يلا تيك

هواوي تكسر القيود التقنية: «Mate 80» بشريحة «Kirin 9030» المصنّعة بتقنية «N+3» الصينية

في عالم باتت فيه الرقائق الإلكترونية سلاحًا إستراتيجيًا لا يقل أهمية عن الطاقة أو الغذاء، عادت شركة Huawei Technologies إلى واجهة المشهد العالمي، معلنة – بصورة غير مباشرة – تحديًا جديدًا لمنظومة القيود والعقوبات الغربية، عبر إطلاق هاتفها الرائد Mate 80 المدعوم بشريحة Kirin 9030 المصنّعة محليًا داخل الصين باستخدام تقنية N+3 من شركة SMIC.

هذا التطور، الذي كشفته شركة TechInsights الكندية المتخصصة في تحليل صناعة أشباه الموصلات، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تحديث تقني لهاتف ذكي، بل بوصفه حلقة جديدة في صراع عالمي معقّد، تتقاطع فيه السياسة بالاقتصاد، والتكنولوجيا بالسيادة الوطنية، وسلاسل التوريد بالهيمنة الجيوسياسية.


من هاتف ذكي إلى قضية سيادية

منذ إدراجها على القائمة السوداء الأميركية في عام 2019، تحولت هواوي من عملاق اتصالات ينافس على الريادة العالمية، إلى رمز للصمود التكنولوجي الصيني. ومع كل جيل جديد من هواتفها، لم يعد السؤال يدور فقط حول جودة الكاميرا أو قوة الأداء، بل حول:
كيف استطاعت الشركة الاستمرار؟
ومن أين جاءت بالرقائق؟
وإلى أي مدى نجحت الصين في فك الارتباط التكنولوجي مع الغرب؟

هاتف Mate 80، بشريحته الجديدة Kirin 9030، يقدم إجابة جزئية ولكنها شديدة الدلالة على هذه الأسئلة.

هواوي تكسر القيود التقنية: «Mate 80» بشريحة «Kirin 9030» المصنّعة بتقنية «N+3» الصينية
هواوي تكسر القيود التقنية: «Mate 80» بشريحة «Kirin 9030» المصنّعة بتقنية «N+3» الصينية

Kirin 9030… ماذا نعرف عن الشريحة الجديدة؟

بحسب تقرير TechInsights الصادر في 8 ديسمبر، فإن شريحة Kirin 9030 جرى تصنيعها عبر شركة SMIC – أكبر مُصنّع رقائق في الصين – باستخدام عملية تصنيع تُعرف باسم N+3، وهي تطوير محسّن لعقدة N+2 المعتمدة أساسًا على تقنية 7 نانومتر.

ورغم أن هذه التقنية لا ترقى إلى مستوى 5 نانومتر أو 3 نانومتر التي تستخدمها شركات مثل TSMC وSamsung، فإن أهميتها تكمن في أنها:

  • تم تطويرها محليًا دون الاعتماد على تقنيات غربية محظورة.

  • تعكس قدرة الصين على التحسين التدريجي رغم القيود الصارمة.

  • تثبت أن هواوي لم تعد مجرد مستهلك للتقنية، بل لاعبًا في إعادة هندسة منظومة أشباه الموصلات.


تقنية N+3… تقدم حذر في بيئة معقدة

تُعد عملية N+3 امتدادًا محسّنًا لمسار تطوير SMIC بعد N+1 وN+2، وتهدف إلى:

  • تحسين كثافة الترانزستورات.

  • رفع كفاءة استهلاك الطاقة.

  • تحقيق استقرار أعلى في الإنتاج، رغم غياب معدات الطباعة المتقدمة (EUV).

ويشير خبراء إلى أن الوصول إلى هذا المستوى من التطوير دون استخدام تقنيات EUV الغربية يمثل إنجازًا هندسيًا معقدًا، وإن جاء على حساب بعض الكفاءة مقارنة بالمنافسين العالميين.


الفجوة مع TSMC وSamsung… واقع لا يمكن تجاهله

رغم التقدم الملحوظ، لا يزال التقرير يؤكد أن شريحة Kirin 9030 أقل تطورًا من المعالجات المصنعة بتقنية 5 نانومتر لدى TSMC وSamsung، سواء من حيث:

  • الأداء الخام.

  • كفاءة استهلاك الطاقة.

  • القدرة على دعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

لكن المفارقة هنا أن الفجوة التقنية لم تمنع هواوي من العودة إلى المنافسة التجارية، وهو ما يطرح تساؤلًا مهمًا:
هل أصبحت الكفاءة المطلقة أقل أهمية من الاستقلال الإستراتيجي؟


الصمت الرسمي… رسائل غير مباشرة

اللافت في هذا السياق أن شركتي Huawei وSMIC لم تُعلّقا فورًا على تقرير TechInsights، خاصة أن طلب التعليق – بحسب رويترز – قُدم خارج ساعات العمل الرسمية.

ويرى مراقبون أن هذا الصمت ليس عشوائيًا، بل يعكس:

  • حرصًا على تجنب التصعيد الإعلامي.

  • رغبة في ترك المنتج يتحدث عن نفسه.

  • إدراكًا لحساسية الملف سياسيًا وتقنيًا.


TechInsights في مرمى التصنيف الصيني

تكتسب هذه القصة بُعدًا أكثر تعقيدًا عند وضعها في سياق تصنيف الصين لشركة TechInsights ضمن قائمة “الكيانات غير الموثوق بها” خلال أكتوبر الماضي.

ويُنظر إلى هذا القرار باعتباره:

  • رد فعل على نشر تحليلات تفصيلية حول تقدم هواوي وSMIC.

  • رسالة تحذير للشركات البحثية الأجنبية.

  • خطوة لحماية المعلومات التقنية الحساسة.

ويرجح محللون أن هذا التصنيف قد يحد من قدرة TechInsights على الوصول إلى بيانات دقيقة من داخل الصين، ما يزيد من ضبابية المشهد أمام المستثمرين والأسواق العالمية.

هواوي تكسر القيود التقنية: «Mate 80» بشريحة «Kirin 9030» المصنّعة بتقنية «N+3» الصينية
هواوي تكسر القيود التقنية: «Mate 80» بشريحة «Kirin 9030» المصنّعة بتقنية «N+3» الصينية

حرب الرقائق… خلفية لا غنى عنها

لفهم أهمية Kirin 9030، لا بد من العودة إلى جذور حرب الرقائق بين واشنطن وبكين.

فمنذ عام 2018، بدأت الولايات المتحدة في فرض قيود متزايدة على تصدير:

  • معدات تصنيع الرقائق.

  • البرمجيات الهندسية.

  • تقنيات الطباعة المتقدمة.

وكان الهدف المعلن هو حماية الأمن القومي، لكن النتيجة العملية كانت إعادة رسم خريطة صناعة أشباه الموصلات عالميًا.


هواوي… من السقوط إلى إعادة التشكّل

بعد أن فقدت هواوي قدرتها على استخدام شرائح Qualcomm وخدمات Google، بدت الشركة في طريقها إلى التراجع الحتمي. لكن ما حدث لاحقًا كشف عن سيناريو مختلف:

  • إعادة إحياء سلسلة Kirin.

  • استثمار ضخم في البحث والتطوير.

  • تعاون وثيق مع SMIC.

  • التركيز على السوق المحلية أولًا.

وهنا، لم تعد العودة الكاملة إلى الريادة العالمية الهدف المباشر، بل البقاء، ثم البناء من جديد.


Kirin 9030 والذكاء الاصطناعي

تشير تسريبات غير رسمية إلى أن Kirin 9030 يتضمن تحسينات على مستوى:

  • وحدات المعالجة العصبية (NPU).

  • دعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي على الجهاز.

  • تحسين أداء الكاميرات والخوارزميات التصويرية.

وهذه النقطة تحديدًا تُعد حاسمة، في ظل تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى معيار أساسي في تقييم الهواتف الذكية الحديثة.


السوق العالمي… هل تتغير المعادلة؟

رغم أن هواوي لا تزال تواجه صعوبات في الأسواق الغربية، فإن:

  • السوق الصينية الضخمة.

  • الأسواق الناشئة.

  • تراجع بعض المنافسين.

توفر لها مساحة للمناورة.

ويرى محللون أن نجاح Mate 80 قد يشجع شركات صينية أخرى على تقليل الاعتماد على الرقائق الأجنبية، حتى وإن كان ذلك على حساب بعض الأداء.


الاستثمار طويل الأجل… رهان الصين الحقيقي

لا تنظر بكين إلى صناعة الرقائق باعتبارها مشروعًا ربحيًا قصير الأجل، بل كـ:

  • ركيزة للأمن القومي.

  • أساس للاقتصاد الرقمي.

  • أداة لتعزيز النفوذ العالمي.

ومن هذا المنطلق، تُعد Kirin 9030 ثمرة استثمار طويل الأمد، وليس مجرد منتج تجاري.

هواوي تكسر القيود التقنية: «Mate 80» بشريحة «Kirin 9030» المصنّعة بتقنية «N+3» الصينية
هواوي تكسر القيود التقنية: «Mate 80» بشريحة «Kirin 9030» المصنّعة بتقنية «N+3» الصينية

بين الواقعية والطموح

من الخطأ تصوير شريحة Kirin 9030 باعتبارها انتصارًا كاملًا، أو فشلًا تقنيًا. الحقيقة تقع في المنتصف:

  • نعم، لا تزال الصين متأخرة تقنيًا عن الرواد.

  • لكن نعم أيضًا، القيود لم تُوقف مسار التطوير.

  • والفجوة، وإن كانت قائمة، ليست ثابتة.


الخلاصة: أكثر من هاتف… أقل من ثورة؟

في النهاية، يمثل إطلاق Mate 80 بشريحة Kirin 9030 علامة فارقة في مسار صناعة التكنولوجيا الصينية. ليس لأنه الأفضل عالميًا، بل لأنه ممكن رغم كل ما قيل إنه مستحيل.

إنها قصة تقدم بطيء، لكنه عنيد. قصة صناعة تُبنى تحت الضغط. وقصة عالم يتجه – بخطى ثابتة – نحو تعدد الأقطاب التكنولوجية.

وفي هذا العالم الجديد، قد لا تكون هواوي الأسرع… لكنها بالتأكيد لم تعد خارج السباق.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى