أخبار ومقالات

بيل أكمان ينتقد مقترح ترامب لتحديد سقف فوائد بطاقات الائتمان عند 10% ويحذّر من تداعياته على السوق

في واحدة من أكثر القضايا الاقتصادية إثارةً للجدل في الولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة، فجّر الملياردير الأمريكي ومدير صناديق التحوط الشهير بيل أكمان موجة نقاش واسعة، بعدما وجّه انتقادات حادة لدعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض سقف مؤقت على فوائد بطاقات الائتمان.
أكمان لم يكتفِ برفض الفكرة، بل وصفها صراحةً بأنها «خطأ جسيم»، محذرًا من تداعيات قد تكون أخطر على المستهلكين أنفسهم، لا سيما من الشرائح المتوسطة والأقل دخلًا.

تحذير من قلب السوق المالية

أكمان، الرئيس التنفيذي لشركة Pershing Square Capital Management، يرى أن تسعير الفائدة في سوق بطاقات الائتمان ليس مجرد قرار سياسي يمكن التعامل معه بالشعارات، بل هو عملية مالية دقيقة تقوم على موازنة معقدة بين المخاطر والعوائد.
وفي منشور على منصة «إكس» – حُذف لاحقًا – كتب أكمان بلهجة مباشرة:

«هذا خطأ، سيادة الرئيس».

وبحسب أكمان، فإن فرض سقف للفائدة عند مستوى 10%، حتى وإن كان لمدة عام واحد فقط، سيقوّض قدرة المقرضين على تسعير المخاطر بشكل واقعي. وهو ما سيدفعهم، وفقًا لتقديره، إلى اتخاذ قرار دفاعي يتمثل في سحب بطاقات الائتمان من ملايين العملاء الذين يُنظر إليهم باعتبارهم أعلى مخاطرة.

من الحماية إلى الإقصاء المالي

التحذير الأبرز في تصريحات أكمان لا يتعلق بالشركات بقدر ما يتعلق بالمستهلكين أنفسهم.
فمن وجهة نظره، فإن النتيجة المباشرة لفرض سقف جامد للفائدة لن تكون «حماية الأمريكيين من الاستغلال»، كما يروّج الخطاب السياسي، بل إقصاء شرائح واسعة من النظام المالي الرسمي.

ويشرح أكمان أن هؤلاء المستهلكين، بعد فقدانهم إمكانية الوصول إلى بطاقات الائتمان، سيُجبرون على اللجوء إلى بدائل تمويلية أكثر خطورة، مثل المقرضين غير الرسميين أو شركات القروض قصيرة الأجل ذات الشروط القاسية.
هذه البدائل – بحسب تعبيره – تفرض في كثير من الأحيان أسعار فائدة أعلى بكثير، فضلًا عن ممارسات قد تكون أقل شفافية وأشد استغلالًا.

ترامب وخطاب «القدرة على تحمّل التكاليف»

دعوة ترامب لفرض سقف فوائد بطاقات الائتمان جاءت في سياق أوسع يركّز فيه الرئيس الأمريكي على ملف «القدرة على تحمّل التكاليف»، وهو أحد أكثر الملفات حساسية لدى الناخب الأمريكي.
ففي منشور سابق على منصة «تروث سوشيال»، أعلن ترامب بوضوح عزمه استهداف المقرضين الذين يفرضون فوائد تتراوح بين 20% و30%، معتبرًا ذلك استغلالًا مباشرًا للمواطنين.

وقال ترامب في خطابه:

«يرجى العلم أننا لن نسمح بعد الآن باستغلال الشعب الأمريكي».

وأضاف:

«اعتبارًا من 20 يناير 2026، وبصفتي رئيس الولايات المتحدة، أدعو إلى فرض سقف لمدة عام واحد على فوائد بطاقات الائتمان عند 10%».

هذا الخطاب وجد صدىً واسعًا لدى قطاعات من الرأي العام، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة لتكاليف المعيشة، وارتفاع الديون الاستهلاكية، واعتماد ملايين الأسر على بطاقات الائتمان لتغطية نفقات أساسية.

بيل أكمان ينتقد مقترح ترامب لتحديد سقف فوائد بطاقات الائتمان عند 10% ويحذّر من تداعياته على السوق
بيل أكمان ينتقد مقترح ترامب لتحديد سقف فوائد بطاقات الائتمان عند 10% ويحذّر من تداعياته على السوق

عائق قانوني وسؤال الصلاحيات

لكن بعيدًا عن الجدل الاقتصادي، يبرز سؤال قانوني جوهري: هل يملك الرئيس الأمريكي صلاحية فرض مثل هذا القرار من دون الرجوع إلى الكونجرس؟
الإجابة، وفق معظم التقديرات، تميل إلى النفي. إذ إن تنظيم أسعار الفائدة، لا سيما في قطاع مالي بهذا الحجم، يتطلب تشريعات واضحة وموافقة السلطة التشريعية، في ظل غياب أدوات تنفيذية مباشرة تسمح للرئيس بتجاوز الكونجرس.

هذا الغموض القانوني يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى النقاش، ويجعل من المقترح – حتى الآن – أقرب إلى رسالة سياسية منه إلى خطة قابلة للتطبيق الفوري.

دعم الهدف.. ورفض الوسيلة

ورغم انتقاداته الحادة، حرص أكمان على توضيح موقفه بشكل متوازن. ففي منشور لاحق، شدد على أن الهدف الذي يطرحه ترامب – أي خفض فوائد بطاقات الائتمان – «هدف مهم وجدير بالدعم».
إلا أن الخلاف، بحسب أكمان، لا يدور حول الغاية، بل حول الأداة.

وقال أكمان:

«لا أملك استثمارات في قطاع بطاقات الائتمان، ولست خبيرًا فيه، لكن السوق يبدو شديد التنافسية».

وأضاف:

«الطريقة الأفضل لخفض الفوائد هي تعزيز المنافسة، من خلال جعل البيئة التنظيمية أكثر انفتاحًا أمام الداخلين الجدد والتقنيات الجديدة».

من وجهة نظره، فإن تحرير السوق وتشجيع الابتكار المالي – مثل حلول الدفع الرقمية ومنصات الإقراض البديلة – يمكن أن يضغط على أسعار الفائدة بشكل طبيعي ومستدام، من دون الحاجة إلى تدخل حكومي مباشر قد يأتي بنتائج عكسية.

جدل سياسي يتجاوز بطاقات الائتمان

قضية فوائد بطاقات الائتمان ليست معزولة عن المشهد السياسي الأمريكي الأوسع. فهي جزء من نقاش أعمق حول دور الدولة في ضبط الأسواق، وحدود التدخل الحكومي، وكيفية حماية المستهلك من دون الإضرار بآليات السوق.
وفي هذا السياق، يواصل ترامب تسليط الضوء على ملف تكاليف المعيشة، بعدما تعهّد خلال حملته الانتخابية بـ«خفض الأسعار فور توليه المنصب».

وقد أثبتت الانتخابات المحلية الأخيرة أن هذه القضايا تلعب دورًا محوريًا في توجهات الناخبين. ففي مدينة نيويورك، مثلًا، فاز عمدة المدينة زهران ممداني في نوفمبر الماضي، بعد حملة انتخابية ركزت بشكل مكثف على الضغوط الاقتصادية التي تواجه السكان، وارتفاع الإيجارات، وتكاليف الخدمات الأساسية.

بين الشعبوية والاقتصاد الواقعي

يعكس الجدل بين ترامب وأكمان صدامًا كلاسيكيًا بين الخطاب الشعبوي والاعتبارات الاقتصادية التقنية.
فالخطاب السياسي يميل إلى الحلول السريعة والشعارات الجذابة، بينما يحذّر خبراء الأسواق من أن الاقتصاد لا يستجيب دائمًا للأوامر المباشرة، وأن التدخل غير المدروس قد يخلق تشوهات أعمق من المشكلة الأصلية.

وفي النهاية، تبقى قضية سقف فوائد بطاقات الائتمان اختبارًا حقيقيًا لقدرة صناع القرار في الولايات المتحدة على تحقيق توازن دقيق بين حماية المستهلك، والحفاظ على استقرار النظام المالي، وضمان ألا تتحول النوايا الحسنة إلى نتائج عكسية يدفع ثمنها المواطن نفسه.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى