سهم «أوراكل» يهوي رغم قفزات عقود الذكاء الاصطناعي: إنفاق ضخم يبتلع المكاسب ويثير مخاوف المستثمرين

شهد سهم شركة «أوراكل» واحدة من أكثر جلسات التداول تقلبًا في الأسواق العالمية، بعدما افتتح منخفضًا بنحو 12% في بورصة فرانكفورت، مقتفيًا أثر الخسائر الكبيرة المسجلة في تعاملات ما بعد الإغلاق بالولايات المتحدة. وجاء هذا الهبوط الحاد مباشرة بعد إعلان الشركة عن توقعات فصلية للمبيعات والأرباح جاءت دون الطموحات التي رسمها المحللون، بالإضافة إلى الكشف عن زيادة ضخمة في الإنفاق الرأسمالي، ما أثار موجة واسعة من القلق في أوساط المستثمرين.
ورغم أن الشركة واصلت الإعلان عن توسّع ملحوظ في عقود الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، فإن الأسواق لم تتفاعل إيجابًا مع هذه الأرقام، معتبرة أن التحول الكبير نحو البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يضغط بشكل واضح على مركز الشركة المالي.
أرقام غير مطمئنة رغم النمو القياسي في العقود
لم يمنح التقرير القوي للربع الثاني المستثمرين ما يكفي من الثقة. فرغم تسجيل «أوراكل» التزامات تعاقدية مستقبلية بقيمة 523 مليار دولار—متجاوزة تقديرات المحللين البالغة 502 مليار دولار—إلا أن السهم واصل التراجع العنيف، ليخسر 11.6% في تداولات ما بعد الإغلاق.
وأعلنت الشركة أن هذه القفزة الكبيرة البالغة 438% على أساس سنوي جاءت نتيجة عقود جديدة أبرمتها مع «ميتا» و«إنفيديا»، ضمن توجه لتوسيع قاعدة العملاء بعيدًا عن الاعتماد المفرط على «أوبن أي آي». ومع ذلك، ظلّ المستثمرون غير مطمئنين بسبب الفجوة المتزايدة بين حجم العقود وبين قدرة الشركة على تحويل هذه الالتزامات إلى إيرادات فعلية دون إثقال كاهلها بالديون.
فالتحول إلى الذكاء الاصطناعي يتطلب استثمارات هائلة في مراكز البيانات والخوادم المتطورة، وهو ما يفرض ضغوطًا مالية كبيرة على الشركة خلال السنوات المقبلة، ويزيد مخاوف تمويل استراتيجية النمو.

الديون المحتملة وضغط التمويل
خلال مكالمة الأرباح، حاول المدير المالي دوج كيرينغج تهدئة السوق عبر التأكيد على أن «أوراكل» تمتلك خيارات دين متنوعة تشمل الأدوات العامة والخاصة إلى جانب ترتيبات التأجير، ما يمنحها مرونة مالية أكبر وقدرة على «الاقتراض أقل بكثير مما يتوقعه معظم الناس»، على حد وصفه.
وأشار كيرينغج إلى أن بعض العملاء يوفرون رقاقاتهم الخاصة، وهي خطوة تقلل من الاحتياجات الاستثمارية لأوراكل. كما جدّد التأكيد على التزام الشركة بالحفاظ على تصنيفها الائتماني الاستثماري، وهو خط أحمر تحرص الإدارة على عدم تجاوزه.
لكن رغم هذه التطمينات، بقيت مؤشرات السندات أقل استقرارًا، مع اتساع الفجوة بين تكلفة التأمين على ديون الشركة ومؤشر عقود مبادلة الائتمان (CDS) للشركات ذات الدرجة الاستثمارية. وهو مؤشر يُقرأ عادة كإشارة تحذيرية في الأسواق المالية.
إيرادات متباينة ونمو دون التوقعات
أفصحت «أوراكل» عن إيرادات فصلية بلغت 16.1 مليار دولار للربع المنتهي في ديسمبر، وهو مستوى أقل قليلًا من توقعات المحللين البالغة 16.2 مليار دولار. ورغم أن الشركة حققت نموًا سنويًا قدره 13%—أو 14% بالدولار الأمريكي—إلا أن الأداء بدا أقل قوة مقارنة بالزخم الهائل في عقود الذكاء الاصطناعي.
وعلى الجانب الآخر، واصلت خدمات الحوسبة السحابية تحقيق نمو قوي بنسبة 33% بالعملة الثابتة لتصل إلى 8 مليارات دولار، بينما توقعت الإدارة أن تتسارع وتيرة النمو في الربع الحالي إلى ما بين 37% و41% بالعملة الثابتة.
كما توقعت الشركة أن يرتفع إجمالي الإيرادات ما بين 16% و18% بالعملة الثابتة، ما بين 19% و21% بالدولار الأمريكي، في إشارة إلى طموح واضح في تعزيز الأداء التشغيلي رغم التحديات.
![]()
مكاسب ضخمة لكنها غير كافية لدعم السهم
حققت الشركة أرباحًا معدلة بلغت 2.26 دولار للسهم، متجاوزة توقعات بلغت 1.64 دولار. وجاء جانب كبير من هذه القفزة بفعل صفقة بيع حصة «أوراكل» في شركة «أمبير كومبيوتينج» لصالح «سوفت بنك»، محققة مكسبًا قبل الضريبة بقيمة 2.7 مليار دولار.
وفي الربع السابق كانت الشركة قد أثارت موجة واسعة من التفاؤل بعدما أعلنت عن عقود ذكاء اصطناعي بقيمة 455 مليار دولار، وهو ما دفع السهم لبلوغ مستوى قياسي عند 328.33 دولار. لكن هذا الزخم سرعان ما تراجع مع تعمّق القلق بشأن علاقتها مع «أوبن أي آي» وتداعيات خطط التمويل الضخمة.
الإنفاق الرأسمالي يقفز ويعزز المخاوف
زاد الإنفاق الرأسمالي لأوراكل في الربع الثاني إلى 12 مليار دولار، مقارنة بـ 8.5 مليار في الربع السابق، ومتجاوزًا التقديرات البالغة 8.4 مليار دولار. كما رفعت الإدارة توقعاتها للإنفاق الرأسمالي للعام المالي 2026 بمقدار 15 مليار دولار ليصل الإجمالي المتوقع إلى 50 مليار دولار.
هذا التوسع الاستثماري الكبير—رغم ضرورته في سباق الذكاء الاصطناعي—كان من أبرز أسباب تشاؤم السوق، إذ يرى المستثمرون أن الشركة قد تخاطر بهوامش أرباحها وربما بتصنيفها الائتماني إذا استمرت وتيرة الإنفاق على هذا النحو.

خلاصة المشهد
يتضح من قراءة نتائج «أوراكل» أن الشركة تقف عند مفترق طرق صعب:
-
عقود قياسية ونمو قوي في السحابة،
-
لكن إنفاقًا رأسماليًا ضخمًا وديونًا محتملة تهدد بتقويض المكاسب.
ورغم التطمينات المتكررة من الإدارة بشأن قدرتها على ضبط التمويل والحفاظ على مركزها الائتماني، فإن الأسواق لا تزال ترى أن الطريق نحو تحقيق أرباح مستدامة من استثمارات الذكاء الاصطناعي سيكون طويلًا ومكلفًا.
وفي وقت تتسابق فيه كبرى الشركات للاستحواذ على حصة من مستقبل الذكاء الاصطناعي، يبدو أن «أوراكل» تسير بخطى سريعة، لكن الأسواق تريد رؤية نتائج أسرع قبل أن تعيد للسهم زخمه المفقود.




