قصص نجاح

سارة السحيمي تقود «البحري».. أول امرأة على رأس عملاق النقل البحري السعودي

في خطوة تعكس تحولات عميقة تشهدها منظومة الحوكمة وتمكين القيادات الوطنية في المملكة العربية السعودية، اختار مساهمو الشركة الوطنية السعودية للنقل البحري (البحري) سارة بنت ناصر السحيمي رئيسةً لمجلس إدارة الشركة لدورة تمتد ثلاث سنوات، تبدأ في يناير 2026 وتنتهي في يناير 2029، لتصبح بذلك أول امرأة تتولى هذا المنصب منذ تأسيس الشركة عام 1978.

جاء هذا الاختيار ضمن تشكيل مجلس إدارة جديد يضم عشرة أعضاء، بعد عملية انتخابية شهدت منافسة قوية بين 48 مرشحًا، ما يعكس حجم الثقة التي حظيت بها السحيمي من قبل المساهمين، وقناعتهم بقدرتها على قيادة واحدة من أكبر الشركات المدرجة في السوق السعودية خلال مرحلة استراتيجية دقيقة تتطلب خبرة مالية وإدارية رفيعة.

ولا يمكن النظر إلى هذا الحدث بمعزل عن السياق الأوسع الذي تعيشه المملكة، حيث تتسارع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، والتي وضعت تمكين المرأة وتعزيز كفاءة مجالس الإدارات في صميم أولوياتها.


اختيار يتجاوز الرمزية

لا يقتصر انتخاب سارة السحيمي على كونه حدثًا تاريخيًا من حيث كسر الحاجز الزمني والجندري داخل واحدة من أعرق الشركات الوطنية، بل يحمل دلالات أعمق تتعلق بتحول معايير الاختيار في مجالس الإدارات، من الرمزية إلى الكفاءة، ومن التمثيل الشكلي إلى القيادة الفاعلة.

فالشركة الوطنية السعودية للنقل البحري، التي تُعد ركيزة أساسية في قطاع النقل والخدمات اللوجستية، تواجه تحديات متسارعة في ظل التغيرات العالمية في سلاسل الإمداد، والتحول نحو الاستدامة، واشتداد المنافسة الإقليمية والدولية. وهو ما يجعل قيادة مجلس إدارتها مسؤولية استراتيجية تتطلب رؤية بعيدة المدى، وخبرة عميقة في إدارة المخاطر والفرص.

سارة السحيمي تقود «البحري».. أول امرأة على رأس عملاق النقل البحري السعودي


مسيرة مهنية صنعتها الكفاءة لا الصدفة

تُعد سارة السحيمي واحدة من أبرز القيادات النسائية في القطاع المالي السعودي، وقد ارتبط اسمها بمحطات مفصلية في مسار تطوير السوق المالية السعودية. لم يكن صعودها إلى قمة صنع القرار نتاج فرصة عابرة، بل نتيجة مسار مهني طويل تدرجت فيه عبر مواقع حساسة، واكتسبت خلاله خبرة تراكمية في الاستثمار وإدارة الأصول والحوكمة المؤسسية.

برزت السحيمي بشكل لافت عندما تولت رئاسة مجلس إدارة مجموعة تداول السعودية القابضة في مرحلة بالغة الأهمية، سبقت إدراج المجموعة في السوق المالية السعودية عام 2021. وهي مرحلة تطلبت إدارة دقيقة لتحولات تنظيمية وتشغيلية معقدة، وضمان جاهزية السوق للانفتاح على المستثمرين المحليين والدوليين وفق أعلى المعايير العالمية.

وفي عام 2023، أعيد ترشيحها لرئاسة مجلس إدارة مجموعة تداول السعودية، واستمرت في أداء مهامها حتى عام 2026، في مؤشر واضح على الثقة المؤسسية في رؤيتها وقدرتها على تحقيق التوازن بين النمو والاستقرار، وتعزيز مكانة السوق المالية السعودية على الخارطة العالمية.

وخلال تلك الفترة، أسهمت في تعزيز جاذبية السوق السعودية، ورفع مستويات الشفافية والحوكمة، وتوسيع قاعدة المستثمرين، بما يتماشى مع طموحات المملكة في أن تكون مركزًا ماليًا إقليميًا ودوليًا.


من الاستثمار إلى قمة صنع القرار

وُلدت سارة السحيمي عام 1979، وبدأت مسيرتها المهنية مبكرًا بعد تخرجها عام 2001، حيث التحقت بشركة سامبا كابيتال، إحدى أبرز المؤسسات المالية في المملكة آنذاك. وهناك شغلت منصب مدير أول لإدارة الأصول بين عامي 2002 و2007، واكتسبت خبرة متقدمة في إدارة المحافظ الاستثمارية، وبناء الاستراتيجيات المالية طويلة الأجل.

وفي عام 2007، انتقلت إلى شركة جدوى للاستثمار، لتبدأ مرحلة جديدة في مسيرتها المهنية، تولت خلالها مناصب تنفيذية متعددة شملت إدارة الأصول، وإدارة الثروات، والاستثمار، إضافة إلى عضويتها في اللجنة الإدارية للشركة حتى عام 2014. وأسهمت تلك المرحلة في ترسيخ فهمها العميق لاحتياجات المستثمرين، وآليات اتخاذ القرار الاستثماري في بيئات متغيرة.

وبحسب البيانات المنشورة على موقع السوق المالية السعودية، شغلت السحيمي بين عامي 2013 و2015 منصب نائب رئيس اللجنة الاستثمارية التابعة لمجلس هيئة السوق المالية، وهو موقع بالغ الحساسية، أتاح لها الإسهام المباشر في صياغة التوجهات الاستثمارية والتنظيمية للسوق.

سارة السحيمي تقود «البحري».. أول امرأة على رأس عملاق النقل البحري السعودي
سارة السحيمي تقود «البحري».. أول امرأة على رأس عملاق النقل البحري السعودي

قيادة تنفيذية في واحدة من أكبر المؤسسات المالية

في عام 2014، انتقلت سارة السحيمي إلى محطة مفصلية أخرى، عندما أصبحت عضوًا في مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة الأهلي المالية، الذراع الاستثمارية للبنك الأهلي السعودي، واستمرت في هذا المنصب حتى عام 2020.

وخلال تلك الفترة، قادت الشركة في مرحلة توسع ونمو، وأسهمت في تطوير منتجات استثمارية متنوعة، وتعزيز حضور الشركة في أسواق المال، ما رسخ مكانتها كإحدى أبرز القيادات النسائية في القطاع المالي السعودي، ليس فقط على مستوى الإدارة، بل على مستوى التأثير في السياسات والاستراتيجيات.


حضور مؤسسي يعكس الثقة الوطنية

إلى جانب رئاستها لمجلس إدارة الشركة الوطنية السعودية للنقل البحري، تشغل سارة السحيمي عضوية عدد من مجالس الإدارات والهيئات الوطنية، في مؤشر واضح على الثقة التي تحظى بها على مستوى الدولة والقطاعين العام والخاص.

فهي عضو في مجلس إدارة المؤسسة العامة للخطوط الجوية العربية السعودية، بما يعكس تنوع خبراتها وقدرتها على الإسهام في قطاعات استراتيجية متداخلة، مثل النقل، والخدمات اللوجستية، والطيران.

كما تشغل عضوية مجلس إدارة شركة سوق الكربون الطوعي الإقليمية، التي يمتلك صندوق الاستثمارات العامة حصة 80% منها، في قطاع يُعد من أعمدة الاقتصاد المستدام، ويعكس التوجه السعودي نحو تبني حلول مبتكرة للتعامل مع تحديات التغير المناخي.

وتمتد مساهماتها المؤسسية كذلك إلى الهيئة العامة للإحصاء وصندوق التنمية الثقافي السعودي، ما يؤكد حضورها في مجالات تتجاوز الاقتصاد والمال، لتشمل دعم صناعة القرار القائم على البيانات، وتعزيز التنمية الثقافية بوصفها جزءًا لا يتجزأ من التنمية الشاملة.


قيادة «البحري» في مرحلة مفصلية

تأتي رئاسة سارة السحيمي لمجلس إدارة الشركة الوطنية السعودية للنقل البحري في وقت تشهد فيه الشركة تحولات استراتيجية، سواء على مستوى التوسع في الأساطيل، أو تنويع الخدمات، أو التكيف مع المتغيرات العالمية في قطاع الشحن والنقل البحري.

وتُعد «البحري» لاعبًا رئيسيًا في دعم سلاسل الإمداد الوطنية، وتعزيز مكانة المملكة كمركز لوجستي عالمي، وهو ما يتطلب قيادة تمتلك فهمًا عميقًا للأسواق المالية، وقدرة على المواءمة بين الطموحات التوسعية ومتطلبات الاستدامة والحوكمة.

ومن هذا المنطلق، يرى مراقبون أن اختيار السحيمي يمثل رهانًا مدروسًا على قيادة قادرة على التعامل مع التحديات المالية والاستثمارية، وتعظيم القيمة للمساهمين، مع الحفاظ على الدور الاستراتيجي للشركة في الاقتصاد الوطني.


رسالة أوسع من منصب

في المحصلة، لا تمثل رئاسة سارة السحيمي لمجلس إدارة الشركة الوطنية السعودية للنقل البحري مجرد إنجاز شخصي، بل تجسّد قصة نجاح تعكس تحولات عميقة في بنية القيادة السعودية، وتؤكد أن الكفاءة والاحترافية باتتا المعيار الأصدق لبلوغ أعلى مواقع صنع القرار.

كما تحمل هذه الخطوة رسالة واضحة مفادها أن تمكين المرأة في المملكة لم يعد شعارًا، بل ممارسة مؤسسية تتجسد في مواقع القيادة العليا، وتنعكس على أداء الشركات، وتعزز من تنافسية الاقتصاد الوطني في مرحلة تتطلب كل أشكال الكفاءة والخبرة.

وبين التاريخ الذي تُسجله كأول امرأة تتولى رئاسة مجلس إدارة «البحري»، والمستقبل الذي تُنتظر فيه قراراتها، تظل تجربة سارة السحيمي نموذجًا ملهمًا لجيل جديد من القيادات السعودية، يؤمن بأن الطريق إلى القمة يُصنع بالعمل والمعرفة والرؤية، لا بالصدفة أو المجاملة.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى