جوجل تتجه إلى الفضاء: سباق جديد لبناء مراكز بيانات شمسية تدعم ثورة الذكاء الاصطناعي

في خطوة تعكس طموحًا تكنولوجيًا غير مسبوق، كشف ساندر بيتشاي، الرئيس التنفيذي لشركة جوجل، عن ملامح مشروع مستقبلي عملاق تسعى فيه الشركة إلى بناء مراكز بيانات مدعومة بالذكاء الاصطناعي في الفضاء. وقد جاء هذا الإعلان خلال مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز” الأمريكية، ليؤكد دخول عملاق التكنولوجيا الرسمي إلى سباق عالمي جديد يهدف لاستثمار الطاقة الشمسية الفضائية وتشغيل بنية الحوسبة المستقبلية بعيدًا عن قيود الأرض واستهلاكها المتصاعد للطاقة.
هذا التوجه يندرج ضمن مشروع Suncatcher، الذي أعلنت عنه جوجل قبل أيام قليلة، والذي يهدف إلى إيجاد مصادر طاقة أكثر كفاءة لتشغيل مراكز البيانات، في ظل نمو هائل في الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي، وما يتطلبه ذلك من قدرات معالجة متقدمة واستهلاك ضخم للكهرباء.

جوجل تبدأ التنفيذ… واستعداد لإطلاق أقمار تجريبية
تعتزم الشركة، وفق تصريحات بيتشاي، بدء خطواتها العملية في عام 2027 عبر شراكة مع شركة Planet المتخصصة في التصوير الفضائي. وستكون الخطوة الأولى إطلاق قمرين صناعيين تجريبيين، هدفهما فحص التنقيات، واختبار المعدات اللازمة لتشغيل خوادم المعالجة في مدارات الأرض.
وأكد بيتشاي أن مراكز البيانات الفضائية ليست مجرد رؤية مستقبلية، بل ستغدو – خلال عقد من الزمن – خيارًا طبيعيًا ومعتمدًا في قطاع الحوسبة، قائلًا: “خلال نحو عشر سنوات، ستكون مراكز البيانات في الفضاء معيارًا أساسيًا في الصناعة.”
مستقبل الحوسبة خارج الأرض
هذا التوجه ليس حكرًا على جوجل. فقد أطلقت شركة Starcloud المدعومة من Y Combinator وإنفيديا أول قمر صناعي مزوّد بتقنيات الذكاء الاصطناعي. ويقول مؤسس الشركة، فيليب جونستون، إن نقل مراكز البيانات إلى خارج الأرض قد يخفض انبعاثات الكربون بمعدل عشرة أضعاف مقارنة بمثيلاتها على الأرض، رغم الانبعاثات الناتجة عن عمليات الإطلاق.
ورغم تراجع تكاليف الأقمار الصناعية التجريبية، إلا أن التكلفة الفعلية لإنشاء مراكز بيانات تعمل بالطاقة الشمسية في الفضاء لا تزال غير معروفة، الأمر الذي يجعل هذا الاستثمار محفوفًا بالتحديات والتساؤلات.
وفي المقابل، تشير تقديرات شركة ماكنزي إلى أن استثمارات مراكز البيانات الأرضية ستتجاوز 5 تريليونات دولار بحلول عام 2030، ما يعكس ضغطًا عالميًا متصاعدًا للبحث عن بدائل أقل تكلفة وأكثر استدامة على المدى الطويل.

استثمارات هائلة… وقلق من «فقاعة الذكاء الاصطناعي»
منذ إطلاق Gemini 3، كثفت جوجل استثماراتها في البنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، وضخت نحو 40 مليار دولار في بناء مراكز بيانات جديدة بولاية تكساس الأمريكية.
غير أن هذا التوسع المفرط أثار مخاوف من دخول السوق في مرحلة فرط استثمار قد تؤدي إلى تراكم أصول لا يمكن الاستفادة منها، وهي المخاوف التي أكدت عليها شركة ماكنزي في تقريرها قائلة: “الإفراط في الاستثمار قد يؤدي إلى أصول عالقة، بينما يؤدي نقص الاستثمار إلى التخلف عن المنافسة.”
التحول نحو الطاقة النظيفة… وأزمة استهلاك الكهرباء
تزايد القلق العالمي بشأن التأثير البيئي لمراكز البيانات في السنوات الأخيرة، خصوصًا مع تضاعف استهلاكها للطاقة. فوفق تقرير صادر عن وزارة الطاقة الأمريكية نهاية عام 2024:
-
استهلاك مراكز البيانات من الكهرباء تضاعف ثلاث مرات خلال العقد الماضي.
-
من المتوقع أن يتضاعف ثلاث مرات أخرى بحلول 2028.
-
قد يصل استهلاكها إلى 12% من إجمالي الكهرباء في الولايات المتحدة.
جوجل نفسها رفعت استهلاكها من الكهرباء المخصصة لمراكز البيانات من 14.4 مليون ميجاواط/ساعة في 2020 إلى 30.8 مليون ميجاواط/ساعة العام الماضي، رغم نجاحها في خفض الانبعاثات بنسبة 12% خلال 2024.
وتقول جولستان رادوان، رئيسة المكتب الرقمي في برنامج الأمم المتحدة للبيئة:
“ما زلنا نجهل الكثير عن الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي، لكن البيانات المتاحة مقلقة. ينبغي ضمان أن يكون التأثير الصافي للتكنولوجيا إيجابيًا قبل نشرها على نطاق واسع.”
مركز جديد لجوجل في تايوان… وتعزيز سلاسل الإمداد
على جانب آخر، أعلنت جوجل افتتاح مركز ضخم لهندسة أجهزة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في تايوان، ليصبح أكبر مراكزها خارج الولايات المتحدة. ويعكس هذا المركز الأهمية المتزايدة للجزيرة في صناعة الرقائق المتقدمة وفي سلاسل الإمداد العالمية.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة جزء من إستراتيجية عالمية تعتمد فيها جوجل على توزيع قدراتها الهندسية في محاور عالمية رئيسية، مستفيدة من التفوق الصناعي لتايوان في تصنيع أشباه الموصلات.
كما رحّب رئيس تايوان، لاي تشينج-تي، بهذه الخطوة، معتبرًا إياها دليلًا جديدًا على ثقة المجتمع الدولي في الجزيرة، ودورًا محوريًا في تعزيز موقعها كحلقة أساسية في صناعة التكنولوجيا العالمية.
رؤية فضائية لعالم رقمي يزداد ضخامة
يجمع المحللون على أن إعلان جوجل يمثل بداية سباق جديد بين عمالقة التكنولوجيا لنقل الحوسبة إلى خارج الأرض. وفي وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الطاقة النظيفة وقدرات المعالجة الهائلة، يبدو أن الفضاء سيغدو محطة حقيقية لمراكز البيانات في المستقبل، لا مجرد فكرة خيالية.

ومع التقدم السريع في الذكاء الاصطناعي، والاستثمارات المتضخمة في البنية التحتية الرقمية، وازدياد الضغوط البيئية، تصبح مراكز البيانات الفضائية حلًا جذريًا، لكنه في الوقت ذاته رهانًا عالي المخاطر يطرح أسئلة كبرى حول الجدوى والتكلفة والآثار البيئية طويلة المدى.
ومع ذلك يبقى المؤكد أن السنوات المقبلة ستشهد تغيرًا جذريًا في شكل الحوسبة العالمية… وجوجل، كما يبدو، تريد أن تكون في مقدمة العابرين من الأرض إلى الفضاء.




