الفيدرالي الأمريكي يواصل سياسة التيسير: خفض ثالث للفائدة في 2025 amid Economic Slowdown

في خطوة جديدة تعكس تحوّلًا واضحًا في نهج السياسة النقدية الأمريكية، أعلن الاحتياطي الفيدرالي، اليوم الأربعاء، خفض سعر الفائدة الرئيسي ليصبح في نطاق يتراوح بين 3.5% و3.75%، في ثالث تقليص للفائدة خلال عام 2025. ويأتي هذا القرار وسط تباطؤ ملحوظ في وتيرة النمو الاقتصادي وارتفاع المخاطر المحيطة بسوق العمل، في وقت تحتاج فيه عدة قطاعات داخل الاقتصاد الأمريكي إلى مزيد من الزخم والدعم.
يمثل هذا الخفض استكمالًا لاستراتيجية تيسيرية متدرجة يتبعها الفيدرالي منذ نهاية الصيف الماضي، بهدف تعزيز النشاط الاقتصادي دون التسبب في خلل محتمل في الاستقرار المالي. وترى المؤسسة النقدية الأمريكية أن هذا المسار بات ضروريًا في ظل الضغوط المتزايدة على سوق العمل وارتفاع مؤشرات أسعار المستهلكين بوتيرة تستدعي مراقبة دقيقة.
تراجع تدريجي في الفائدة خلال 2025
شهد العام 2025 سلسلة من قرارات خفض الفائدة، بدأت أولًا في اجتماعي 16 و17 سبتمبر عندما خفّض الاحتياطي الفيدرالي الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس لتصبح ضمن نطاق 4% – 4.25%. ثم تبعه اجتماع 28 و29 أكتوبر بقرار مماثل أدى إلى تقليص النطاق إلى 3.75% – 4%. وجاء قرار اليوم ليضع سعر الفائدة عند 3.5% – 3.75%، في خطوة ثالثة تؤكد الاتجاه الواضح نحو التخفيف التدريجي من سياسة التشديد التي كانت سائدة بهدف كبح التضخم المرتفع.
يرى محللون أن هذه السلسلة من القرارات ليست مجرد استجابة ظرفية، بل جزء من رؤية متكاملة يستهدف من خلالها الفيدرالي إعادة التوازن بين مكافحة التضخم من جهة، والحفاظ على زخم التوظيف والنشاط الاقتصادي من جهة أخرى. فالتشديد النقدي الطويل الذي تبنّاه الفيدرالي خلال العامين السابقين نجح في تهدئة التضخم، لكنه بدأ يترك أثرًا واضحًا على سوق العمل.

دوافع القرار: تباطؤ في النمو ومخاطر على التوظيف
تشير البيانات الصادرة عن البنك المركزي الأمريكي إلى أن النشاط الاقتصادي لا يزال يتوسع بشكل معتدل، إلا أن مكاسب التوظيف تباطأت بصورة لافتة خلال العام. كما ارتفع معدل البطالة قليلًا ليصل إلى 4.4% في سبتمبر 2025 مقارنة بـ4.3% في أغسطس، وهو أعلى مستوى منذ أواخر عام 2021.
وبلغ عدد العاطلين عن العمل نحو 7.6 مليون شخص، في وقت أظهر فيه سوق العمل علامات ضعف لكنه لم يدخل بعد في حالة انكماش حاد. ومن هذا المنطلق، يسعى الفيدرالي لتوفير بيئة أقل تشددًا تضمن إبقاء سوق العمل مستقرًا وتجنب سيناريوهات الركود التي قد تنجم عن استمرار رفع الفائدة أو تثبيتها عند مستويات مرتفعة لفترات طويلة.
ويرى خبراء الاقتصاد أن هذا التوجّه يعكس حرصًا بالغًا من جانب الاحتياطي الفيدرالي على تجنّب “المبالغة في التشديد”، مع تفادي تراجع مستويات التوظيف بشكل قد يترك آثارًا طويلة المدى على الاقتصاد.
التضخم… ضغوط مستمرة ومسار تهدئة بطيء
وفيما يتعلق بمؤشرات الأسعار، سجل معدل التضخم العام في الولايات المتحدة 3.0% في سبتمبر، مرتفعًا قليلًا عن مستوى 2.9% في أغسطس. أما التضخم الأساسي—الذي يستبعد السلع الأكثر تقلبًا مثل الغذاء والطاقة—فلا يزال مستقرًا عند مستويات قرب 3%، وهو معدل أعلى من هدف الفيدرالي البالغ 2%.
هذا الارتفاع النسبي في التضخم لا يزال تحت السيطرة لكنه يفرض على صناع السياسة النقدية مراقبة دقيقة. ويظهر مؤشر الإنفاق الاستهلاكي الشخصي (PCE)، وهو المقياس المفضل لدى الفيدرالي، تضخمًا سنويًا يقترب من 3%. في المقابل، تباطأ التضخم الأساسي للمؤشر إلى 2.8% في سبتمبر مقارنة بـ2.9% في أغسطس، ما يعكس مسارًا بطيئًا لتهدئة الضغوط السعرية.
تؤكد هذه المؤشرات أن معركة السيطرة على التضخم لم تنتهِ بعد، وأن الفيدرالي لا يزال يعمل على موازنة دقيقة بين دعم النمو ومنع ارتفاع الأسعار بشكل يخرج عن السيطرة.

أثر الخفض… دعم للاستهلاك والاستثمار
بحسب تقديرات الاقتصاديين، من المتوقع أن تسهم هذه التحركات التيسيرية في تعزيز مستويات الإنفاق الاستهلاكي خلال الفترة المقبلة، بالإضافة إلى إنعاش قطاعات الاستثمار التي تأثرت بارتفاع تكاليف الاقتراض خلال العامين الماضيين. كما قد ينعكس خفض الفائدة إيجابًا على الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعاني من ضغوط مالية، ما قد يسهم في الحفاظ على وتيرة نمو معتدلة رغم التحديات.
يرى محللون أن قرار اليوم يمثل رسالة واضحة للأسواق بأن الفيدرالي مستعد للتحرك عند الحاجة لتجنب أي تباطؤ اقتصادي حاد. لكنه، في الوقت نفسه، لا يبدي استعدادًا للاندفاع نحو سلسلة خفض كبيرة قد تعيد التضخم إلى الارتفاع من جديد.

نحو سياسة نقدية أكثر مرونة
في المجمل، يعكس خفض الفائدة الثالث خلال 2025 مقاربة متوازنة بين مخاطر التضخم واحتمالات التباطؤ الاقتصادي. فمن جهة، يواصل الفيدرالي الضغط لخفض التضخم إلى مستوى 2% المستهدف، ومن جهة أخرى يعمل على حماية سوق العمل وضمان استمرار النشاط الاقتصادي ضمن مساره المعتدل.
ومع استمرار صدور البيانات الاقتصادية خلال الأشهر المقبلة، تبقى توقعات الأسواق مرهونة بمدى تحسن مؤشرات التوظيف واستقرار أسعار المستهلكين. لكن ما يبدو واضحًا حتى الآن هو أن الفيدرالي اختار طريق “التيسير الحذر”، في مسار قد يستمر حتى نهاية العام إذا استمرت التحديات الراهنة دون تحسن جوهري.




