تحذير من جوجل: نموذجـان من شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة مهددان بالاختفاء

في ذروة الحماس العالمي تجاه الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدا المشهد وكأنه سباق مفتوح لا يعرف التباطؤ، حيث كانت شركة ناشئة جديدة تولد كل دقيقة تقريبًا، مستفيدة من موجة استثمارية ضخمة وثقة غير مسبوقة في قدرة النماذج اللغوية الضخمة على إعادة تشكيل الاقتصاد الرقمي. غير أن انحسار الضجيج الأولي كشف واقعًا أكثر تعقيدًا، إذ بدأت بعض النماذج التجارية التي بدت لامعة قبل عامين فقط تتحول إلى قصص تحذيرية يتداولها المستثمرون ورواد الأعمال على حد سواء، وعلى رأسها ما يعرف بأغلفة النماذج اللغوية الكبرى ومجمعات الذكاء الاصطناعي.
في هذا السياق، يلفت Darren Mowry، الذي يقود قسم الشركات الناشئة عالميًا في Google Cloud ضمن منظومة Alphabet التي تشمل أيضًا DeepMind، إلى أن كثيرًا من الشركات الناشئة التي تبني أعمالها على هذا الأساس باتت وكأن “ضوء فحص المحرك” مضاء لديها. هذه الاستعارة التقنية تعكس تحذيرًا واضحًا: ثمة خلل بنيوي في نموذج العمل، قد لا يظهر في البدايات المزدهرة، لكنه يتكشف سريعًا عندما ترتفع توقعات السوق ويشتد التنافس.
تطبيقات ما يُعرف بـ LLM wrappers تعتمد في جوهرها على تغليف نماذج لغوية ضخمة موجودة بالفعل مثل Claude وGPT-5 وGemini بطبقة واجهة استخدام جذابة أو تجربة مخصصة لحل مشكلة محددة. قد تكون الفكرة بسيطة وملهمة في آن واحد: استخدام قوة نموذج جاهز لتقديم خدمة تعليمية للطلاب أو أداة مساعدة للكتابة أو منصة دعم للعملاء. غير أن السؤال الذي يطرحه المستثمرون اليوم لم يعد متعلقًا بسهولة البناء، بل بعمق القيمة المضافة.

يشير مووري في حديثه إلى أن الاعتماد شبه الكامل على النموذج الخلفي لإنجاز العمل الحقيقي، مع الاكتفاء بتسويق المنتج تحت علامة مختلفة، لم يعد مقنعًا. الصناعة، كما يقول، لم تعد تملك صبرًا على نماذج أعمال تقوم على “إعادة بيع الذكاء الاصطناعي” دون إضافة ملكية فكرية حقيقية أو بيانات حصرية أو قدرات تقنية يصعب استنساخها. في زمن المنافسة المفتوحة، لا يكفي أن تضع طبقة تصميم فوق نموذج قوي، بل ينبغي أن تبتكر ما يتجاوز ذلك.
تجربة منتصف عام 2024 تقدم مثالًا واضحًا على سرعة تغير المعادلة. عندما أطلقت OpenAI متجر ChatGPT، تدفقت مئات التطبيقات التي اعتمدت على النموذج ذاته مع اختلافات طفيفة في الواجهة أو في زاوية الاستخدام. آنذاك، كان السوق متعطشًا لكل ما يحمل ختم الذكاء الاصطناعي. أما اليوم، فقد أصبح التحدي يتمثل في بناء منتج يملك قيمة مستدامة وقابلية توسع حقيقية، لا مجرد الاستفادة من موجة عابرة.
في قطاع القانون والبرمجة، ظهرت شركات تحاول تقديم نماذج أكثر تخصصًا. من بين الأمثلة Harvey AI الذي يقدم نفسه كمساعد قانوني مدعوم بالذكاء الاصطناعي، وكذلك Cursor الذي يعتمد على تقنيات GPT لدعم المبرمجين. هذه النماذج تسعى إلى دمج الذكاء الاصطناعي في سير العمل المهني بعمق أكبر، عبر فهم سياق المجال، والاندماج مع قواعد بيانات متخصصة، وتقديم حلول تتجاوز مجرد توليد النصوص.
غير أن التحدي لا يقف عند حدود الأغلفة. فهناك أيضًا ما يعرف بمجمعات الذكاء الاصطناعي، وهي منصات تجمع نماذج متعددة في واجهة واحدة أو عبر طبقة API تتيح للمستخدمين التنقل بين النماذج المختلفة بحسب الحاجة. الفكرة جذابة من الناحية النظرية، إذ توفر مرونة واختيارًا أوسع، وتضيف أدوات للمراقبة والحوكمة والتقييم. من بين الأمثلة المعروفة Perplexity AI التي تقدم تجربة بحث مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومنصة OpenRouter التي تتيح للمطورين الوصول إلى نماذج متعددة عبر واجهة واحدة.

لكن مووري يوجه رسالة مباشرة للشركات الناشئة الجديدة: الابتعاد عن أعمال التجميع البحتة. فهذه النماذج، برأيه، تواجه ضغطًا متزايدًا على الهوامش الربحية، خاصة مع قيام مزودي النماذج أنفسهم بإضافة ميزات مؤسسية متقدمة، ما يقلل الحاجة إلى وسيط. المستخدمون، سواء كانوا أفرادًا أو شركات، باتوا يبحثون عن ملكية فكرية مدمجة في المنتج، تضمن توجيهًا ذكيًا إلى النموذج الأنسب في الوقت المناسب، لا مجرد إعادة توجيه تقني يخفي تعقيدات البنية التحتية خلف ستار واجهة أنيقة.
هذا التحول يعيد إلى الأذهان بدايات الحوسبة السحابية في أواخر العقد الأول من الألفية الثانية. حينها، ازدهرت أعمال Amazon Web Services وظهرت شركات ناشئة تقدم نفسها كبوابة أسهل للدخول إلى خدمات AWS، عبر أدوات إضافية وتوحيد للفواتير ودعم فني مبسط. لكن مع تطور خدمات أمازون نفسها وتعوّد العملاء على إدارة البنية السحابية مباشرة، اختفى معظم الوسطاء الذين لم يضيفوا قيمة حقيقية. وحدها الشركات التي طورت خدمات متخصصة مثل الأمن السيبراني أو ترحيل البيانات أو استشارات DevOps تمكنت من البقاء.
اليوم، يواجه مجمعو الذكاء الاصطناعي وضعًا مشابهًا. فكلما توسعت الشركات المطورة للنماذج في تقديم حلول شاملة للمؤسسات، تضاءلت المساحة المتاحة للوسطاء الذين لا يملكون تميزًا تقنيًا أو بيانات حصرية. السوق يتجه نحو التكامل الرأسي، حيث تسعى الشركات الكبرى إلى تقديم حزمة كاملة تشمل النموذج والبنية التحتية وأدوات الإدارة، ما يجعل المنافسة أكثر صعوبة على الشركات الناشئة التي تعتمد فقط على التجميع.
ومع ذلك، لا يخلو المشهد من نقاط مضيئة. مووري يبدي تفاؤلًا ملحوظًا تجاه منصات المطورين وما يُعرف ببرمجة “vibe coding”، التي تعتمد على تفاعل أكثر سلاسة بين المطور والنموذج. شركات مثل Replit وLovable وCursor شهدت عامًا استثنائيًا في 2025، مدعومة باستثمارات كبيرة وجذب متزايد للمستخدمين. هذه المنصات لا تكتفي بتغليف نموذج، بل تعيد تعريف تجربة البرمجة نفسها، عبر دمج الذكاء الاصطناعي في صميم عملية التطوير.
كذلك يتوقع مووري نموًا قويًا في التطبيقات الموجهة مباشرة إلى المستهلك، خاصة تلك التي تضع أدوات قوية بين أيدي المستخدمين العاديين. على سبيل المثال، يبرز مولد الفيديو Veo من جوجل كأداة تمنح طلاب السينما والتلفزيون قدرة غير مسبوقة على تحويل أفكارهم إلى مشاهد مرئية متكاملة، دون الحاجة إلى ميزانيات إنتاج ضخمة. هنا، لا يتعلق الأمر بتغليف نموذج، بل بفتح آفاق إبداعية جديدة.
بعيدًا عن الذكاء الاصطناعي الخالص، يرى مووري أن التكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا المناخ تعيشان لحظة ازدهار خاصة بهما، مدفوعة بتدفق استثمارات رأس المال المخاطر وتوافر كميات هائلة من البيانات. القدرة على تحليل بيانات جينية معقدة أو نماذج مناخية ضخمة باستخدام أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة تفتح الباب أمام حلول لم تكن ممكنة قبل سنوات قليلة. في هذه المجالات، يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من منظومة أوسع تخلق قيمة حقيقية تتجاوز التطبيقات الاستهلاكية السريعة.
المحصلة أن مرحلة “النسخ السريع” في عالم الذكاء الاصطناعي التوليدي تقترب من نهايتها. لم يعد يكفي إطلاق تطبيق يعتمد على نموذج قوي وانتظار أن يجلب الزخم الإعلامي المستخدمين والمستثمرين. السوق ينضج، والمعايير ترتفع، والتميّز يصبح شرطًا للبقاء. الشركات الناشئة التي ستنجح في السنوات المقبلة هي تلك التي تبني طبقات عميقة من الملكية الفكرية، وتفهم احتياجات أسواق رأسية محددة، وتدمج الذكاء الاصطناعي في حلول متكاملة يصعب استبدالها.

أما تلك التي تكتفي بدور الوسيط بين المستخدم والنموذج، فقد تجد نفسها في مواجهة واقع قاسٍ، يشبه كثيرًا ما حدث في موجات تقنية سابقة. في النهاية، لا يتعلق الأمر بقوة النموذج فحسب، بل بقدرة الشركة على تحويل هذه القوة إلى منتج متمايز ومستدام، يضيف قيمة حقيقية في عالم لم يعد ينبهر بسهولة بالشعارات الكبيرة، بل يبحث عن نتائج ملموسة وأثر طويل الأمد.



