تمويل الشركات الناشئة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يختتم عام 2025 بحصيلة 171.5 مليون دولار

في ختام عام 2025، أنهى مشهد الاستثمار في الشركات الناشئة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا شهر ديسمبر على إيقاعٍ أقل صخبًا من المعتاد، لكنه لم يخلُ من الدلالات العميقة التي تعكس تحولات هيكلية في سلوك المستثمرين واتجاهات رأس المال الجريء بالمنطقة. فقد جمعت 44 شركة ناشئة خلال الشهر الأخير من العام تمويلات بلغت 171.5 مليون دولار، مسجلة تراجعًا بنسبة 38% مقارنة بديسمبر من عام 2024، وبنحو 24% قياسًا بشهر نوفمبر السابق له.
ورغم أن هذا الانخفاض يتماشى مع نمط موسمي متكرر يشهد تباطؤًا في النشاط الاستثماري مع نهاية كل عام، فإن قراءة الأرقام بمعزل عن التفاصيل قد تخفي تغيرات أكثر دقة في طبيعة التمويل وتركيبته. إذ تكشف البيانات، عند استبعاد التمويل بالدَّين من حسابات الشهرين الأخيرين، أن أداء ديسمبر كان في الواقع أفضل قليلًا من نوفمبر، في إشارة إلى تراجع نسبي في الاعتماد على أدوات الدين وعودة حذرة لتمويل الأسهم، الذي يُعد أكثر ارتباطًا برهانات النمو طويلة الأجل.
تحوّل في تركيبة التمويل
لم تمثّل الديون خلال ديسمبر سوى 12.5% من إجمالي التمويل، وهي نسبة منخفضة نسبيًا مقارنة بالأشهر السابقة، ما يعكس ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر المرتبطة بالإقراض في بيئة لا تزال تتسم بعدم اليقين. ويُقرأ هذا التحول على أنه محاولة لإعادة التوازن بين التمويل القائم على الدَّين وتمويل الأسهم، بعد فترة شهدت لجوء عدد متزايد من الشركات الناشئة إلى أدوات تمويل بديلة لتجاوز شح السيولة.
هذا التراجع في التمويل بالدَّين يعكس أيضًا ثقة نسبية في بعض الشركات القادرة على جذب استثمارات قائمة على الملكية، وإن كان ذلك في إطار أكثر انتقائية وتشددًا من حيث التقييمات وشروط الاستثمار، مقارنة بالسنوات التي سبقت موجة التصحيح العالمية في قطاع رأس المال الجريء.

السعودية في الصدارة بلا منازع
على صعيد التوزيع الجغرافي، واصلت المملكة العربية السعودية ترسيخ موقعها كأكبر سوق جاذب لرأس المال الاستثماري في المنطقة. فقد نجحت 17 شركة ناشئة سعودية في جمع نحو 115 مليون دولار خلال ديسمبر وحده، مستحوذة على قرابة 67% من إجمالي التمويل المُستثمر في المنطقة خلال الشهر.
ويعكس هذا الأداء استمرار الزخم الذي تشهده المنظومة السعودية، مدعومًا بحزمة من العوامل، أبرزها السياسات الحكومية الداعمة لريادة الأعمال، وتوسع برامج التمويل، وازدياد شهية الصناديق المحلية والإقليمية للاستثمار في السوق السعودي باعتباره الأكبر من حيث الفرص وقابلية التوسع.
في المقابل، جاءت مصر في المرتبة الثانية ولكن بفارق ملحوظ، حيث جمعت ست شركات ناشئة تمويلات بقيمة 27.3 مليون دولار فقط، في ختام عام وُصف بأنه من أكثر الأعوام تحديًا على مستوى التمويل، في ظل الضغوط الاقتصادية وتقلبات سعر الصرف، والتي أثرت بشكل مباشر على قرارات المستثمرين وحجم الجولات الاستثمارية.
أما الإمارات العربية المتحدة، فحلّت في المركز الثالث، مع 21.4 مليون دولار جُمعت عبر 15 صفقة، ما يعكس استمرار النشاط الاستثماري من حيث عدد الجولات، وإن كان بمتوسطات تذاكر أقل، في دلالة على توجه المستثمرين نحو صفقات أصغر حجمًا وأكثر تحفظًا.
وخارج هذه الأسواق الثلاثة الكبرى، بقي تدفق رأس المال محدودًا للغاية. إذ لم تتجاوز الاستثمارات في كل من الجزائر والمغرب والكويت والبحرين مجتمعة 7.5 ملايين دولار، وهو رقم يسلّط الضوء على التحديات التي تواجه الأنظمة البيئية الأصغر في جذب التمويل، لا سيما في فترات التباطؤ والحيطة الاستثمارية.
تراجع «الفينتك» وصعود الأمن السيبراني
قطاعيًا، حمل ديسمبر مفاجآت لافتة. إذ واصل قطاع التكنولوجيا المالية (Fintech) مسار التراجع الذي بدأ منذ عدة أشهر، ليخرج من قائمة القطاعات الخمسة الأعلى تمويلًا، محتلاً المرتبة السابعة بإجمالي 3.9 ملايين دولار فقط عبر ست صفقات. ويعكس هذا التراجع تشبعًا نسبيًا في السوق، إلى جانب تشدد المستثمرين تجاه نماذج الأعمال المالية التي تتطلب رؤوس أموال كبيرة ومسارات تنظيمية معقدة.
في المقابل، تصدّر قطاع الأمن السيبراني المشهد الاستثماري خلال الشهر، مع استثمارات بلغت 63.4 مليون دولار ضُخت في أربع شركات فقط، في تأكيد على الأهمية المتزايدة لهذا القطاع في ظل تصاعد التهديدات الرقمية واعتماد الشركات والحكومات المتنامي على الحلول التكنولوجية.
وجاء قطاع البرمجيات كخدمة (SaaS) في المرتبة الثانية، حيث نجحت 10 شركات في جمع 47.9 مليون دولار، مستفيدًا من تفضيل المستثمرين لنماذج الأعمال القابلة للتوسع، ذات الإيرادات المتكررة والهوامش الجيدة.
أما قطاع التقنيات العميقة (Deeptech)، فحل ثالثًا، مع 23 مليون دولار عبر صفقتين فقط، ما يعكس شهية واضحة للاستثمار في التقنيات المتقدمة والمتخصصة، التي تتمتع بحواجز دخول عالية وقدرة أكبر على الصمود في وجه المنافسة، رغم طول دورات التطوير وارتفاع المخاطر.

هيمنة المراحل المبكرة… وتركيز رأس المال
من حيث مراحل الاستثمار، بدا ديسمبر شهرًا بامتياز للشركات الناشئة في مراحلها المبكرة. فقد جمعت 35 شركة في مراحل التأسيس والبذرة وما قبل السلسلة A نحو 35.9 مليون دولار، وهو ما يشير إلى استمرار اهتمام المستثمرين باكتشاف الفرص الجديدة وبناء محافظ مستقبلية، وإن كان ذلك بمبالغ محدودة.
في المقابل، استحوذت ثلاث شركات فقط في مراحل متأخرة على نحو 66.5 مليون دولار، في تأكيد على أن عددًا محدودًا من الجولات الكبيرة لا يزال قادرًا على التأثير بشكل حاسم في إجمالي أرقام التمويل الشهرية.
كما أفادت البيانات بأن ست شركات ناشئة لم تفصح عن مرحلة تمويلها، وهو ما يعكس استمرار نقص الشفافية في بعض الصفقات، خاصة تلك التي تتم بعيدًا عن الأضواء الإعلامية.
B2B يفرض منطقه
على مستوى نماذج الأعمال، واصل نموذج الشركات الموجهة للأعمال (B2B) هيمنته الواضحة على مشهد الاستثمار. فقد جمعت 33 شركة تعمل بهذا النموذج تمويلات بلغت 154.7 مليون دولار، ما يعكس تفضيل المستثمرين للشركات التي تخدم المؤسسات، وتتمتع بعقود طويلة الأجل وتدفقات نقدية أكثر استقرارًا.
في المقابل، لم تحظَ الشركات الموجهة للمستهلك (B2C) سوى بنصيب محدود، إذ جمعت خمس شركات فقط 6.3 ملايين دولار، في مؤشر على حذر المستثمرين من نماذج الاستهلاك المباشر، التي غالبًا ما تتطلب إنفاقًا تسويقيًا مرتفعًا لتحقيق النمو.
أما الشركات التي تجمع بين نموذجي B2B وB2C، فقد توزّع عليها ما تبقى من التمويل، في محاولة للاستفادة من مزايا النموذجين معًا.
فجوة جندرية مستمرة
وعلى الرغم من النقاشات المتزايدة حول أهمية الشمول والتنوع، لم يشهد ديسمبر أي تحسن يُذكر في فجوة التمويل الجندرية. فقد جمعت الشركات التي تقودها مؤسِّسات نساء 116 ألف دولار فقط عبر صفقتين، بينما حصلت الشركات التي تضم فرقًا مختلطة من المؤسسين والمؤسِّسات على نحو 5 ملايين دولار عبر أربع جولات.
في المقابل، ظل النصيب الأكبر من رأس المال متجهًا إلى الشركات التي يقودها مؤسسون رجال، ليُختتم عام 2025 من دون مؤشرات حقيقية على تقدم ملموس في دعم رائدات الأعمال داخل منظومة رأس المال الجريء في المنطقة.

صورة عام 2025… وانتظار الصورة الكاملة
تعكس أرقام ديسمبر السمات الأبرز لعام 2025 بأكمله: تمويل أكثر تركيزًا وانتقائية، توزيع أقل توازنًا بين الدول والقطاعات، وتفضيل واضح لأسواق بعينها، ونماذج أعمال محددة، وقطاعات ذات طابع دفاعي أو تقني متقدم.
ورغم أهمية التقلبات الشهرية في قراءة المزاج الاستثماري، فإن الفهم الأعمق لتحولات سلوك المستثمرين لن يكتمل إلا من خلال النظر إلى الصورة السنوية الشاملة، التي تضع هذه الأرقام في سياقها الزمني والاقتصادي الأوسع.
وفي هذا الإطار، يترقب مجتمع ريادة الأعمال والمستثمرون على حد سواء صدور التقرير السنوي للاستثمار من «ومضة» خلال الفترة المقبلة، والذي من المنتظر أن يقدم قراءة معمقة لاتجاهات تمويل الشركات الناشئة في عام 2025، بما يشمل تدفقات رأس المال حسب الدولة والقطاع والمرحلة ونموذج الأعمال والنوع الاجتماعي، فضلًا عن التحولات الهيكلية التي تعيد رسم ملامح مشهد الاستثمار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.




