OpenAI تقترب من إدراج الإعلانات داخل ChatGPT… توجّه جديد يعيد رسم ملامح مستقبل الدردشة الذكية

في تطوّر قد يعيد تشكيل العلاقة بين المستخدمين وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، تكثر الإشارات التقنية والتقارير الإعلامية مؤخرًا حول استعداد شركة OpenAI لدمج الإعلانات داخل واجهة ChatGPT، في خطوة تمثّل تحولًا جذريًا في نموذج التشغيل الذي تبنّته المنصة منذ انطلاقها قبل ثلاث سنوات. هذه التحولات تأتي وسط تحديات مالية متزايدة تواجه الشركة، وحاجة ملحّة لتأمين مصادر دخل تتناسب مع التكاليف الضخمة لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
دلائل تقنية تُنذر بمرحلة إعلانية جديدة
ظهرت نواة هذا التغيير في دلائل تقنية رصدها المهندس المتخصص تيبور بلاحو، الذي اكتشف وجود نحو 12 سطرًا من الأكواد داخل النسخة التجريبية لتطبيق ChatGPT على نظام أندرويد. هذه الأسطر حملت اسم “feature ads”، وتضمّنت إشارات صريحة إلى مكوّنات إعلانية مثل “إعلان البحث” و“دوران إعلانات البحث”، وهو ما يعد مؤشرًا مباشرًا على اختبار OpenAI لنظام إعلاني مدمج داخل التطبيق.

وتعزّز تقارير رويترز هذه المؤشرات، مؤكدة أن الشركة باتت تبحث بجدية عن وسائل لتعظيم إيراداتها بعد أن أصبح الاعتماد على الاشتراكات المدفوعة وحدها غير كافٍ لتحمّل التكلفة التشغيلية المتنامية للنماذج اللغوية المتقدمة. ورغم ذلك، لا تزال OpenAI تتجنّب الإفصاح رسميًا عن موعد طرح الإعلانات أو تفاصيل منهجية التطبيق، ما يترك الباب مفتوحًا أمام تكهنات واسعة في الوسط التقني.
رسائل متضاربة من قيادة OpenAI
على مستوى الإدارة، جاءت تصريحات سام ألتمان—الرئيس التنفيذي للشركة—لتعكس حالة من التردد الحذر. فبينما وصف إدراج الإعلانات بأنه “حل أخير” قد يضر بتجربة المستخدم، لم يُغلق الباب نهائيًا أمام اعتمادها مستقبلًا. وأشار ألتمان إلى أن الإعلانات ليست “شرًا مطلقًا”، وأنها قد تكون جزءًا من نموذج عمل قابل للتطوير في حال تم ضبطها بشكل لا يضر المستخدم.
وتزامن ذلك مع تقارير من Financial Times تفيد بأن OpenAI بدأت بالفعل البحث عن خبرات إعلانية رفيعة المستوى، سواء من خلال استقطاب موظفين سابقين في Google وMeta أو عبر نشر إعلانات توظيف مخصّصة لبناء فريق داخلي قادر على إدارة منظومة إعلانات متكاملة. هذه الخطوات تؤكد أن الشركة تتحرك عمليًا نحو عالم الإعلانات، لا نظريًا فقط.

نحو نموذج إعلاني يقرأ المستخدم
وتضيف صحيفة The Information بعدًا جديدًا للقصة، إذ تشير إلى دراسة مستفيضة داخل OpenAI لاعتماد إعلانات مخصّصة مبنية على تحليل بيانات المستخدم وتفاعلاته داخل ChatGPT. خطوة كهذه—إن طُبّقت—تعني أن تجربة الإعلانات قد تصبح شخصية للغاية، بل أشد دقة من إعلانات منصات التواصل الاجتماعي.
ويبرز هنا أن الشركة ضمّت بالفعل مئات من موظفي Meta السابقين، ممن يمتلكون خبرة عميقة في بناء أنظمة إعلانات متطورة تشكل العمود الفقري لإيرادات Meta التي تجاوزت 130 مليار دولار في 2023 وحده.
مخاوف أخلاقية وخصوصية على المحك
لكن هذا المسار يصطدم بمجموعة من الهواجس الأخلاقية. فالمستخدمون يميلون إلى مشاركة معلومات أكثر حساسية وشخصية مع ChatGPT مقارنة بمحركات البحث التقليدية، نظرًا لطبيعة الدردشة التفاعلية التي تمنح إحساسًا بالأمان والخصوصية وحتى “الصداقة الرقمية”. إدراج الإعلانات، خصوصًا الموجّهة، يطرح تساؤلات حول كيفية استخدام هذه البيانات ومدى احترام حدود الخصوصية.
ويحذّر خبراء من أن طبيعة الذكاء الاصطناعي “الصديق” قد تتحوّل إلى أداة تأثير نفسي وتجاري. وتزامنًا مع انتشار تقارير عن اضطرابات مرتبطة بالإفراط في استخدام روبوتات الدردشة، تتعاظم المخاوف من أن توظيف البيانات الشخصية في الإعلانات قد يُفاقم هذه الإشكاليات.
تجربة مستخدم على مفترق طرق
عمليًا، إضافة الإعلانات قد تخلق واقعًا جديدًا داخل ChatGPT، يجمع بين فوائد مالية ضخمة للشركة، وبين مخاطر تتعلق بارتباك تجربة المستخدم واهتزاز الثقة. فالمستخدمون تعوّدوا على منصة توفّر مساحة تفاعلية نظيفة وبسيطة وخالية من التشويش البصري. ومع دخول الإعلانات، تصبح OpenAI أمام تحدٍّ صعب: كيف توازن بين الربحية والمحافظة على ولاء المستخدم؟
كما أن منافسين كبارًا—مثل Google عبر نتائج ملخصات الذكاء الاصطناعي، وPerplexity وChai عبر نماذج جديدة—بدأوا بالفعل دمج مهام إعلانية متقدّمة داخل منصاتهم. ما يعني أن السوق يتحرك جماعيًا نحو نموذج جديد يجعل الإعلانات جزءًا أصيلًا من مستقبل الذكاء الاصطناعي التوليدي.

تبدو OpenAI أمام مفترق تاريخي. فبين ضغط التكاليف وعدد المستخدمين الهائل، وبين تجربة مستخدم تعوّدت على خدمة نظيفة، قد تصبح الإعلانات خيارًا لا مفر منه. ومع ذلك، يبقى النجاح مرهونًا بطريقة التنفيذ ومدى احترام خصوصية المستخدمين وحساسيتهم تجاه أي محاولة للتأثير في قراراتهم.
في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا وتتغيّر قواعد اللعبة باستمرار، يبدو أن إدراج الإعلانات في ChatGPT قد يكون بداية فصل جديد في علاقة البشر بالذكاء الاصطناعي—فصل يحمل فرصًا اقتصادية كبرى، كما يحمل أسئلة مفتوحة تحتاج إلى إجابات شفافة ومسؤولة.




