الرياض تحتضن منتدى قياديًا للذكاء الاصطناعي لتعزيز مسار التحول الرقمي بقيادة Incorpify AI وPlug and Play في المملكة

في مشهد يعكس التحول المتسارع الذي تشهده المملكة العربية السعودية في مجال التقنيات المتقدمة، استضافت العاصمة الرياض منتدى تنفيذيًا رفيع المستوى ناقش سبل الانتقال بالذكاء الاصطناعي من مرحلة التجارب المحدودة إلى التطبيق المؤسسي واسع النطاق. وجاء الحدث بتنظيم من شركة Incorpify AI وبالشراكة مع Plug and Play Saudi Arabia، ليجمع نخبة من مبتكري الذكاء الاصطناعي العالميين، وقادة المؤسسات، والمستثمرين، وممثلي الجهات الحكومية، في حوار استراتيجي حول مستقبل الحوكمة الرقمية، والامتثال التنظيمي، وتوسيع نطاق الأنظمة الذكية داخل بيئات عمل عالية التنظيم وسريعة التطور.
الرياض.. من مستهلك للتقنية إلى صانع للمنظومات الذكية
لم يعد الحديث في المملكة يدور حول ما إذا كانت المؤسسات ستتبنى الذكاء الاصطناعي، بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن نشره بمسؤولية وعلى نطاق واسع وبأعلى درجات الكفاءة والحوكمة؟ هذا التحول في زاوية النقاش يعكس نضجًا ملحوظًا في الرؤية الوطنية تجاه التكنولوجيا، ويؤكد أن المملكة تجاوزت مرحلة الاستكشاف إلى مرحلة البناء المؤسسي المستدام.
وقد أُقيم المنتدى في The Garage – Majlis، أحد أبرز مراكز الابتكار في الرياض، وهو اختيار يعكس رمزية المكان كحاضنة للأفكار المستقبلية والمشروعات التقنية الطموحة. وجاءت أجواء اللقاء مغلقة ومخصصة للقيادات التنفيذية، ما أتاح مساحة لنقاشات معمقة حول تحديات التطبيق العملي، بعيدًا عن الطرح النظري أو التسويق التقني التقليدي.

قيادة تنفيذية ورؤية تشغيلية
قاد المنتدى كل من لوكا روبينو، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة Incorpify AI، وكاي شيلداور، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي للعمليات، حيث ركزا على ضرورة سد الفجوة بين الابتكار النظري والتشغيل الفعلي داخل المؤسسات.
وفي كلمته خلال المنتدى، قال لوكا روبينو:
«تُظهر المملكة العربية السعودية كيف يمكن للطموح والتنفيذ أن يسيرا جنبًا إلى جنب. تعكس المناقشات اليوم سوقًا لم يعد يتساءل عمّا إذا كان سيتبنى الذكاء الاصطناعي، بل عن كيفية نشره بمسؤولية وعلى نطاق واسع؛ وهنا تحديدًا تتموضع Incorpify AI، حيث نربط الابتكار بالواقع التشغيلي».
وتعكس هذه التصريحات توجهًا واضحًا نحو ترسيخ مفهوم “الذكاء الاصطناعي المسؤول”، الذي لا يقتصر على بناء خوارزميات متقدمة، بل يشمل كذلك وضع أطر حوكمة دقيقة، وضمان الامتثال التنظيمي، وتكامل الأنظمة عبر مختلف القطاعات.
من التجربة إلى التمكين المؤسسي
أحد أبرز محاور المنتدى كان التركيز على الانتقال من مرحلة التجارب التجريبية (Proof of Concept) إلى مرحلة التطبيق المؤسسي المتكامل. ففي كثير من الأسواق العالمية، لا تزال مشاريع الذكاء الاصطناعي حبيسة المختبرات أو نطاقات الاستخدام المحدودة، بسبب تحديات تتعلق بالامتثال، أو تعقيدات البنية التحتية، أو مخاوف تتصل بحماية البيانات والخصوصية.
غير أن النقاش في الرياض اتجه نحو حلول عملية لتجاوز هذه العقبات، عبر:
-
تبني منصات ذكية قابلة للتوسع.
-
دمج الحوكمة والامتثال في التصميم الأساسي للأنظمة.
-
تطوير أطر تنظيمية مرنة تواكب الابتكار.
-
تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
وشدد المتحدثون على أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تتحقق إلا عندما يصبح جزءًا من البنية التشغيلية اليومية للمؤسسات، وليس مجرد أداة مساندة أو مشروع تجريبي.
جلسة قيادية متعددة الأطراف
شهدت الجلسة الحوارية الرئيسية مشاركة عدد من القيادات البارزة من جهات حكومية واستثمارية وتقنية، من بينهم:
-
لوكا روبينو، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس، Incorpify AI
-
أفنان أبابطين، مديرة الابتكار وريادة الأعمال، وزارة الاستثمار في المملكة العربية السعودية (MISA)
-
همّام معدّاوي، شريك عام، Khwarizmi Ventures
-
فيصل العيسى، ممثل شركة Technology Control Company (TCC)
وقد تناولت الجلسة عدة محاور استراتيجية، من أبرزها:
1. جاهزية الاستثمار في الذكاء الاصطناعي
أكد المشاركون أن السوق السعودي يشهد نموًا ملحوظًا في شهية المستثمرين تجاه الشركات التقنية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، خصوصًا تلك التي تقدم حلولًا قابلة للتطبيق المؤسسي وقابلة للتوسع إقليميًا.

2. التعاون بين القطاعين العام والخاص
اعتُبر التكامل بين الجهات الحكومية والشركات الناشئة والمؤسسات الكبرى عنصرًا حاسمًا في تسريع تبني التقنيات الذكية. فالحكومة توفر البيئة التنظيمية والبنية التحتية، بينما تقدم الشركات حلولًا مرنة ومبتكرة.
3. مواءمة الأطر التنظيمية
جرى التأكيد على ضرورة تطوير أطر تنظيمية ديناميكية تواكب التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على معايير الشفافية، وحماية البيانات، وضمان العدالة الخوارزمية.
4. البنية التحتية الرقمية
لا يمكن توسيع نطاق الأنظمة الذكية دون بنية تحتية قوية تشمل مراكز بيانات متقدمة، ومنصات حوسبة سحابية، وأطر تكامل بين الأنظمة المختلفة.
Plug and Play.. ربط الابتكار العالمي بالتنفيذ المحلي
من جانبه، قال عبدالله العقيّل، المدير العام لـ Plug and Play Saudi Arabia:
«تتطور منظومة الذكاء الاصطناعي في المملكة بسرعة كبيرة، مدفوعة بالتعاون بين الحكومة والشركات وبناة التكنولوجيا. وتُعد فعاليات كهذه محورية لربط الابتكار العالمي بالتنفيذ المحلي وضمان تحقيق الذكاء الاصطناعي لأثر ملموس عبر مختلف القطاعات».
وتُعد Plug and Play واحدة من أبرز منصات الابتكار العالمية التي تعمل على ربط الشركات الناشئة بالمؤسسات والمستثمرين، ما يمنح الحدث بعدًا دوليًا يتجاوز الإطار المحلي، ويعزز من مكانة الرياض كمحور جذب للتقنيات العالمية.
الحوكمة والامتثال.. من خيار إلى ضرورة
ركزت النقاشات على أن الحوكمة لم تعد عنصرًا ثانويًا في مشاريع الذكاء الاصطناعي، بل أصبحت شرطًا أساسيًا لنجاحها واستدامتها. فمع تزايد اعتماد المؤسسات على الأنظمة الذكية في اتخاذ القرارات، تبرز الحاجة إلى:
-
ضمان شفافية الخوارزميات.
-
توثيق عمليات اتخاذ القرار الآلي.
-
الالتزام بالقوانين المحلية والدولية.
-
إدارة المخاطر المرتبطة بالتحيز أو إساءة الاستخدام.
وفي هذا السياق، تبرز Incorpify AI كمنصة تسعى إلى دمج الامتثال التنظيمي في صميم العمليات، خصوصًا في ما يتعلق بتأسيس الشركات، وإصدار التراخيص، وإدارة العمليات عبر ولايات قضائية متعددة.
رؤية 2030.. الإطار الاستراتيجي الجامع
يتقاطع المنتدى بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تضع التحول الرقمي والاقتصاد القائم على المعرفة في صدارة أولوياتها. فالمملكة تستثمر بشكل مكثف في:
-
تطوير البنية التحتية الرقمية.
-
دعم الشركات الناشئة التقنية.
-
استقطاب الكفاءات العالمية.
-
بناء منظومات ابتكار متكاملة.
ويمثل الذكاء الاصطناعي أحد الأعمدة الرئيسية في هذه الرؤية، سواء في تحسين الخدمات الحكومية، أو تعزيز كفاءة القطاع الخاص، أو خلق فرص عمل نوعية في مجالات متقدمة.
بيئة جاذبة للمبتكرين العالميين
من خلال استضافة هذا المنتدى، تؤكد الرياض أنها لم تعد مجرد سوق مستهدفة للتقنيات العالمية، بل أصبحت منصة لإعادة صياغة كيفية تطوير هذه التقنيات وتطبيقها. فالحدث جمع بين خبرات دولية ورؤى محلية، في نموذج يعكس التحول من الاستيراد التقني إلى الشراكة الاستراتيجية.
كما أن حضور مستثمرين وصناديق رأس مال جريء يشير إلى أن المملكة باتت بيئة جاذبة لرؤوس الأموال الباحثة عن فرص نمو في قطاعات الذكاء الاصطناعي، لا سيما مع وضوح الرؤية التنظيمية والدعم الحكومي.
Incorpify AI.. تبسيط التعقيد التنظيمي
تقدم Incorpify AI نموذجًا لمنصة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تعمل على تبسيط عمليات تأسيس الشركات، وإصدار التراخيص، والامتثال التنظيمي، وإدارة سير العمليات عبر ولايات قضائية متعددة. ويقوم نموذجها على دمج الأتمتة المتقدمة مع الخبرة التنظيمية، ما يتيح للمؤسسات والحكومات التعامل مع البيئات المعقدة بسرعة وشفافية.
ويعكس حضور الشركة في الرياض اهتمامها بالسوق السعودي كأحد أهم الأسواق الصاعدة في مجال التحول الرقمي، خاصة في ظل الإصلاحات التنظيمية المتسارعة التي تشهدها المملكة.
Plug and Play Saudi Arabia.. تسريع المنظومات
أما Plug and Play Saudi Arabia، فهي جزء من شبكة عالمية تربط الشركات الناشئة بالمؤسسات الكبرى والمستثمرين والجهات الحكومية، بهدف تسريع تبني التكنولوجيا عبر قطاعات استراتيجية، تشمل الذكاء الاصطناعي، والتقنيات المالية، والتحول الرقمي.
ويمثل تعاونها مع Incorpify AI نموذجًا لشراكة تجمع بين الخبرة التقنية المتخصصة والمنظومة الابتكارية الواسعة، بما يسهم في خلق تأثير مستدام داخل السوق السعودي.
نحو مرحلة جديدة من النضج التقني
تكشف مخرجات المنتدى أن المملكة تدخل مرحلة جديدة من النضج في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، مرحلة تتسم بـ:
-
التركيز على الأثر الفعلي وليس الشعارات.
-
دمج الامتثال في صميم الابتكار.
-
بناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد.
-
الاستثمار في البنية التحتية البشرية والتقنية معًا.
ولعل الرسالة الأبرز التي خرج بها المشاركون هي أن الذكاء الاصطناعي في المملكة لم يعد مشروعًا مستقبليًا، بل أصبح واقعًا تشغيليًا يتشكل يومًا بعد يوم، بدعم رؤية واضحة، وقيادة تنفيذية حازمة، وشراكات عالمية فاعلة.

الرياض في قلب التحول العالمي
مع تسارع السباق العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي، تسعى الدول إلى تثبيت مواقعها على خريطة الابتكار. ومن خلال هذا المنتدى التنفيذي، تثبت الرياض أنها ليست فقط جزءًا من هذا السباق، بل لاعبًا طموحًا يسعى إلى صياغة معايير جديدة في الحوكمة الرقمية والتطبيق المؤسسي المسؤول.
فبين الطموح الوطني، والاستثمار الاستراتيجي، والانفتاح على الشراكات الدولية، تواصل المملكة ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي، واضعةً الأسس لاقتصاد رقمي متنوع ومستدام يقود المنطقة نحو مستقبل أكثر ذكاءً وابتكارًا.




