بعد خسائر الـ400 مليار دولار: كيوساكي يصعّد هجومه على وارن بافيت ويدعو للاستثمار في «أموال الشعب»

في خضم أسبوع عاصف شهدت خلاله أسواق العملات المشفّرة تراجعات حادة، خسر معها السوق نحو 400 مليار دولار، عاد روبرت كيوساكي، المؤلف الشهير لكتاب «Rich Dad, Poor Dad»، ليُشعل الجدل مجددًا حول مستقبل الأصول الرقمية، موجّهًا سهام انتقاده إلى الملياردير الأميركي المخضرم وارن بافيت، المعروف بموقفه الرافض للعملات المشفرة ووصفه لها مرارًا بأنها «لا تُنتج شيئًا» و«سم الفئران».

الهزة العنيفة التي تعرضت لها بيتكوين، والتي فقدت ما يقرب من 40 ألف دولار من قيمتها خلال أيام قليلة، لم تُثنِ كيوساكي عن موقفه المؤيد بقوة للعملات الرقمية، بل اعتبر توقيت الانخفاض فرصة مثالية للدخول بقوة إلى السوق والتخلي ــ بحد وصفه ــ عن «الأسهم الأميركية المزيفة».
في هذا التقرير نستعرض تفاصيل المواجهة بين اثنين من أشهر الشخصيات في عالم المال، ونقارن بين فلسفتيهما الاستثماريتين، في ظل تقلبات عنيفة تضرب الأسواق العالمية.
أولًا: هجوم «كيوساكي» على «بافيت»
منذ بداية الموجة الهابطة الأخيرة في أسواق التشفير، والتي شهدت عمليات تصفية واسعة قدّرها تقرير The Street بنحو 122 ألف متداول خلال 24 ساعة وأكثر من 310 ملايين دولار خسائر مباشرة، استغل كيوساكي الموقف للدفاع عن بيتكوين ومهاجمة بافيت، معتبرًا أن الملياردير الأميركي «لا يفهم طبيعة الأموال الحديثة».
ونشر كيوساكي سلسلة من التغريدات على منصة «X»، اتهم فيها بافيت بأنه «ينتقد بيتكوين بلا توقف»، رغم أنه أحد أذكى المستثمرين في التاريخ. وأكد أن انخفاضات بيتكوين «جزء من تاريخها» وأنها تعرضت سابقًا لتراجعات أعنف من الحالية، لكنها استمرت في استعادة مستوياتها وتحقيق قمم جديدة.
وبينما يرى بافيت أن العملات المشفّرة مجرد «مقامرة» لا قيمة فعلية لها، يشدد كيوساكي على أنها تمثل «أموال الشعب» في مواجهة ما يصفه بـ«الأموال المزيفة» التي تصنعها الحكومات، في إشارة إلى الأسهم والسندات وصناديق المؤشرات.
ثانيًا: مواجهة الأفكار بين عملاقين
تعود جذور الخلاف بين كيوساكي وبافيت إلى اختلاف جذري في الفلسفة الاستثمارية.
ففي أحد اجتماعات «بيركشاير هاثاواي» عام 2022، قال بافيت عبارته الشهيرة:

«إذا عرض أحدهم عليّ كل البيتكوين في العالم مقابل 25 دولارًا، لما أخذته. لا يمكنني فعل أي شيء به، ولن يفيدني في شيء».
هذه الجملة أصبحت مرجعًا لكل من يعارض العملات الرقمية، باعتبارها أصلًا لا يدر دخلًا ولا يقدم منفعة اقتصادية ملموسة.
في المقابل، يرى كيوساكي أن الأسهم والسندات، رغم كونها أدوات مالية رسمية، تتعرض اليوم لعمليات بيع واسعة من قبل البنوك المركزية في الصين واليابان، ما يجعل الاعتماد عليها مغامرة لا تقل خطورة.
ويؤكد أن النظام التعليمي الأميركي ساهم في تكريس الجهل المالي، وهو ما دفعه لتأسيس «Rich Dad Company» قبل ربع قرن، لتقديم محتوى يساعد على فهم طبيعة الأموال الحقيقية وطرق حماية الثروة.
ثالثًا: إستراتيجية «كيوساكي» للاستثمار
يُعرف كيوساكي بإيمانه الراسخ بأربعة أصول رئيسية: بيتكوين، الإيثريوم، الذهب، الفضة.
بالنسبة له، هذه الأصول الأربعة هي «أموال الشعب» و«أموال الله»، بينما يرى أن كل ما يرتبط بالحكومات أو المؤسسات المالية التقليدية لا يعدو كونه «أموالًا مزيفة».
ويؤكد أن قوة العملات المشفرة تكمن في أنها لا تخضع لسيطرة الحكومات ولا يمكن «طباعتها» أو إنتاجها بقرار سياسي. أما الذهب، الذي وصل إلى مستوى قياسي بلغ 4,326 دولارًا للأونصة في أكتوبر قبل أن يتراجع قليلًا، فيظل ملاذًا آمنًا لا يخذل المستثمرين في أوقات عدم اليقين.
ويستغل كيوساكي كل موجة هبوط في السوق لزيادة حيازته من الأصول الرقمية، معتبرًا أنها فرص شراء وليست إشارات خطر.
رابعًا: إستراتيجية «بافيت» للاستثمار
على الضفة الأخرى يقف وارن بافيت، الملقب بـ«ساحر أوماها»، والذي تعتمد فلسفته منذ عقود على الاستثمار في الأصول الملموسة، والشركات ذات القيمة الحقيقية، والاعتماد على صناديق المؤشرات منخفضة التكلفة لتحقيق نمو طويل الأجل.
ويؤمن بافيت بأن نجاح أي مستثمر لا يأتي من المغامرة، بل من البدء المبكر والتراكم الهادئ. فالمبدأ الأساسي لديه هو تحويل مبالغ صغيرة من الادخار إلى محفظة متنوعة ذات قيمة حقيقية بمرور الزمن.
رفضه لبيتكوين لا يرتبط فقط بالتقلبات الحادة، بل بفكرة أنها ــ في نظره ــ لا تنتج شيئًا ولا يمكن تقييمها بصورة منطقية، وهو ما يجعلها غير مناسبة لاستثمارات طويلة الأجل.
تسلط المواجهة بين روبرت كيوساكي ووارن بافيت الضوء على واحدة من أعمق الانقسامات في عالم الاستثمار اليوم:
هل المستقبل للأصول الرقمية اللامركزية التي تدعمها التكنولوجيا؟ أم للأصول التقليدية ذات القيمة الملموسة؟
وبينما يواصل بافيت التحذير من «فقاعة» قد تنفجر في أي لحظة، يرى كيوساكي أن بيتكوين والإيثريوم تمثلان «ثورة مالية» ستستمر رغم الخسائر العنيفة وتقلبات السوق.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام المستثمرين:
هل يراهنون على الحكمة الكلاسيكية لبافيت؟ أم على الرؤية الثورية لكيوساكي؟




