أخبار ومقالات

«نون» تحصد 500 مليون دولار بدعم صندوق الاستثمارات العامة: رهان جديد على مستقبل التجارة الإلكترونية في الخليج

في خطوة تعكس الزخم المتواصل الذي يشهده قطاع التجارة الإلكترونية في منطقة الخليج، كشفت منصة «سيمافور» عن نجاح منصة التجارة الإلكترونية «نون» في جمع تمويل جديد بقيمة 500 مليون دولار، ضمن جولة تمويل حديثة قادها مستثمرون بارزون، يتقدمهم صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF). هذه الخطوة لا تمثل مجرد ضخ مالي إضافي في شركة ناشئة، بل تعكس تحولات أعمق في بنية الاقتصاد الرقمي الخليجي، وتؤكد أن التجارة الإلكترونية باتت إحدى ساحات التنافس الإستراتيجي بين رؤوس الأموال الإقليمية والعالمية.

ووفقًا لما نقلته «سيمافور» عن موقع «العربية»، فإن هذه الجولة التمويلية تأتي في توقيت بالغ الحساسية؛ إذ تواجه «نون» منافسة متصاعدة من لاعبين محليين وإقليميين، إلى جانب منصات عالمية تسعى لترسيخ موطئ قدم لها في أسواق الخليج، التي تُعد من أكثر الأسواق جذبًا بفضل قاعدتها السكانية الشابة وارتفاع مستويات الدخل وانتشار أنماط الاستهلاك الرقمية.

استثمارات تتدفق مع تسارع التحول الرقمي

تعكس جولة التمويل الجديدة استمرار تدفق الاستثمارات إلى قطاع التجارة الإلكترونية، الذي يشهد نموًا متسارعًا في دول مجلس التعاون الخليجي، مدفوعًا بعوامل عدة؛ أبرزها التحول الرقمي، وتوسع البنية التحتية اللوجستية، وارتفاع معدلات استخدام الهواتف الذكية، فضلًا عن التغيرات في سلوك المستهلكين التي تسارعت بعد جائحة «كوفيد-19».

وفي هذا السياق، يمتلك صندوق الاستثمارات العامة حصة مؤثرة في شركة «نون»، التي تُعد واحدة من أبرز منصات التسوق الإلكتروني في الشرق الأوسط. ويأتي هذا الدعم ضمن إستراتيجية أوسع للصندوق تهدف إلى تعزيز حضوره في قطاعات التقنية والتجارة الرقمية، باعتبارها من الركائز الأساسية لبناء اقتصاد متنوع ومستدام، وتقليل الاعتماد على الموارد التقليدية.

«نون» تحصد 500 مليون دولار بدعم صندوق الاستثمارات العامة: رهان جديد على مستقبل التجارة الإلكترونية في الخليج
«نون» تحصد 500 مليون دولار بدعم صندوق الاستثمارات العامة: رهان جديد على مستقبل التجارة الإلكترونية في الخليج

التمويل في توقيت نشاط استثماري غير مسبوق

يتزامن دعم صندوق الاستثمارات العامة لجولة تمويل «نون» مع فترة نشاط استثماري مكثف للصندوق على الساحة العالمية. فقد قاد الصندوق مؤخرًا صفقة استحواذ ضخمة بقيمة 55 مليار دولار على شركة الألعاب العالمية “Electronic Arts”، كما يُعد من أبرز الداعمين لعرض شركة “باراماونت سكاي دانس” البالغ 108 مليارات دولار للاستحواذ على “وارنر براذرز ديسكفري”.

هذا التوسع في الاستثمارات يعكس تحوّل الصندوق إلى لاعب عالمي مؤثر، لا يكتفي بالاستثمار المحلي، بل يسعى إلى بناء محفظة متنوعة تشمل قطاعات التكنولوجيا والإعلام والترفيه والرياضة، إلى جانب التجارة الإلكترونية، التي تمثل أحد أسرع القطاعات نموًا في المنطقة.

ويرى محللون أن تزامن هذه الصفقات يعكس رؤية بعيدة المدى تستهدف الاستفادة من التحولات الكبرى في أنماط الاستهلاك عالميًا، حيث بات المحتوى الرقمي والتجارة الإلكترونية والخدمات الذكية محركات رئيسية للنمو الاقتصادي.

«نون» في قلب المنافسة الخليجية

تأتي جولة التمويل الجديدة في وقت تشهد فيه «نون» منافسة متزايدة داخل سوق التجارة الإلكترونية الخليجية، سواء من منصات إقليمية صاعدة أو من شركات عالمية تمتلك خبرات طويلة وقدرات مالية ضخمة. إلا أن «نون» تراهن على فهمها العميق للسوق المحلية، وقدرتها على تكييف نماذج أعمالها بما يتلاءم مع خصوصية المستهلك الخليجي.

وتسعى الشركة إلى تعزيز استثماراتها في البنية التحتية اللوجستية، وتحسين تجربة المستخدم، وتوسيع نطاق خدماتها، لا سيما في قطاع «التجارة السريعة» (Quick Commerce)، الذي بات يشكل أحد أبرز ملامح المنافسة في المنطقة.

الاقتراب من الربحية وخطط الإدراج

في سبتمبر الماضي، صرّح محمد العبار، رئيس مجلس إدارة شركة «نون»، بأن الشركة تقترب من تحقيق الربحية، في مؤشر مهم على نضج نموذج أعمالها بعد سنوات من الاستثمار المكثف والتوسع السريع. وأوضح العبار أن «نون» تخطط لتنفيذ إدراج مزدوج في كل من السوقين السعودية والإماراتية خلال عامين، في خطوة تعكس طموحاتها للتحول إلى شركة مدرجة في أسواق المال الخليجية.

ويرى مراقبون أن خيار الإدراج المزدوج يعكس إدراك الشركة لأهمية السوقين السعودية والإماراتية، باعتبارهما الأكبر والأكثر سيولة في المنطقة، إضافة إلى ما يوفره الإدراج من شفافية وحوكمة، وقدرة على جذب مستثمرين مؤسسيين جدد.

«نون» تحصد 500 مليون دولار بدعم صندوق الاستثمارات العامة: رهان جديد على مستقبل التجارة الإلكترونية في الخليج
«نون» تحصد 500 مليون دولار بدعم صندوق الاستثمارات العامة: رهان جديد على مستقبل التجارة الإلكترونية في الخليج

خفض التكاليف عبر التكنولوجيا

ضمن إستراتيجيتها لتحقيق الربحية، تعمل «نون» على تطوير خدمات التوصيل الذاتي بهدف خفض التكاليف التشغيلية، التي تمثل أحد أكبر التحديات في قطاع التجارة الإلكترونية. وأشار العبار إلى وجود خطط لاستئجار الروبوتات بدلًا من شرائها، في خطوة تهدف إلى تقليل النفقات الرأسمالية، وتعزيز المرونة التشغيلية.

كما كشف عن نية الشركة تقليص القوى العاملة إلى النصف من مستواها الحالي البالغ نحو 40 ألف موظف بحلول عام 2027، بالاعتماد على تقنيات القيادة الذاتية والأتمتة والحلول الذكية. وتأتي هذه الخطوة في إطار توجه عالمي أوسع نحو إعادة هيكلة الشركات التقنية، وتحقيق التوازن بين النمو والكفاءة.

جدل حول الأتمتة وسوق العمل

ورغم أن خطط الأتمتة تسهم في تعزيز الكفاءة وخفض التكاليف، فإنها تثير في الوقت ذاته تساؤلات حول تأثيرها على سوق العمل، خاصة في القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على العمالة البشرية، مثل الخدمات اللوجستية والتوصيل.

ويرى خبراء أن التحدي الحقيقي أمام «نون» وشركات مشابهة يتمثل في تحقيق معادلة متوازنة بين استخدام التكنولوجيا المتقدمة، والحفاظ على فرص العمل، عبر إعادة تأهيل العاملين وتطوير مهاراتهم بما يتناسب مع متطلبات الاقتصاد الرقمي الجديد.

من التأسيس إلى المنافسة الإقليمية

يعود تأسيس منصة «نون» إلى عام 2016، عندما جمعت الشركة نحو مليار دولار من داعمين بارزين، من بينهم صندوق الاستثمارات العامة، بهدف إطلاق منصة قادرة على منافسة عمالقة التجارة الإلكترونية في المنطقة. ومنذ ذلك الحين، خاضت «نون» رحلة توسع سريعة شملت عدة أسواق خليجية، مع تركيز خاص على السعودية والإمارات ومصر.

وخلال سنوات قليلة، نجحت الشركة في بناء قاعدة مستخدمين واسعة، وتوسيع نطاق منتجاتها وخدماتها، لتشمل الإلكترونيات، والأزياء، والسلع الاستهلاكية، إضافة إلى خدمات التوصيل السريع والبقالة.

التجارة السريعة… ساحة المنافسة القادمة

في سياق متصل، قدّر تقرير صادر عن شركة RedSeer أن سوق التجارة السريعة (Quick Commerce) يمثل ما يصل إلى 10% من إجمالي سوق التجارة الإلكترونية في الخليج، وهو رقم مرشح للارتفاع بشكل ملحوظ خلال السنوات المقبلة.

وتوقعت RedSeer أن يرتفع حجم سوق التجارة السريعة في دول الخليج من نحو 4 مليارات دولار حاليًا إلى 15 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، بقيادة لاعبين رئيسيين في المنطقة، من بينهم «نون» و«كريم» و«طلبات». ويقصد بالتجارة السريعة توصيل السلع والخدمات خلال ساعة أو أقل، مع هيمنة منتجات البقالة على هذا القطاع حتى الآن.

الخليج… سوق واعدة للاستثمار الرقمي

تعكس هذه التوقعات حجم الفرص الكامنة في أسواق الخليج، التي باتت تشكل بيئة جاذبة للاستثمار في التجارة الإلكترونية، بفضل مزيج من العوامل الديموغرافية والاقتصادية والتكنولوجية. كما أن الدعم الحكومي لمبادرات التحول الرقمي، وتطوير المدن الذكية، يسهم في تسريع نمو هذا القطاع.

وفي هذا الإطار، يُنظر إلى دعم صندوق الاستثمارات العامة لمنصة «نون» باعتباره استثمارًا إستراتيجيًا طويل الأجل، يهدف إلى بناء بطل إقليمي قادر على المنافسة عالميًا، وتعزيز مكانة الخليج كمركز رئيس للتجارة الرقمية في الشرق الأوسط.

«نون» تحصد 500 مليون دولار بدعم صندوق الاستثمارات العامة: رهان جديد على مستقبل التجارة الإلكترونية في الخليج
«نون» تحصد 500 مليون دولار بدعم صندوق الاستثمارات العامة: رهان جديد على مستقبل التجارة الإلكترونية في الخليج

مستقبل «نون» بين الطموح والتحديات

رغم النجاحات التي حققتها «نون» حتى الآن، فإن طريقها نحو الريادة الإقليمية والعالمية لا يخلو من التحديات. فالمنافسة الشرسة، وارتفاع تكاليف التشغيل، وتقلبات سلوك المستهلكين، كلها عوامل تفرض على الشركة مواصلة الابتكار وتحسين الكفاءة.

إلا أن جولة التمويل الجديدة بقيمة 500 مليون دولار تمنح «نون» دفعة قوية لمواصلة خططها التوسعية، وتسريع استثماراتها في التكنولوجيا والبنية التحتية، والاستعداد لمرحلة جديدة قد تشهد تحولها إلى شركة مدرجة في أسواق المال الخليجية.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع التجارة الإلكترونية، يبدو أن «نون» تراهن على المستقبل بثقة، مدعومة برؤية إستراتيجية واستثمارات سيادية، في سباق مفتوح لإعادة رسم خريطة التجارة الرقمية في المنطقة.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى