أخبار ومقالات

جيل يهرب من الغلاء ويبحث عن الحرية: لماذا يغادر الشباب الأمريكي وطنهم للعمل عن بُعد حول العالم؟

جيل يهرب من الغلاء ويبحث عن الحرية

في السنوات الأخيرة، برزت موجة متصاعدة بين الشباب الأمريكي، تتمثل في ترك الولايات المتحدة والانطلاق إلى دول ذات تكلفة معيشة أقل، مع الاحتفاظ بوظائفهم الأمريكية عن بُعد. هذا النموذج الجديد للحياة يجذب آلاف الشباب الباحثين عن توازن أفضل، وحرية أكبر، وتجربة عالمية مختلفة تمامًا عمّا اعتادوا عليه داخل وطنهم.

في قلب هذا التحوّل تأتي قصة لياه ديرينونكورت، الشابة الأمريكية التي لا يتجاوز عمرها 24 عامًا، والتي تحولت رحلتها من مجرد مغامرة فردية إلى نموذج ملهم لجيل كامل يعيد رسم ملامح المستقبل المهني والشخصي.

رحلة الهروب إلى العالم: بداية الحلم خارج الحدود

وُلدت لياه لأبوين يعملان في مجال الصحة العامة الدولية، ما جعل السفر جزءًا أصيلًا من طفولتها قبل أن تستقر العائلة في ولاية ماريلاند عندما كانت في العاشرة. ومع مرور السنوات، كبر معها شغف الاكتشاف حتى أصبح جزءًا من هويتها. وحين حصلت على بكالوريوس العلاقات العامة من كلية إيمرسون في ديسمبر 2022، لم تتردد لحظة واحدة: جهزت أمتعتها وتوجهت مباشرة إلى المطار.

تروي لياه لمجلة Fortune:
“بعد التخرج كنت بحاجة إلى مساحة أوسع للحياة. قضيت شهرًا في كولومبيا لأنها غير مكلفة، وأنا أحب ثقافتها. كانت المكان المثالي لبدء حياتي المهنية خارج الولايات المتحدة.”

هذا القرار لم يكن هروبًا بقدر ما كان بحثًا عن مكان يسمح بحياة متوازنة بعيدًا عن الضغط الأمريكي المتزايد.

الشباب الأمريكي.. جيل الرحالة الرقمية

بدأت لياه مسيرتها المهنية كمستشارة علاقات عامة حرة لشركة تهتم بجيل زد داخل الولايات المتحدة، ثم انضمت إلى شركة SafetyWing المتخصصة في تأمين العاملين عن بُعد. هذا النوع من العمل منحها حرية الحركة دون التخلي عن هويتها المهنية، فاحتفظت بإقامتها الأمريكية بينما كانت تتنقل بين عدة دول.

عاشت عامًا كاملًا في مدينة ميديلين الكولومبية بتأشيرة “الرحالة الرقمية”، ثم انتقلت لاحقًا إلى سانتياغو في تشيلي حيث استقرت مع شريكها، مستفيدة من انخفاض تكلفة المعيشة وقدرتها على الادخار للدراسات العليا.

تقول:
“أؤمن أن الأشخاص في بداية العشرينات يجب أن يسافروا. وأحيانًا الطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك هي العمل والسفر في الوقت نفسه، لكن يجب أن تكون واعيًا بما تفعل وأين تذهب.”

ورغم طبيعة عملها المرتبطة بالشركات الأمريكية، وجدت لياه في الحياة خارج الولايات المتحدة توازنًا افتقدته طويلًا. تضيف:
“في أمريكا، نعيش لنشتغل. هنا أعمل، ثم أخرج إلى الحدائق مع أصدقائي. الناس هنا يعيشون حياتهم فعلًا.”


عن-يلا-ستارت-اب
في السنوات الأخيرة، برزت موجة متصاعدة بين الشباب الأمريكي، تتمثل في ترك الولايات المتحدة والانطلاق إلى دول ذات تكلفة معيشة أقل، مع الاحتفاظ بوظائفهم الأمريكية عن بُعد. هذا النموذج الجديد للحياة يجذب آلاف الشباب الباحثين عن توازن أفضل، وحرية أكبر، وتجربة عالمية مختلفة تمامًا عمّا اعتادوا عليه داخل وطنهم.

ثقافة اجتماعية مختلفة… وأعمق

تتميز المجتمعات في أمريكا الجنوبية – بحسب وصف لياه – بحيوية اجتماعية لا تشبه الإيقاع السريع في الولايات المتحدة. فالناس يلتقون في الأماكن العامة، يجلسون في الحدائق، ويتواصلون بطرق بسيطة لكنها إنسانية.

وعلى عكس العديد من الرحالة الرقميين الذين يتنقلون من دولة لأخرى كل بضعة أسابيع، تفضّل لياه الاستقرار وبناء علاقات طويلة الأمد مع المجتمع المحلي.

تقول:
“بعض الرحالة الرقميين يرون الدول كملعبهم الخاص، يركّزون فقط على أن الدولار الأمريكي يمنحهم قوة شرائية أكبر. لكنني أحاول أن أكون جزءًا من المجتمع، أتواصل مع الناس، وأشعر بأنني أنتمي للمكان.”

ورغم شعورها أحيانًا بالذنب لأن دخلهـا أعلى من دخل السكان المحليين، فإنها ترى نفسها في النهاية شابة تتعامل باحترام وتشارك الناس الحياة اليومية دون استغلال.

لماذا ينتقل الشباب الأمريكي للخارج؟… الإجابة في الأرقام

أهم دافع خلف مغادرة الولايات المتحدة هو التكلفة المعيشية المرتفعة. ففي كولومبيا مثلًا، كانت لياه تدفع 650 دولارًا فقط مقابل شقة استوديو، بينما يتجاوز إيجار شقة مشابهة في واشنطن العاصمة 1,836 دولارًا.

وفي تشيلي، أصبحت قادرة على الادخار لما يزيد عن 1,200 دولار شهريًا استعدادًا لدراستها للماجستير في أوروبا، وهو هدف لم يكن يمكن تحقيقه إذا بقيت داخل الولايات المتحدة.

توضح:
“كنت أدخر منذ عامين، وبكل صراحة، في أمريكا لن أستطيع دفع حتى جزء بسيط من تكلفة الدراسة العليا.”

كما أنها خصصت صندوقًا للطوارئ بقيمة 100 دولار شهريًا، تحسبًا لأي ظرف يستدعي عودتها السريعة للولايات المتحدة، وهو ترف لم يكن متاحًا لها قبل انتقالها.

ليس مجرد مغامرة… بل رؤية لمستقبل مختلف

ترى لياه أن العمل في الخارج ليس مرحلة مؤقتة كما يعتقد البعض، بل خطوة نحو مستقبل أكثر حرية ونضجًا. فالتنقل بين الدول والعمل عن بُعد منحها مساحة اكتشاف ذاتي ومرونة مهنية يصعب الحصول عليها في دول ذات نمط حياة سريع وضاغط كالولايات المتحدة.

تجربتها — كبقية تجارب جيل كامل — تكشف عن تحوّل جذري في قيمة العمل والعيش لدى الشباب الأمريكي:
لم تعد فكرة “الاستقرار التقليدي” مغرية، بل أصبحت الحرية، السفر، والتوازن النفسي هي القيم الجديدة التي تشكل حياة هذا الجيل.

قصة لياه ليست مجرد رواية شخصية، بل مثال واضح على توجّه عالمي متزايد. جيل جديد يعيد تعريف معنى النجاح، ويرفض أن يكون أسيرًا لضغوط اقتصادية واجتماعية لا تمنحه حياة تستحق العيش.
إنه جيل يسعى إلى مستقبل يصنعه بنفسه، بعيدًا عن الحدود الجغرافية والتقاليد الجامدة… مستقبل يكتب فصوله بين مدن العالم، ومع حقائب لا تتوقف عن الحركة.

عن-يلا-ستارت-اب

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى