«ألفابت» تلامس 4 تريليونات دولار مدفوعة بزخم الذكاء الاصطناعي

في لحظة بدت كأنها تتويج لمسار طويل من الشكوك والتحولات، بلغت شركة «ألفابت» – الشركة الأم لجوجل – قيمة سوقية قاربت 4 تريليونات دولار لفترة وجيزة خلال تعاملات يوم الاثنين، لتصبح رابع شركة في التاريخ تصل إلى هذا المستوى غير المسبوق. إنجاز لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة إعادة تموضع استراتيجية أعادت الشركة إلى صدارة السباق العالمي الأكثر شراسة: سباق الذكاء الاصطناعي.
هذا الصعود التاريخي لم يأتِ فقط من زخم الأسواق أو التفاؤل العام بأسهم التكنولوجيا، بل كان انعكاسًا لتحول حقيقي في نظرة المستثمرين إلى «ألفابت»، التي نجحت خلال عام واحد تقريبًا في تبديد المخاوف حول تخلفها في سباق الذكاء الاصطناعي، وتحويل نقاط ضعفها السابقة إلى محركات نمو فعّالة.
من شركة إعلانات إلى إمبراطورية ذكاء اصطناعي
لطالما ارتبط اسم جوجل – ومن ثم «ألفابت» – بالإعلانات الرقمية ومحرك البحث الأشهر في العالم. وعلى مدار سنوات، كان هذا النموذج هو العمود الفقري لإيرادات الشركة وأرباحها. إلا أن هذا الاعتماد الكبير على الإعلانات جعلها في نظر بعض المستثمرين أقل تنوعًا مقارنة بمنافسين مثل «مايكروسوفت» أو «أمازون».
لكن ما حدث خلال 2024 و2025 شكّل نقطة انعطاف. فقد بدأت «ألفابت» في تنفيذ استراتيجية أكثر عدوانية لدمج الذكاء الاصطناعي في كل مستويات أعمالها: من البحث، إلى الإعلانات، مرورًا بالهواتف الذكية، وانتهاءً بالحوسبة السحابية والبنية التحتية.

صفقة محورية مع «أبل»… شهادة ثقة نادرة
أحد أبرز المؤشرات على نجاح هذا التحول كان الإعلان عن اعتماد الجيل التالي من نماذج الذكاء الاصطناعي لدى شركة «أبل» على نموذج «جيميناي» التابع لجوجل، بموجب اتفاقية تمتد لعدة سنوات.
الصفقة، التي اعتبرها محللون «محورية»، تحمل دلالة استراتيجية تتجاوز قيمتها المالية. فـ«أبل» – المعروفة بتشددها في اختيار شركائها التقنيين – لم تكن لتراهن على «جيميناي» لولا اقتناعها بأن النموذج بات قادرًا على المنافسة، بل والتفوق، في بعض المجالات الحساسة.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة منحت «ألفابت» دفعة معنوية هائلة في الأسواق، إذ تحولت من شركة يُخشى تخلفها في سباق الذكاء الاصطناعي إلى شريك أساسي لأكبر شركات التكنولوجيا الاستهلاكية في العالم.
قمة قياسية في سوق الأسهم
انعكس هذا الزخم سريعًا على أداء السهم. فقد ارتفعت أسهم الفئة «A» من جوجل بنسبة وصلت إلى 1.7% خلال الجلسة، مسجلة مستوى قياسيًا بلغ 334.04 دولار، قبل أن تتراجع قليلًا مع جني الأرباح.
ورغم أن الارتفاع كان مؤقتًا، فإن الرسالة كانت واضحة: السوق بات يرى في «ألفابت» قصة نمو جديدة، لا مجرد عملاق مستقر يعتمد على الإعلانات.
زخم الشركاء… من «سامسونج» إلى «ميتا»
لم تكن صفقة «أبل» الوحيدة التي عززت هذا التحول. فقد كشف تقرير سابق لوكالة «رويترز» أن شركة «سامسونج للإلكترونيات» تخطط لمضاعفة عدد أجهزتها المحمولة المزودة بميزات ذكاء اصطناعي تعتمد على «جيميناي» خلال العام الجاري.
ويعني ذلك أن نموذج جوجل لم يعد مجرد تجربة داخلية، بل أصبح منصة يعتمد عليها مصنعو الأجهزة لتقديم وظائف ذكية متقدمة للمستخدمين، من الترجمة الفورية إلى توليد المحتوى وتحسين تجربة الاستخدام.
وفي مؤشر آخر على اتساع الطلب، أفاد موقع «ذا إنفورميشن» بأن شركة «ميتا بلاتفورمز» تجري محادثات لإنفاق مليارات الدولارات على رقائق ذكاء اصطناعي طورتها «ألفابت»، لاستخدامها في مراكز البيانات بدءًا من عام 2027.

تحول في المعنويات… «ألفابت» تتجاوز «أبل»
ربما كان أكثر ما لفت انتباه الأسواق هو تجاوز «ألفابت» لشركة «أبل» في القيمة السوقية الأسبوع الماضي، للمرة الأولى منذ عام 2019، لتصبح ثاني أعلى شركة قيمة في العالم.
هذا التطور عكس تحولًا جذريًا في معنويات المستثمرين. فخلال عام 2025 وحده، قفز سهم «ألفابت» بنحو 65%، متفوقًا على معظم أسهم مجموعة «العظماء السبعة» في وول ستريت، التي تضم أكبر عمالقة التكنولوجيا.
ويعزو محللون هذا الأداء القوي إلى قدرة الشركة على إعادة تعريف نفسها، والخروج تدريجيًا من نموذجها التقليدي كشركة إعلانات، نحو كيان تقني متعدد المحركات.
«جوجل كلاود»… من عبء إلى قاطرة نمو
لعل التحول الأبرز كان في وحدة الحوسبة السحابية «جوجل كلاود»، التي ظلت لسنوات تعاني من ضعف الربحية مقارنة بمنافسيها «أمازون ويب سيرفيسز» و«مايكروسوفت أزور».
لكن خلال الأشهر الأخيرة، تغير المشهد جذريًا. فقد قفزت إيرادات «جوجل كلاود» بنسبة 34% في الربع الثالث، بينما ارتفع رصيد العقود غير المعترف بإيراداتها – ما يُعرف بـBacklog – إلى 155 مليار دولار، في إشارة قوية إلى نمو مستدام في الطلب.
وساهم في هذا النمو قرار الشركة تأجير رقائق الذكاء الاصطناعي التي طورتها داخليًا – والتي كانت مخصصة سابقًا للاستخدام الداخلي – إلى عملاء خارجيين، ما فتح مصدر دخل جديدًا عالي الهامش.
ضغوط تنافسية… و«جيميناي» في قلب المعركة
في قلب هذا التحول يقف نموذج «جيميناي 3»، الذي حظي بتقييمات قوية من خبراء ومطورين، معتبرين أنه بات منافسًا جديًا لأفضل نماذج الذكاء الاصطناعي في السوق.
وجاء هذا التقدم في وقت حساس، إذ واجه نموذج «جي بي تي-5» من «أوبن إيه آي» انتقادات من بعض المستخدمين، ما زاد الضغوط على المنافسين وأعاد خلط أوراق السباق.
ويرى محللون أن تفوق «ألفابت» لا يكمن فقط في جودة النموذج، بل في قدرتها على دمجه بسلاسة في منظومة منتجاتها الضخمة، من البحث إلى الإعلانات، ومن الهواتف إلى السحابة.
استثمار نادر من «بيركشاير هاثاواي»
في إشارة أخرى على استعادة ثقة المستثمرين، جذبت «ألفابت» استثمارًا تقنيًا نادرًا من شركة «بيركشاير هاثاواي» التابعة للملياردير وارن بافيت، وهو ما اعتبره البعض تصويت ثقة من أحد أكثر المستثمرين تحفظًا في العالم.
هذا الاستثمار عزز القناعة بأن الشركة لم تعد مجرد رهان على الإعلانات الرقمية، بل لاعبًا أساسيًا في مستقبل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
الإعلانات تصمد رغم العواصف
ورغم كل هذا التحول، لم تتخلَّ «ألفابت» عن مصدر قوتها التاريخي. فقد حافظت أعمال الإعلانات – التي لا تزال المحرك الرئيسي للإيرادات – على قدر كبير من الاستقرار، رغم التباطؤ الاقتصادي العالمي والمنافسة الشرسة من منصات أخرى.
ويؤكد هذا التوازن بين الاستقرار التقليدي والنمو المستقبلي أن الشركة تسير على مسارين متوازيين، بدلًا من التضحية بأحدهما لصالح الآخر.
حكم قضائي يبدد المخاطر التنظيمية
كما استفاد سهم «ألفابت» من حكم قضائي أمريكي صدر في سبتمبر، رفض تفكيك الشركة، ما أتاح لها الاحتفاظ بالسيطرة على متصفح «كروم» ونظام التشغيل «أندرويد».
الحكم خفف من مخاوف المستثمرين بشأن المخاطر التنظيمية، وأزال أحد أكبر مصادر عدم اليقين التي ظلت تلاحق السهم لسنوات.

نادي الأربعة تريليونات… ومن بعده؟
بانضمامها إلى نادي الشركات التي لامست 4 تريليونات دولار – إلى جانب «إنفيديا» و«مايكروسوفت» و«أبل» – تؤكد «ألفابت» أنها لم تخرج فقط من دائرة الشك، بل عادت لاعبًا مركزيًا في مستقبل الاقتصاد الرقمي.
ويبقى السؤال المطروح في الأسواق: هل ما تحقق هو ذروة مؤقتة، أم بداية مرحلة جديدة من الصعود؟
الإجابة، على ما يبدو، ستتوقف على قدرة «ألفابت» على الحفاظ على وتيرة الابتكار، وترجمة تفوقها في الذكاء الاصطناعي إلى أرباح مستدامة، في سباق لا يعترف إلا بالأكثر سرعة وجرأة.




