شناز همتي، مؤسِسة «ZenBusiness»: مهارتان جوهريتان تصنعان «رائد أعمال لا يُهزم» في عالم الشركات الناشئة
مؤسِسة «ZenBusiness» تكشف عن مهارتين تصنعان «رائد أعمال لا يُهزم»
في عالم تتسارع فيه وتيرة التغيير، وتتشابك فيه الفرص مع المخاطر، تبرز مهارات رائد الأعمال باعتبارها العامل الفاصل بين مشروع يرى النور وآخر يتلاشى قبل أن يكتمل. فريادة الأعمال لم تعد مجرد فكرة مبتكرة أو منتج مختلف، بل أصبحت رحلة شاقة تتطلب مزيجًا معقدًا من الصفات الشخصية والقدرات السلوكية، التي لا تقل أهمية عن رأس المال أو التكنولوجيا.
وفي هذا السياق، تؤكد شناز همتي، رائدة الأعمال الأمريكية ذات الخبرة الطويلة، أن النجاح في هذا العالم المتقلب لا يتحقق بالحظ أو الذكاء وحدهما، بل يعتمد أساسًا على امتلاك مهارات جوهرية قادرة على الصمود أمام الضغوط والتغيرات المستمرة. همتي، التي شاركت في تأسيس شركتين ناشئتين تجاوزت قيمتهما السوقية مليارات الدولارات، ترى أن كثيرًا من المشاريع الواعدة تفشل ليس بسبب ضعف الفكرة، وإنما بسبب غياب المهارات الحاسمة لدى المؤسسين.
وتشير إلى أن رواد الأعمال غالبًا ما ينشغلون بالتمويل، أو التقنية، أو التوسع السريع، بينما يتجاهلون بناء أنفسهم ذهنيًا ونفسيًا لمواجهة ما ينتظرهم من تحديات. وتوضح أن الواقع العملي يثبت أن المهارات الشخصية والسلوكية هي التي تحدد من يستمر ومن ينسحب عند أول اختبار حقيقي.
ومن هذا المنطلق، تسلط شناز همتي الضوء على مهارتين تعتبرهما حجر الأساس لأي مشروع ناشئ يسعى إلى الاستدامة والنجاح طويل الأمد: المثابرة، والقدرة على التكيف. مهارتان تبدوان بسيطتين في الظاهر، لكنهما في الواقع تمثلان جوهر شخصية رائد الأعمال القادر على النجاة وسط عاصفة التغيرات.
المثابرة.. الوقود الخفي لرحلة ريادة الأعمال
تأتي المثابرة في صدارة مهارات رائد الأعمال التي لا غنى عنها. فبحسب شناز همتي، لا يوجد مشروع يخلو من العقبات أو النكسات، مهما بدت فكرته قوية أو سوقه واعدًا. الطريق إلى النجاح، كما تصفه، نادرًا ما يكون مستقيمًا؛ بل هو مسار متعرج مليء بالتحديات التي تختبر صبر المؤسس وإيمانه برؤيته.
وتوضح همتي أن المثابرة لا تعني العناد أو الاستمرار الأعمى، بل تعني القدرة على الوقوف مجددًا بعد كل سقوط، والاستمرار في المحاولة رغم الإخفاقات المتكررة. وتقول: «أول خطوة يجب أن يدركها أي رائد أعمال هي أن بناء مشروع ناجح ليس أمرًا سهلًا أو سريعًا. إنه يتطلب عملًا دؤوبًا، وتعلمًا مستمرًا، واستعدادًا نفسيًا لمواجهة الفشل».
وترى أن كثيرين ينسحبون في المراحل الأولى لأنهم لم يكونوا مهيئين لحجم الضغوط، أو لأنهم تصوروا أن النجاح سيكون أسرع وأسهل مما هو عليه في الواقع. وهنا تكمن خطورة التوقعات غير الواقعية، التي قد تقتل الحلم في مهده.
وتتفق تجارب كبار قادة الأعمال مع هذا الطرح؛ إذ يشير عدد كبير من رواد الأعمال العالميين إلى أن المثابرة كانت العامل الأهم في مسيرتهم. ويبرز في هذا السياق تصريح جنسن هوانغ، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة Nvidia، الذي أكد أن قدرة فريقه على تجاوز الصعوبات والتحديات في المراحل الأولى كانت المفتاح الحقيقي لبناء واحدة من أقوى شركات التكنولوجيا في العالم.

الشخصية قبل الذكاء.. دروس من تجارب عالمية
وفي حديثه أمام طلاب جامعة ستانفورد في مايو 2024، لخّص هوانغ فلسفته في النجاح بقوله: «العظمة ليست نتاج الذكاء، بل نتاج الشخصية. والشخصية لا تتشكل في أوقات الراحة، بل في لحظات المعاناة». هذه المقولة تعكس بوضوح جوهر مهارات رائد الأعمال، حيث لا يكفي امتلاك عقل لامع أو فكرة مبتكرة دون قدرة حقيقية على التحمل والصمود.
من جانبهم، يؤكد علماء النفس أن المثابرة، وما يرتبط بها من مرونة نفسية، تُعد من أهم العوامل المؤثرة في النجاح المهني والشخصي. فالأشخاص الذين يطورون هذه المهارة يكونون أقل عرضة للاستسلام، وأكثر قدرة على التعلم من الفشل، وتحويل الإخفاق إلى نقطة انطلاق جديدة.
وفي هذا الإطار، تنصح شناز همتي رواد الأعمال بعدم النظر إلى الفشل بوصفه نهاية الطريق، بل باعتباره محطة تعليمية لا غنى عنها. وتؤكد أن كل تعثر يحمل في طياته درسًا ثمينًا، إذا ما أُحسن التعامل معه. وتقترح على المؤسسين طرح أسئلة محددة بعد كل إخفاق، مثل: ما الذي حدث؟ وأين كان الخطأ؟ وما الذي يمكن تغييره في المرة القادمة؟
وترى أن هذه العقلية التحليلية ليست مجرد أداة لتحسين الأداء، بل هي جزء أساسي من هوية رائد الأعمال الناجح، الذي لا يخشى الاعتراف بالأخطاء، بل يسعى إلى فهمها وتجاوزها.
القدرة على التكيف.. مهارة النجاة في عالم متغير
إلى جانب المثابرة، تبرز القدرة على التكيف بوصفها المهارة الثانية التي لا تقل أهمية ضمن مهارات رائد الأعمال. ففي عالم تتغير فيه الأسواق، وتتبدل فيه سلوكيات المستهلكين، وتظهر فيه تقنيات جديدة باستمرار، يصبح التمسك بخطة غير ناجحة خطرًا حقيقيًا قد يهدد بقاء المشروع.
وتوضح شناز همتي أن بعض رواد الأعمال يقعون في فخ التعلق المفرط بأفكارهم الأولية، حتى عندما تشير المؤشرات بوضوح إلى ضرورة التغيير. وتقول: «النجاح لا يعني التمسك بالخطة مهما كلف الأمر، بل يعني الاستعداد لتغيير المسار عندما يتضح أن الطريق الحالي لن يقود إلى الهدف».
وترى أن القدرة على التكيف تتطلب شجاعة، ومرونة ذهنية، واستعدادًا لتجربة مسارات جديدة بسرعة. وتضيف: «يجب أن يكون رائد الأعمال قادرًا على التغيير، أو على الأقل راغبًا فيه، إذا لم ينجح شيء ما. الأهم من ذلك هو أن يتحرك بسرعة، ويجرب حلولًا مختلفة دون خوف مفرط من الفشل».
من التجربة إلى النجاح.. نماذج حية على التكيف
وتستشهد همتي بتجربتها الشخصية في تأسيس شركة ZenBusiness عام 2017، وهي منصة تعتمد على برمجيات الذكاء الاصطناعي لمساعدة رواد الأعمال على فهم الإجراءات التنظيمية وتأسيس شركاتهم بسهولة. ورغم التحديات التي واجهتها الشركة في بداياتها، فإن القدرة على التكيف مع متطلبات السوق والتغيرات التنظيمية كانت عاملًا حاسمًا في نموها، حتى بلغت قيمتها السوقية نحو 1.7 مليار دولار في نوفمبر 2021.
كما تشير إلى خبرتها السابقة مع شريكها المؤسس روس بوردورف في منصة HomeAway، التي شغلت خلالها مناصب تنفيذية قبل أن تستحوذ عليها شركة Expedia مقابل 3.9 مليار دولار عام 2015. وتؤكد أن التكيف المستمر مع متغيرات السوق، والاستجابة السريعة لاحتياجات المستخدمين، كانا عنصرين أساسيين في نجاح هذه التجربة.
خط فاصل بين الرؤية والعناد
وتوضح شناز همتي أن هناك فرقًا دقيقًا لكنه جوهري بين امتلاك رؤية واضحة، وبين الوقوع في فخ العناد. فالرؤية تعني معرفة الهدف النهائي، بينما العناد يعني رفض تغيير الوسيلة حتى لو ثبت فشلها.
وتقول: «هناك فرق كبير بين مؤسسين لديهم تصور محدد لكيفية إنجاز الأمور، وبين مؤسسين منفتحين حقًا على الخيارات المختلفة، ومستعدين لإعادة التفكير في قراراتهم». وترى أن هذا الفارق في طريقة التفكير قد يكون هو العامل الحاسم بين شركة تنجح وأخرى تنهار.
ويتفق مع هذا الطرح رائد الأعمال والمؤلف جيمس شيرمان، الذي أكد في حديثه مع CNBC Make It في نوفمبر 2023 أن استيعاب الملاحظات البناءة، وإجراء الأبحاث، ثم اتخاذ قرارات التغيير في الوقت المناسب، هو عنصر جوهري لنجاح أي مشروع. وقال: «التغييرات الجذرية ليست علامة فشل، بل جزء لا يتجزأ من رحلة رائد الأعمال».

دروس من الأزمات.. حين يصبح التكيف مسألة بقاء
وتقدم الأزمات الكبرى، مثل جائحة كوفيد-19 التي بدأت عام 2020، مثالًا واضحًا على أهمية القدرة على التكيف. فقد اضطرت آلاف الشركات حول العالم إلى تغيير نماذج أعمالها، أو إعادة هيكلة استراتيجياتها بالكامل، من أجل البقاء في السوق.
وتشير شناز همتي إلى أن تلك المرحلة كشفت بوضوح أن الشركات التي تحركت بسرعة، وقرأت المشهد بواقعية، كانت الأقدر على الصمود، بينما عانت الشركات المترددة من خسائر فادحة. وتقول: «من الطبيعي أن تمر أي شركة بفترات ازدهار وركود، لكن القادة الناجحين هم من يدركون مبكرًا وجود خلل، ويبدأون في طرح السؤال الأهم: ما الذي يجب تغييره الآن؟».
وتؤكد أن عنصر الوقت يلعب دورًا محوريًا في هذه القرارات، حيث قد يكون القرار الصحيح المتأخر أقل فاعلية من قرار أقل مثالية لكنه في الوقت المناسب.

القرار في الوقت المناسب
وفي ختام رؤيتها، تشدد شناز همتي على ضرورة التخلي عن السعي للكمال قبل التحرك. وترى أن الانتظار الطويل بحثًا عن الحل المثالي قد يؤدي إلى ضياع الفرص. وتقول: «إذا كنت تفكر في فكرة ما، فمن المرجح أن هناك آخرين يفكرون فيها أيضًا. لذلك كلما أسرعت في اختبار حلك وطرحه في السوق، زادت فرصك في النجاح».
وتلخص همتي فلسفتها بأن مهارات رائد الأعمال الحقيقية لا تكمن في جمع التمويل أو بناء العروض التقديمية فقط، بل في امتلاك مثابرة واعية لا تستسلم عند أول عثرة، وقدرة ذكية على التكيف مع المتغيرات، وجرأة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة.
وبين المثابرة التي تمنح الرحلة وقودها، والتكيف الذي يحدد مسارها، تتشكل شخصية رائد الأعمال القادر على تحويل الفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى قصة نجاح مستدامة في عالم لا يعترف إلا بالأكثر استعدادًا.




