يلا تيك

ترامب يوقف صفقة رقائق مرتبطة بالصين بدعوى تهديد الأمن القومي

في خطوة تعكس تصاعد القلق الأمريكي إزاء أمن سلاسل التوريد التكنولوجية، وتؤكد استمرار النهج المتشدد تجاه الاستثمارات ذات الصلة بالصين، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرارًا يقضي بمنع شركة «هاييفو» من الاستحواذ على أصول مرتبطة بصناعة أشباه الموصلات تابعة لشركة «إيمكور» الأمريكية، مستندًا إلى اعتبارات تتعلق بالأمن القومي للولايات المتحدة.

القرار، الذي صدر أمس الجمعة، جاء بعد مراجعات مطولة أجرتها الجهات المعنية داخل الإدارة الأمريكية، وعلى رأسها لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة «CFIUS»، وهي الهيئة الحكومية المسؤولة عن فحص الصفقات التي تتضمن استثمارات أجنبية في شركات أو أصول أمريكية، للتأكد من عدم تهديدها للأمن القومي.

خلفية القرار ودوافعه

أوضح الأمر الرئاسي أن شركة «هاييفو»، رغم تسجيلها رسميًا في ولاية ديلاوير الأمريكية، فإنها تأسست وتخضع لسيطرة مواطن صيني، وهو ما أثار مخاوف متزايدة لدى صناع القرار في واشنطن، خاصة في ظل الطبيعة الحساسة للأصول محل الصفقة، والتي تشمل رقائق رقمية متقدمة، إلى جانب أنشطة تصميم وتصنيع ومعالجة أشباه الموصلات.

وتعد صناعة أشباه الموصلات من أكثر القطاعات الاستراتيجية في الاقتصاد الأمريكي والعالمي، نظرًا لدورها المحوري في تشغيل التقنيات الحديثة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، والاتصالات المتقدمة، والصناعات الدفاعية، والأنظمة الإلكترونية الحساسة. ومن هذا المنطلق، ترى الإدارة الأمريكية أن أي انتقال محتمل لهذه التقنيات أو الخبرات المرتبطة بها إلى أطراف أجنبية، خصوصًا من دول تعتبرها واشنطن منافسًا استراتيجيًا، يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي.

ترامب يوقف صفقة رقائق مرتبطة بالصين بدعوى تهديد الأمن القومي
 ترامب يوقف صفقة رقائق مرتبطة بالصين بدعوى تهديد الأمن القومي

تفاصيل الصفقة المثيرة للجدل

تعود جذور القضية إلى عام 2024، حين أعلنت شركتا «هاييفو» و«إيمكور» التوصل إلى اتفاق يقضي ببيع نشاط الرقائق التابع لشركة «إيمكور» في ولاية نيوجيرسي، إلى جانب عمليات تصنيع رقائق فوسفيد الإنديوم، مقابل 2.92 مليون دولار.

وعلى الرغم من أن قيمة الصفقة بدت محدودة نسبيًا مقارنة بصفقات أخرى في قطاع التكنولوجيا، فإن طبيعة الأصول المشمولة فيها أثارت اهتمام الجهات الرقابية الأمريكية. فرقائق فوسفيد الإنديوم تُستخدم في تطبيقات متقدمة تشمل الاتصالات عالية السرعة، وتقنيات الليزر، وبعض الاستخدامات العسكرية والفضائية، ما يجعلها ضمن الفئات الحساسة التي تخضع لمراقبة دقيقة.

كما أن الصفقة تضمنت، بحسب ما ورد في القرار، نقل أنشطة تصميم وتصنيع ومعالجة الرقائق، وهو ما يعني انتقال خبرات تقنية ومعارف تراكمية تم تطويرها داخل الولايات المتحدة على مدار سنوات، وليس مجرد بيع معدات أو أصول مادية.

تشديد القيود على الصين

يأتي قرار ترامب في سياق أوسع من السياسات الأمريكية الرامية إلى تقليص وصول الصين إلى تقنيات أشباه الموصلات المتقدمة. فمنذ سنوات، كثفت الولايات المتحدة إجراءاتها الرقابية والتنظيمية على الاستثمارات الأجنبية، لا سيما تلك المرتبطة بالصين، في محاولة لحماية تفوقها التكنولوجي ومنع تسرب المعرفة التقنية إلى منافسين محتملين.

وأشار الأمر الرئاسي صراحة إلى أن الصفقة «تهدد بإضعاف الأمن القومي للولايات المتحدة»، معتبرًا أنها قد تفتح الباب أمام وصول أطراف أجنبية إلى تقنيات حساسة، أو إلى سلاسل إمداد استراتيجية داخل الأراضي الأمريكية.

وتُعد هذه الخطوة امتدادًا لسلسلة من القرارات التي استهدفت تقييد صادرات الرقائق المتقدمة، ومنع شركات صينية من الحصول على معدات تصنيع أشباه الموصلات المتطورة، إضافة إلى فرض قيود على التعاون البحثي والتقني في هذا المجال.

مهلة التخارج ودور «CFIUS»

بموجب القرار، أُمرت شركة «هاييفو» بالتخارج من الصفقة خلال فترة لا تتجاوز 180 يومًا، ما لم تمنحها لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة «CFIUS» مهلة إضافية. ويعكس هذا البند حرص الإدارة الأمريكية على منح مسار قانوني منظم لمعالجة الصفقة، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن القرار النهائي يظل مرهونًا باعتبارات الأمن القومي.

وتتمتع لجنة «CFIUS» بصلاحيات واسعة، تشمل مراجعة الصفقات القائمة، وفرض شروط تصحيحية، أو حتى التوصية بإلغائها بالكامل إذا رأت أنها تشكل خطرًا على المصالح الحيوية للولايات المتحدة. وفي السنوات الأخيرة، توسع نطاق عمل اللجنة بشكل ملحوظ، مع زيادة التركيز على القطاعات التكنولوجية المتقدمة.

بيان وزارة الخزانة وتحذيرات أمنية

وفي بيان رسمي، أكدت وزارة الخزانة الأمريكية أن لجنة «CFIUS» حددت «مخاطر أمن قومي ناتجة عن احتمال وصول أطراف أجنبية إلى الملكية الفكرية لشركة إيمكور، ومعارفها التقنية، والخبرات الخاصة بها». وأضاف البيان أن هناك مخاوف إضافية تتعلق بإمكانية تحويل إمدادات رقائق فوسفيد الإنديوم المصنعة داخل الولايات المتحدة إلى خارجها، وهو ما قد يؤثر على استقرار سلاسل التوريد المحلية.

وتعكس هذه التصريحات إدراكًا متزايدًا داخل الإدارة الأمريكية لأهمية حماية ليس فقط التكنولوجيا نفسها، بل أيضًا البنية الصناعية والمعرفية التي تقف خلفها، بما في ذلك المهندسين، والعمليات الإنتاجية، وسلاسل الإمداد.

أبعاد سياسية واقتصادية أوسع

لا يمكن فصل هذا القرار عن السياق السياسي والاقتصادي الأوسع للعلاقات الأمريكية الصينية. فالتنافس بين البلدين لم يعد يقتصر على التجارة أو الرسوم الجمركية، بل امتد ليشمل صراعًا مفتوحًا على الريادة التكنولوجية، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة المتقدمة، وأشباه الموصلات.

ويرى مراقبون أن إدارة ترامب تسعى، من خلال مثل هذه القرارات، إلى إرسال رسالة واضحة مفادها أن الولايات المتحدة لن تتهاون في حماية قطاعاتها الاستراتيجية، حتى لو كانت الصفقات المعنية محدودة الحجم أو تتم عبر شركات مسجلة داخل الأراضي الأمريكية.

في المقابل، يثير هذا النهج تساؤلات حول تأثيره على مناخ الاستثمار، خاصة بالنسبة للشركات التي تعتمد على رؤوس أموال أجنبية أو تعمل في بيئة عالمية مترابطة. إذ يخشى البعض من أن تؤدي القيود المتزايدة إلى تعقيد عمليات الاندماج والاستحواذ، وإلى دفع بعض المستثمرين إلى البحث عن أسواق بديلة أقل تشددًا.

مستقبل صناعة الرقائق في ظل القيود

مع استمرار تشديد القيود على الاستثمارات والتعاون التكنولوجي، يبدو أن صناعة أشباه الموصلات ستظل في قلب الصراع الجيوسياسي خلال السنوات المقبلة. وتسعى الولايات المتحدة، بالتوازي مع القيود، إلى تعزيز قدراتها المحلية عبر دعم التصنيع المحلي للرقائق، وتشجيع الاستثمارات الداخلية، وتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية.

وفي هذا السياق، يمثل قرار منع استحواذ «هاييفو» على أصول «إيمكور» مثالًا واضحًا على التحول في أولويات السياسة الاقتصادية الأمريكية، حيث بات الأمن القومي عاملًا حاسمًا في تقييم الصفقات، حتى تلك التي كانت تُعد في السابق تجارية بحتة.

يعكس قرار الرئيس دونالد ترامب منع صفقة «هاييفو» و«إيمكور» مزيجًا من الاعتبارات الأمنية، والسياسية، والاقتصادية، في لحظة تتسم بتصاعد التوترات العالمية حول التكنولوجيا المتقدمة. وبينما تؤكد الإدارة الأمريكية أن الهدف هو حماية الأمن القومي والحفاظ على التفوق التكنولوجي، تظل تداعيات هذه السياسات محل نقاش واسع، سواء داخل الولايات المتحدة أو على الساحة الدولية.

وفي جميع الأحوال، يبدو أن قطاع أشباه الموصلات سيظل ساحة مركزية للصراع بين القوى الكبرى، مع استمرار واشنطن في استخدام أدواتها التنظيمية والقانونية لضبط تدفق التكنولوجيا والاستثمارات، بما يتماشى مع رؤيتها للأمن القومي والمصالح الاستراتيجية طويلة الأمد.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى