«سوفت بنك» تراهن على المستقبل: سباق محموم لإغلاق تمويل تاريخي لصالح «أوبن إيه آي» قبل نهاية العام
رهان تاريخي.. «سوفت بنك» تُعيد ترتيب إمبراطوريتها من أجل «أوبن إيه آي»

تخوض مجموعة «سوفت بنك» اليابانية سباقًا مع الزمن لإغلاق التزام تمويلي ضخم بقيمة 22.5 مليار دولار لصالح شركة «أوبن إيه آي»، في واحدة من أكبر صفقات الاستثمار في تاريخ قطاع الذكاء الاصطناعي، وذلك قبل نهاية العام الجاري. وتأتي هذه الخطوة ضمن استراتيجية شاملة يقودها مؤسس ورئيس المجموعة التنفيذي ماسايوشي سون، الذي لا يخفي رغبته في وضع «سوفت بنك» في قلب الثورة التكنولوجية المقبلة، مهما بلغت كلفة الرهان.
ووفقًا لمصادر مطلعة تحدثت إلى وكالة «رويترز»، تعمل «سوفت بنك» على جمع السيولة المطلوبة عبر مزيج معقّد من الآليات التمويلية، تشمل بيع أصول استراتيجية، وتسييل استثمارات، وإعادة هيكلة محفظة «فيجن فاند»، إلى جانب احتمال اللجوء إلى قروض هامش غير مسحوبة، مضمونة بحصتها القيّمة في شركة «آرم هولدينجز»، التي تُعد جوهرة التاج في محفظة المجموعة.
رهان غير مسبوق لماسايوشي سون
يمثل هذا الاستثمار ما يصفه مراقبون بأنه «الرهان الكامل» لماسايوشي سون على الذكاء الاصطناعي، وهو الرهان الأكبر في مسيرته الممتدة لعقود. فسون، الذي اشتهر بجرأته الاستثمارية وقدرته على اتخاذ قرارات مصيرية، يرى في «أوبن إيه آي» حجر الزاوية لمستقبل التكنولوجيا العالمية، ومحركًا أساسيًا للاقتصاد الرقمي في العقود القادمة.
ويأتي هذا التوجه في وقت تتصاعد فيه المنافسة العالمية على الهيمنة في مجال الذكاء الاصطناعي، وسط سباق محموم بين الولايات المتحدة والصين، واستثمارات بمئات المليارات من الدولارات في مراكز البيانات، والرقائق المتقدمة، والبنية التحتية الحاسوبية فائقة القدرة.

بيع الأصول… قرارات مؤلمة لتأمين السيولة
ولتأمين التمويل المطلوب، اتخذت «سوفت بنك» سلسلة من القرارات الصعبة، شملت بيع كامل حصتها في شركة «إنفيديا»، الرائدة عالميًا في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي، والتي بلغت قيمتها نحو 5.8 مليار دولار. كما تخلت المجموعة عن حصة بقيمة 4.8 مليار دولار في شركة «تي-موبايل يو إس»، إحدى أكبر شركات الاتصالات في الولايات المتحدة.
ولم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد، إذ لجأت المجموعة أيضًا إلى خفض أعداد العاملين، في إطار خطة أوسع لإعادة ضبط النفقات وتركيز الموارد على الرهانات الاستراتيجية ذات الأولوية القصوى.
«فيجن فاند» تحت قبضة مركزية صارمة
وأفادت مصادر مطلعة بأن ماسايوشي سون فرض رقابة مركزية مشددة على أنشطة صندوق «فيجن فاند» التابع للمجموعة، والذي يُعد من أكبر صناديق الاستثمار التكنولوجي في العالم. وبحسب هذه المصادر، بات أي استثمار تتجاوز قيمته 50 مليون دولار يتطلب موافقة شخصية مباشرة من سون، في خطوة تعكس حجم التركيز على صفقة «أوبن إيه آي».
كما تم توجيه مديري الاستثمار داخل الصندوق للعمل بشكل شبه حصري على دعم الصفقة، سواء من حيث الهيكلة المالية، أو إعادة ترتيب المحفظة، أو تسريع عمليات التخارج من استثمارات أخرى.
تحركات لطرح «باي باي» وتسييل استثمارات آسيوية
ضمن مساعيها لتوفير السيولة، تعمل «سوفت بنك» على إعادة إحياء خطة طرح شركة «باي باي»، مشغلة تطبيق المدفوعات الرقمية واسع الانتشار في اليابان، للاكتتاب العام. وكان من المقرر تنفيذ الطرح في وقت سابق من هذا العام، إلا أن إغلاق الحكومة الأمريكية لمدة 43 يومًا أدى إلى تأجيله.
ووفقًا لمصدر مباشر وآخر مطّلع، يُتوقع الآن أن يتم الإدراج خلال الربع الأول من العام المقبل، مع إمكانية جمع أكثر من 20 مليار دولار، ما سيمنح المجموعة دفعة سيولة كبيرة في توقيت حاسم.
إلى جانب ذلك، تسعى «سوفت بنك» إلى تسييل جزء من حصتها في شركة «ديدي جلوبال»، مشغلة أكبر منصة لطلب السيارات في الصين، والتي تخطط لإدراج أسهمها في هونج كونج بعد شطبها من بورصة نيويورك عام 2021، عقب حملة تنظيمية مشددة شنتها السلطات الصينية على شركات التكنولوجيا.
ضغوط عالمية وتمويل مشاريع عملاقة
تعكس وتيرة جمع التمويل التي تنتهجها «سوفت بنك» حجم الضغوط التي تواجه حتى أكبر المؤسسات الاستثمارية عالميًا، في ظل الحاجة إلى تمويل مشاريع بنية تحتية هائلة، وعلى رأسها مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، التي تُقدّر كلفة بعضها بمئات المليارات من الدولارات.
ويؤكد محللون أن هذه الموجة الاستثمارية غير المسبوقة تُعيد تشكيل خريطة التمويل العالمي، وتفرض تحديات جديدة تتعلق بالسيولة، والمخاطر، والعوائد طويلة الأجل.
خيارات تمويل متعددة… و«آرم» في قلب المعادلة
رغم ضخامة الالتزام، لا تزال «سوفت بنك» تمتلك عدة مصادر محتملة للسيولة، تشمل النقد المتاح في الميزانية العمومية، وحصصًا في شركات مدرجة، فضلًا عن أدوات الدين مثل السندات أو القروض الجسرية.
ومن أبرز هذه المصادر القدرة غير المسحوبة من قروض الهامش المضمونة بحصة المجموعة في «آرم هولدينجز». وكانت «سوفت بنك» قد رفعت مؤخرًا سقف هذه القروض بمقدار 6.5 مليار دولار، ليصل إجمالي القدرة غير المسحوبة إلى 11.5 مليار دولار.
ويعزز هذا الخيار الارتفاع الكبير في سعر سهم «آرم»، الذي تضاعف ثلاث مرات مقارنة بسعر الطرح العام الأولي، ما يمنح «سوفت بنك» هامش ضمانات إضافيًا لتوسيع الاقتراض دون الحاجة إلى بيع الأصول.
كما أعلنت المجموعة أنها تمتلك سيولة على مستوى الشركة الأم تبلغ 4.2 تريليون ين (نحو 27.16 مليار دولار) حتى نهاية سبتمبر، إضافة إلى احتفاظها بحصة تقارب 4% من أسهم «تي-موبايل يو إس» بقيمة تقترب من 11 مليار دولار، ما يجعلها ثاني أكبر مساهم في الشركة.
«أوبن إيه آي»… الحاجة الملحّة للتمويل
على الجانب الآخر، تُعد «أوبن إيه آي» في أمسّ الحاجة إلى هذا التمويل، لتغطية التكاليف المتزايدة لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، في ظل منافسة شرسة مع شركات عملاقة، أبرزها «جوجل» التابعة لـ«ألفابت».
وكانت «سوفت بنك» قد وقّعت في أبريل الماضي اتفاقًا للاستثمار في «أوبن إيه آي» عند تقييم بلغ 300 مليار دولار. ومنذ ذلك الحين، قفز تقييم الشركة بشكل كبير، مع دخولها محادثات لجمع تمويل إضافي من مستثمرين جدد، من بينهم «أمازون»، ما قد يرفع التقييم إلى نحو 900 مليار دولار، وفقًا لمصادر مطلعة.

مكاسب دفترية… ومخاطر مستقبلية
في حال إتمام الصفقة، ستحقق «سوفت بنك» مكاسب دفترية ضخمة، تعزز ميزانيتها وتدعم سردية سون حول قدرته على اقتناص الفرص المفصلية. إلا أن هذه المكاسب تظل مرهونة باستمرار النمو المتسارع للقطاع، وقدرة «أوبن إيه آي» على تحويل التفوق التقني إلى أرباح مستدامة.
«ستارجيت» وسباق الهيمنة الجيوسياسية
تتشارك «سوفت بنك» و«أوبن إيه آي» في الاستثمار بمشروع «ستارجيت»، وهو مبادرة عملاقة بقيمة 500 مليار دولار تهدف إلى بناء مراكز بيانات متخصصة لتدريب واستدلال نماذج الذكاء الاصطناعي. ويصف مسؤولون هذا المشروع بأنه محوري لطموحات الولايات المتحدة في الحفاظ على تفوقها التكنولوجي على الصين.
في المقابل، أثارت هذه الاستثمارات غير المسبوقة مخاوف متزايدة من احتمال تشكّل «فقاعة ذكاء اصطناعي»، في حال لم تنجح الشركات في تحقيق عوائد تتناسب مع حجم الإنفاق.
«الإنذار الأحمر» داخل «أوبن إيه آي»
وفي سياق متصل، أبلغ الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» سام ألتمان موظفي الشركة مؤخرًا بأن المؤسسة دخلت مرحلة «الإنذار الأحمر»، في إشارة إلى الحاجة الملحة لتحسين أداء «شات جي بي تي»، مع تأجيل إطلاق منتجات أخرى لمواجهة الزخم المتصاعد لمنصة «جيميناي» التابعة لـ«جوجل».
كما كشف ألتمان أن الشركة تستهدف بناء قدرات حوسبة تصل إلى 30 جيجاواط، بتكلفة إجمالية قد تبلغ 1.4 تريليون دولار، مضيفًا أنه يطمح على المدى البعيد إلى إضافة جيجاواط واحد أسبوعيًا، وهو هدف غير مسبوق في تاريخ صناعة التكنولوجيا.

رهان على المستقبل المجهول
في المحصلة، تبدو «سوفت بنك» اليوم عند مفترق طرق تاريخي، تراهن فيه بكل ثقلها المالي والاستثماري على مستقبل الذكاء الاصطناعي، وعلى قدرة «أوبن إيه آي» على قيادة هذا المستقبل. وبين الطموح الجامح والمخاطر الكامنة، يظل السؤال مفتوحًا: هل يكرر ماسايوشي سون نجاحاته السابقة، أم أن هذا الرهان سيُسجَّل كأكثر مغامراته كلفة؟




