صفقة بـ10 مليارات دولار تجمع «سيريبراس» و«أوبن إيه آي» لتعزيز قدرات الحوسبة

في خطوة تعكس التصعيد المتسارع في سباق الذكاء الاصطناعي عالميًا، أعلنت شركتا «أوبن إيه آي» المطوّرة لتطبيق «شات جي بي تي»، و**«سيريبراس سيستمز»** الأمريكية المتخصصة في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي، إبرام صفقة ضخمة تمتد على مدار ثلاث سنوات، تحصل بموجبها «أوبن إيه آي» على ما يصل إلى 750 ميجاوات من طاقة الحوسبة، في واحدة من أكبر الصفقات من نوعها في تاريخ القطاع.
ووفقًا لمصادر مطلعة على تفاصيل الاتفاق، تتجاوز القيمة الإجمالية لهذه الصفقة 10 مليارات دولار طوال مدة العقد، ما يعكس حجم الرهان الذي تضعه «أوبن إيه آي» على توسيع بنيتها التحتية الحوسبية لمواكبة الطلب العالمي المتزايد على منتجات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وفي مقدمتها روبوت الدردشة الأشهر في العالم.
سباق محموم على القوة الحوسبية
تأتي هذه الصفقة في وقت يشهد فيه قطاع الذكاء الاصطناعي طلبًا غير مسبوق على قدرات المعالجة المتقدمة، مدفوعًا بالانتشار الواسع للتطبيقات القائمة على النماذج اللغوية الضخمة، واستخدامها في مجالات متعددة تشمل التعليم، والإعلام، والرعاية الصحية، والخدمات المالية، والتجارة الإلكترونية.
وتواجه الشركات الكبرى في هذا المجال تحديًا مزدوجًا يتمثل في:
-
توفير طاقة حوسبة هائلة لتشغيل النماذج المتقدمة.
-
خفض زمن الاستجابة وتحسين جودة ودقة المخرجات، خاصة في نماذج الاستدلال المنطقي التي تتطلب وقتًا أطول لـ«التفكير» قبل تقديم الإجابة.
ومن هنا، تمثل الشراكة بين «أوبن إيه آي» و«سيريبراس» محاولة استراتيجية لإعادة صياغة معادلة القوة الحوسبية، بعيدًا عن الاعتماد شبه الكامل على وحدات معالجة الرسوميات التقليدية.

لماذا «سيريبراس»؟
تأسست شركة «سيريبراس سيستمز» عام 2015، واشتهرت بتطوير ما يُعرف بـمحركات “الرقاقة الكاملة” (Wafer-Scale Engines)، وهي رقائق عملاقة مصممة خصيصًا لتسريع عمليات تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة.
وبحسب خبراء الصناعة، تتميز هذه الرقائق بقدرتها على:
-
معالجة كميات هائلة من البيانات في وقت واحد.
-
تقليل الحاجة إلى الربط بين عدد كبير من الرقائق الصغيرة.
-
تحسين كفاءة الطاقة مقارنة بالحلول التقليدية.
وقال أندرو فيلدمان، الرئيس التنفيذي لشركة «سيريبراس»، إن المفاوضات مع «أوبن إيه آي» بدأت في أغسطس الماضي، بعد أن أثبتت اختبارات الأداء أن النماذج مفتوحة المصدر التابعة لـ«أوبن إيه آي» يمكنها العمل بكفاءة أعلى على رقائق «سيريبراس» مقارنة بوحدات معالجة الرسوميات التقليدية.
وأضاف فيلدمان أن هذه النتائج شكّلت نقطة تحول، ليس فقط في مسار الشراكة، بل في نظرة السوق إلى مستقبل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
تشغيل نماذج الاستدلال والمنطق
بموجب الاتفاق، ستوفر «سيريبراس» لـ«أوبن إيه آي» خدمات سحابية متخصصة تركز على تشغيل نماذج الاستدلال والمنطق، وهي فئة من نماذج الذكاء الاصطناعي تتطلب قدرًا أكبر من المعالجة الزمنية قبل إنتاج الإجابات.
وتُعد هذه النماذج حجر الأساس في تطوير:
-
استجابات أكثر دقة وتعقيدًا.
-
قدرة أعلى على فهم السياق طويل المدى.
-
تحسين الأداء في المهام التي تتطلب تحليلًا منطقيًا متسلسلًا.
ووفقًا لمصادر داخل القطاع، فإن هذه الخطوة قد تؤدي إلى تحسين ملحوظ في سرعة وجودة استجابات «شات جي بي تي»، ما يمنح «أوبن إيه آي» ميزة تنافسية إضافية في مواجهة منافسين كبار مثل «جوجل»، و«أنثروبيك»، و«ميتا».

توسع ضخم في مراكز البيانات
ضمن بنود الاتفاق، تعتزم «سيريبراس» بناء أو استئجار مراكز بيانات ضخمة مزودة برقائقها المتطورة، خصيصًا لتلبية احتياجات «أوبن إيه آي».
وستقوم الشركة المطورة لـ«شات جي بي تي» بالدفع مقابل استخدام هذه البنية التحتية لتشغيل منتجاتها الحالية والمستقبلية، في نموذج شراكة طويل الأمد يعتمد على تقاسم المخاطر والعوائد.
ومن المقرر أن تدخل القدرات الحوسبية الجديدة حيز الخدمة على مراحل متتالية حتى عام 2028، في إطار خطة تدريجية تهدف إلى:
-
ضمان الاستقرار التشغيلي.
-
اختبار الأداء في بيئات إنتاج مختلفة.
-
التوسع وفقًا لنمو الطلب العالمي.
تقليل الاعتماد على إنفيديا؟
يرى محللون أن هذه الصفقة تمثل تحديًا مباشرًا لهيمنة شركة إنفيديا، التي تسيطر حاليًا على النصيب الأكبر من سوق رقائق الذكاء الاصطناعي، خاصة في مجال وحدات معالجة الرسوميات.
ورغم أن «أوبن إيه آي» لا تزال تعتمد بشكل كبير على تقنيات إنفيديا، فإن الشراكة مع «سيريبراس» تشير إلى استراتيجية تنويع مصادر الحوسبة، وتقليل المخاطر المرتبطة بسلاسل التوريد أو ارتفاع التكاليف.
ويقول أحد الخبراء في صناعة أشباه الموصلات إن «التحول نحو حلول بديلة قد يعيد رسم خريطة المنافسة في سوق الرقائق خلال السنوات الخمس المقبلة».
خطوة نحو الاكتتاب العام
بالنسبة لشركة «سيريبراس»، تمثل هذه الشراكة نقطة تحول تاريخية في مسيرتها، خاصة مع اقتراب طرحها للاكتتاب العام الأولي المتوقع في الربع الثاني من العام الجاري.
وتمنح الصفقة مع «أوبن إيه آي» الشركة:
-
مصدر إيرادات ضخم ومستقر.
-
مصداقية عالية أمام المستثمرين.
-
موطئ قدم قوي في سوق الذكاء الاصطناعي العالمي.
ويتوقع محللون أن تلعب هذه الصفقة دورًا محوريًا في تقييم الشركة خلال الطرح العام، وربما ترفع من شهية المستثمرين الباحثين عن فرص في قطاع التكنولوجيا المتقدمة.
أبعاد استراتيجية أوسع
لا تقتصر أهمية الاتفاق على الجوانب التقنية أو المالية فقط، بل تمتد إلى أبعاد استراتيجية أوسع تتعلق بمستقبل الذكاء الاصطناعي نفسه.
فمع ازدياد الاعتماد على الأنظمة الذكية في اتخاذ القرار، تزداد الحاجة إلى:
-
نماذج أكثر موثوقية.
-
استجابات أسرع وأكثر فهمًا للسياق.
-
بنية تحتية قادرة على التوسع دون قيود.
وفي هذا الإطار، تبدو «أوبن إيه آي» عازمة على ترسيخ موقعها كلاعب رئيسي يقود المرحلة القادمة من تطور الذكاء الاصطناعي، مستفيدة من شراكات استراتيجية مع شركات تكنولوجية متخصصة مثل «سيريبراس».
مستقبل المنافسة في الذكاء الاصطناعي
تشير هذه الصفقة إلى أن المعركة الحقيقية في عالم الذكاء الاصطناعي لم تعد تقتصر على تطوير النماذج فقط، بل تمتد بقوة إلى البنية التحتية التي تشغلها.
ومع دخول لاعبين جدد وتنامي الاستثمارات المليارية، من المتوقع أن يشهد القطاع:
-
تسارعًا في الابتكار.
-
ضغوطًا على الشركات التقليدية.
-
تحولات جوهرية في طريقة بناء وتشغيل مراكز البيانات.
وفي ظل هذه التطورات، تبدو الشراكة بين «أوبن إيه آي» و«سيريبراس» بمثابة إشارة واضحة إلى بداية مرحلة جديدة، حيث تصبح القوة الحوسبية سلاحًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الخوارزميات نفسها.

تعكس الصفقة الضخمة بين «أوبن إيه آي» و«سيريبراس» حجم التحولات الجارية في قطاع الذكاء الاصطناعي، وتؤكد أن السباق نحو الريادة لا يُحسم بالأفكار وحدها، بل بالقدرة على تحويل هذه الأفكار إلى أنظمة تعمل بسرعة وكفاءة وعلى نطاق عالمي.
ومع استمرار الطلب في الارتفاع، من المرجح أن نشهد المزيد من الصفقات المليارية والشراكات الاستراتيجية، في مشهد يتغير بوتيرة غير مسبوقة، عنوانه الأبرز: من يمتلك الحوسبة، يمتلك المستقبل.




