رغم الحماس الذي يحيط بمبادرات تمديد ساعات التداول، تبقى هناك تساؤلات مشروعة حول تأثيرها على استقرار السوق. فالتداول في فترات منخفضة السيولة قد يزيد من حدة التقلبات، ويجعل الأسعار أكثر عرضة للتحركات الحادة نتيجة أوامر محدودة الحجم.

كما يطرح البعض مخاوف تتعلق بالإجهاد المتزايد للعاملين في القطاع المالي، من وسطاء ومتداولين ومراقبين، في ظل سوق يكاد لا ينام. ومع ذلك، يعتقد آخرون أن التطور التكنولوجي والأتمتة المتقدمة قد يخففان من هذه الأعباء، عبر الاعتماد بشكل أكبر على الأنظمة الذكية والخوارزميات.

ناسداك تطلب موافقة هيئة الأوراق المالية الأمريكية لتمديد التداول إلى 23 ساعة يوميًا

سوق أمريكية بطابع عالمي

في المحصلة، تعكس خطوة «ناسداك» سعيًا واضحًا إلى تعزيز الطابع العالمي للأسواق الأمريكية. فبدل أن تكون هذه الأسواق محكومة بتوقيت جغرافي محدد، تتجه نحو نموذج أكثر مرونة يتلاءم مع واقع الاستثمار العابر للحدود.

وإذا ما كُتب لهذا المقترح أن يرى النور، فإن المستثمرين حول العالم قد يجدون أنفسهم أمام سوق أمريكية جديدة، أكثر انفتاحًا، وأكثر تفاعلًا مع الأحداث العالمية في لحظتها، لا بعد ساعات من وقوعها. وهو تحول قد لا يغيّر فقط طريقة التداول، بل يعيد تعريف العلاقة بين الزمن والسوق في القرن الحادي والعشرين.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى