حاضنات أعمال ومستثمرين

استثمارات الشركات الناشئة تتخطى 575.8 مليون دولار.. قطاع التوصيل والخدمات اللوجستية يقود موجة الصعود

شهدت منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا خلال الفترة من 8 إلى 15 فبراير الماضي حراكًا استثماريًا لافتًا، عكس تسارع وتيرة النشاط في منظومة الشركات الناشئة، سواء عبر صفقات استحواذ استراتيجية، أو جولات تمويل جريء، أو إطلاق صناديق متخصصة تستهدف قطاعات بعينها. ووفقًا للتقرير الأسبوعي الصادر خلال الأسبوع الثالث من فبراير تحت عنوان «استثمارات واستحواذات الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا»، فقد تجاوزت القيمة الإجمالية للصفقات المعلنة 575.8 مليون دولار، في مؤشر جديد على نضج الأسواق الإقليمية وقدرتها على جذب رؤوس الأموال النوعية.

هذا الزخم لم يكن مجرد أرقام عابرة، بل حمل في طياته دلالات أعمق تتعلق بتغير أولويات المستثمرين، وتوسع نطاق الاهتمام بقطاعات بعينها، على رأسها التقنية المالية، والذكاء الاصطناعي، والخدمات اللوجستية، والصناعات الدفاعية، والاستدامة. كما برزت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة كمحورين رئيسيين لهذا النشاط، إلى جانب صفقة ضخمة في تركيا كان لها النصيب الأكبر من إجمالي الاستثمارات.


مشهد استثماري متنوع بين الجريء والاستراتيجي

التقرير رصد توازنًا ملحوظًا بين التمويل الجريء الموجه للشركات الناشئة في مراحلها المختلفة، وبين صفقات الاستحواذ الاستراتيجية التي تعكس رغبة الشركات الكبرى في تعزيز مواقعها التنافسية عبر التوسع الأفقي أو الرأسي. كما لفت الانتباه إطلاق صندوق استثماري متخصص في قطاع الدفاع داخل السعودية، في خطوة تعكس اتساع دائرة الاهتمام بقطاعات كانت حتى وقت قريب حكرًا على الاستثمارات الحكومية التقليدية.

وقد توزعت الصفقات بين ست عمليات رئيسية معلنة القيم، تنوعت بين استحواذات كبرى وجولات تمويلية في مراحل ما قبل البذرة والبذرة والسلسلة الأولى، إضافة إلى إطلاق صندوق رأس مال مخاطر بقيمة ضخمة.

استثمارات الشركات الناشئة تتخطى 575.8 مليون دولار.. قطاع التوصيل والخدمات اللوجستية يقود موجة الصعود
 استثمارات الشركات الناشئة تتخطى 575.8 مليون دولار.. قطاع التوصيل والخدمات اللوجستية يقود موجة الصعود

صفقة الأسبوع الكبرى: Uber تستحوذ على Getir

جاءت الصفقة الأبرز خلال الأسبوع عبر إعلان شركة أوبر استحواذها على شركة Getir التركية مقابل 335 مليون دولار نقدًا، إلى جانب استثمار إضافي بقيمة 100 مليون دولار مقابل حصة تبلغ 15%. وبهذا تصل القيمة الإجمالية للصفقة إلى 435 مليون دولار، مستحوذة وحدها على النصيب الأكبر من إجمالي الاستثمارات المعلنة في المنطقة خلال الفترة محل الرصد.

هذه الخطوة تعكس توجهًا واضحًا من أوبر لتعزيز حضورها في قطاع التوصيل والخدمات اللوجستية السريعة، خاصة في الأسواق الناشئة التي تشهد نموًا متسارعًا في الطلب على خدمات التجارة السريعة (Quick Commerce). كما تعكس الصفقة ثقة متجددة في نماذج الأعمال القائمة على التوصيل الفوري، رغم التحديات التي واجهت هذا القطاع عالميًا خلال العامين الماضيين.

ومن الناحية الاستراتيجية، تمنح الصفقة أوبر موطئ قدم أقوى في السوق التركية، كما تفتح الباب أمام تكامل عملياتي وتقني قد يسهم في تحسين الكفاءة التشغيلية وخفض التكاليف، في ظل سعي الشركات العالمية لإعادة هيكلة أنشطتها والتركيز على الأسواق ذات العوائد المرتفعة.


الذكاء الاصطناعي والرياضة: HUMAIN Sport

في السعودية، أعلنت شركة HUMAIN التابعة لـ صندوق الاستثمارات العامة عن إطلاق HUMAIN Sport، وذلك عقب استحواذها على حصة حاكمة في شركة ai.io.

الخطوة تمثل تحولًا نوعيًا في دمج الذكاء الاصطناعي بقطاع الرياضة، سواء على مستوى تحليل الأداء، أو تطوير المنصات الرقمية، أو تحسين تجربة الجماهير. ويأتي هذا التوجه متسقًا مع رؤية السعودية لتعزيز اقتصاد المعرفة، وتنويع مصادر الدخل، وبناء منظومة تقنية متقدمة تخدم قطاعات حيوية، من بينها الرياضة التي تشهد بدورها تحولًا كبيرًا على مستوى الاستثمار والبنية التحتية.

إطلاق HUMAIN Sport لا يقتصر على السوق المحلي، بل يستهدف تطوير حلول رياضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي قابلة للتصدير عالميًا، ما يعكس طموحًا لتأسيس كيانات تقنية سعودية ذات حضور دولي.


الدفاع يدخل ساحة رأس المال الجريء: MASNA Ventures

في تطور لافت، تم إطلاق صندوق MASNA Ventures بقيمة 100 مليون دولار، كأول صندوق رأس مال مخاطر متخصص في قطاع الدفاع داخل السعودية. ويُعد هذا التحرك مؤشرًا واضحًا على توجه استراتيجي لدعم الابتكار في الصناعات الدفاعية والتقنيات المتقدمة، عبر أدوات استثمارية حديثة تستهدف الشركات الناشئة.

الصندوق يستهدف تمويل الشركات العاملة في مجالات التكنولوجيا الدفاعية، والأنظمة المتقدمة، والحلول ذات الاستخدام المزدوج (Dual-Use Technologies)، ما يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية بناء منظومة ابتكار وطنية في هذا القطاع الحيوي.

ويمثل دخول قطاع الدفاع إلى ساحة رأس المال الجريء تحولًا مهمًا، إذ لم يعد الابتكار الدفاعي مقتصرًا على الشركات الكبرى أو العقود الحكومية التقليدية، بل أصبح يعتمد بدرجة متزايدة على شركات ناشئة مرنة قادرة على تطوير حلول سريعة وقابلة للتوسع.


التقنية المالية تواصل الصدارة

رغم بروز صفقات ضخمة في قطاعات أخرى، حافظت التقنية المالية (FinTech) على موقعها كأحد أكثر القطاعات نشاطًا من حيث عدد الصفقات. فقد استحوذت على أربع صفقات خلال الأسبوع، بإجمالي استثمارات يقدر بنحو 39.2 مليون دولار.

Simplified Financial Solutions

جمعت الشركة 20 مليون دولار في جولة Series A، بهدف تسريع نمو منصة إدارة المصروفات في السوق السعودي. وتعكس هذه الجولة استمرار الطلب على حلول الإدارة المالية الرقمية، خاصة من قبل الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تسعى إلى تحسين كفاءتها التشغيلية وتعزيز الشفافية المالية.

التمويل الجديد سيمكن الشركة من تطوير منتجاتها التقنية، وتوسيع قاعدة عملائها، وتعزيز حضورها في السوق المحلي، وربما التوسع إقليميًا في مراحل لاحقة.


الاستدامة وتقنيات الغذاء: ThrowMeNot

في الإمارات، أغلقت منصة ThrowMeNot جولة تمويلية من نوع Pre-Seed بقيمة 550 ألف دولار، لدعم تطوير حلول رقمية تهدف إلى تقليل هدر الطعام.

ورغم أن قيمة الجولة تبدو محدودة مقارنة بالصفقات الأخرى، فإنها تحمل دلالة مهمة على تنامي الاهتمام بقطاعات الاستدامة وتقنيات الغذاء (FoodTech)، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي، وتغير المناخ، وارتفاع تكاليف الإنتاج.

المنصة تسعى إلى ربط الجهات المانحة بفائض الطعام بالمستفيدين المحتملين عبر حلول رقمية ذكية، ما يسهم في تقليل الفاقد وتحقيق أثر اجتماعي وبيئي ملموس.


الخدمات اللوجستية الرقمية: Routech Express

جمعت شركة Routech Express نحو 3.75 مليون ريال سعودي في جولة ما قبل البذرة، لدعم خطط التوسع والتطوير التقني. وتعمل الشركة في مجال الخدمات اللوجستية الرقمية، مستفيدة من النمو المتسارع للتجارة الإلكترونية في المملكة.

الاستثمار سيمكن الشركة من تحسين بنيتها التحتية التقنية، وتوسيع شبكتها التشغيلية، وتقديم حلول أكثر كفاءة للعملاء، في سوق يشهد منافسة متزايدة وتطورًا سريعًا في متطلبات المستهلكين.


قراءة في الأرقام: توزيع جغرافي وقطاعي

حسب الدولة

  • السعودية: 5 صفقات، بإجمالي يقارب 140.2 مليون دولار، شملت إطلاق HUMAIN Sport، وصندوق MASNA Ventures، وجولات تمويل في قطاع التقنية المالية والخدمات اللوجستية.

  • تركيا: صفقة واحدة، لكنها الأكبر من حيث القيمة، عبر استحواذ أوبر على Getir بقيمة 435 مليون دولار.

  • الإمارات: صفقتان بقيمة 0.55 مليون دولار، في قطاع الاستدامة والتقنيات الناشئة.

الإجمالي: 6 صفقات بقيم معلنة بلغت نحو 575.8 مليون دولار.

حسب القطاع

  • التوصيل والخدمات اللوجستية: صفقة واحدة بقيمة 435 مليون دولار.

  • الدفاع والصناعات المتقدمة: صفقة واحدة (إطلاق صندوق) بقيمة 100 مليون دولار.

  • التقنية المالية: 4 صفقات بقيمة تقارب 39.2 مليون دولار.

  • الاستدامة وFoodTech: صفقة واحدة بقيمة 0.55 مليون دولار.

  • الخدمات اللوجستية الرقمية: صفقة واحدة بقيمة تقارب مليون دولار.


دلالات المرحلة: نضج وتخصص

اللافت في هذا الأسبوع الاستثماري ليس فقط حجم الأموال، بل طبيعة الصفقات. فهناك توجه واضح نحو:

  1. التخصص القطاعي: إطلاق صندوق دفاعي متخصص، والاستثمار في حلول رياضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

  2. تعزيز البنية التحتية الرقمية: عبر دعم شركات التقنية المالية والخدمات اللوجستية.

  3. الاستدامة كأولوية مستقبلية: حتى وإن كانت الاستثمارات فيها لا تزال في مراحل مبكرة.

  4. استمرار هيمنة الصفقات الكبرى: حيث يمكن لعملية استحواذ واحدة أن تعيد تشكيل خريطة الاستثمارات في أسبوع كامل.


السعودية والإمارات: محور الجذب الإقليمي

تؤكد الأرقام استمرار السعودية والإمارات كمحورين رئيسيين لجذب الاستثمارات في المنطقة. ففي السعودية، يتكامل دور الصناديق السيادية مع رأس المال الجريء الخاص، في بيئة تنظيمية متطورة وداعمة للابتكار. أما في الإمارات، فتواصل الشركات الناشئة الاستفادة من بيئة أعمال مرنة، وبنية تحتية رقمية متقدمة، وانفتاح على الأسواق العالمية.

هذا التوازن بين الدعم المؤسسي والمرونة السوقية يعزز من قدرة المنطقة على منافسة مراكز ناشئة أخرى في آسيا وأوروبا الشرقية.


إلى أين تتجه البوصلة؟

المؤشرات الحالية توحي بأن المنطقة مقبلة على مرحلة أكثر نضجًا في منظومة الشركات الناشئة، تتسم بما يلي:

  • زيادة في الصفقات الاستراتيجية الكبرى.

  • تنامي الصناديق المتخصصة قطاعيًا.

  • توسع إقليمي وعابر للحدود للشركات الناشئة.

  • تركيز متزايد على القطاعات المرتبطة بالأمن الغذائي، والطاقة، والدفاع، والذكاء الاصطناعي.

كما أن دخول قطاعات مثل الدفاع إلى مجال رأس المال المخاطر يعكس تغيرًا في فلسفة الاستثمار، حيث لم يعد الابتكار مقتصرًا على التطبيقات الاستهلاكية، بل امتد إلى الصناعات الاستراتيجية ذات الأثر طويل المدى.


أسبوع واحد فقط كان كافيًا لإبراز ملامح مرحلة جديدة في استثمارات الشركات الناشئة في الشرق الأوسط وإفريقيا. بقيمة تجاوزت 575.8 مليون دولار، وتنوع قطاعي وجغرافي واضح، تؤكد المنطقة أنها لم تعد سوقًا ناشئة هامشية، بل لاعبًا متناميًا على خريطة الابتكار العالمية.

الصفقات المعلنة خلال الفترة من 8 إلى 15 فبراير ليست سوى عينة من ديناميكية أكبر، تشير إلى أن رأس المال الجريء في المنطقة يتحرك بثقة، وأن الشركات الناشئة باتت قادرة على جذب استثمارات نوعية، سواء من مستثمرين محليين أو عالميين.

وفي ظل استمرار الإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز بيئات الأعمال، وتنامي ثقافة ريادة الأعمال، يبدو أن الأسابيع المقبلة قد تحمل صفقات أكبر، وقطاعات أكثر تنوعًا، لترسخ مكانة الشرق الأوسط وإفريقيا كمحور صاعد في عالم الاستثمار والابتكار.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى