يلا تيك

إيلون ماسك: ثورة الذكاء الاصطناعي ستجعل الادخار للتقاعد بلا جدوى

في تصريح جديد يضاف إلى سلسلة مواقفه المثيرة للجدل، قال الملياردير الأمريكي إيلون ماسك إن فكرة الادخار من أجل التقاعد قد تفقد أهميتها بالكامل خلال العقود المقبلة، بسبب ما وصفه بـ«تسونامي فائق السرعة» من التطورات في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والطاقة.
تصريحات ماسك جاءت خلال ظهوره في بودكاست Moonshots الذي يقدمه رائد الأعمال والمستثمر بيتر ديامانديس، حيث قدّم رؤية مستقبلية تتحدى واحدة من أكثر النصائح المالية رسوخًا في الثقافة الاقتصادية الحديثة: ادّخر اليوم لتعيش غدًا.

رؤية تصطدم بالنصائح التقليدية

على عكس ما يوصي به خبراء المال والتخطيط المالي، شدد ماسك على أن القلق بشأن بناء مدخرات مالية تمتد لعشرين أو ثلاثين عامًا قادمة قد لا يكون له أي جدوى. وقال بصراحة:

«لا تقلقوا بشأن ادخار المال للتقاعد بعد عشر أو عشرين سنة. لن يكون لذلك أي أهمية».

وبحسب ماسك، فإن العالم يتجه بسرعة غير مسبوقة نحو مرحلة من الوفرة المطلقة، حيث تصبح السلع والخدمات متاحة للجميع تقريبًا، ولا يعود المال هو العامل المحدد لجودة الحياة كما نعرفه اليوم.

عالم بلا ندرة… كيف يتصوره ماسك؟

تنطلق نظرية ماسك من فرضية محورية مفادها أن التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي والروبوتات البشرية سيقود إلى عالم يخلو من الندرة الاقتصادية، وهو المفهوم الذي بُنيت عليه النظم الاقتصادية التقليدية.
ففي هذا العالم، لن يكون الإنتاج مقيدًا بقدرات البشر أو ساعات عملهم، بل ستتولى الآلات والأنظمة الذكية الجزء الأكبر من المهام، بكفاءة تفوق أي تصور بشري.

وتوقع ماسك أنه بحلول عام 2030، سيتجاوز الذكاء الاصطناعي مجموع ذكاء البشر مجتمعين، مشيرًا إلى أن عدد الروبوتات البشرية قد يفوق عدد سكان الأرض في مرحلة لاحقة.

إيلون ماسك: ثورة الذكاء الاصطناعي ستجعل الادخار للتقاعد بلا جدوى
إيلون ماسك: ثورة الذكاء الاصطناعي ستجعل الادخار للتقاعد بلا جدوى

الذكاء الاصطناعي ووظائف البشر: بداية النهاية؟

لم يخفِ ماسك قناعته بأن الوظائف التقليدية ستبدأ في الاختفاء تدريجيًا، مع تصدّر الوظائف المكتبية والإدارية قائمة المهن الأكثر عرضة للاستبدال.
وأوضح أن أي وظيفة لا تتطلب «تشكيل الذرات»، أي العمل اليدوي المادي المعقد، أصبحت بالفعل في متناول الذكاء الاصطناعي، مضيفًا أن هذه الأنظمة قادرة حاليًا على أداء نصف هذه الوظائف أو أكثر.

ويرى ماسك أن هذه التحولات ستؤدي إلى قفزات هائلة في الإنتاجية، تفوق كل ما شهده التاريخ الصناعي، ما سيخلق فائضًا اقتصاديًا ضخمًا يجعل مفهوم الأجور والادخار أقل منطقية.

الدخل الشامل… والرفاه بلا مقابل

ضمن رؤيته المستقبلية، تحدث ماسك عن نموذج اقتصادي جديد يقوم على توفير دخل شامل مرتفع يضمن لكل فرد الحصول على ما يحتاجه – وربما أكثر – دون الارتباط المباشر بالعمل أو الادخار.
في هذا السيناريو، تصبح الرعاية الصحية عالية الجودة متاحة للجميع، وتختفي القيود على التعليم، وتصبح السلع والخدمات الأساسية في متناول الجميع دون عوائق مالية.

وأكد ماسك أن الذكاء الاصطناعي، خلال خمس سنوات فقط، سيكون قادرًا على تقديم رعاية صحية أفضل من تلك المتاحة حاليًا لأغلب البشر، سواء من حيث التشخيص أو العلاج أو الوقاية.

العمل… من ضرورة إلى هواية

لم تكن هذه التصريحات الأولى من نوعها. ففي مناسبات سابقة، قال ماسك إن الذكاء الاصطناعي والروبوتات البشرية سيجعلان العمل اختياريًا خلال فترة تتراوح بين عشر وعشرين عامًا، بل وقد يفقد المال نفسه قيمته الحقيقية.

وخلال مشاركته في منتدى الاستثمار الأمريكي السعودي في نوفمبر الماضي، شبّه ماسك مستقبل العمل بالأنشطة الترفيهية، مثل ممارسة الرياضة أو ألعاب الفيديو، وليس كوسيلة للبقاء.


وقال:

«إذا أردت العمل، فسيكون الأمر أشبه بزراعة الخضراوات في حديقتك الخلفية. زراعة الخضراوات أصعب من شرائها من المتجر، ومع ذلك يختار بعض الناس القيام بذلك لأنهم يستمتعون به».

واقع مختلف… تحديات الادخار اليوم

لكن في المقابل، تأتي هذه الرؤية المستقبلية المتفائلة في وقت يواجه فيه ملايين الأمريكيين صعوبات حقيقية في الادخار، نتيجة التضخم المستمر وضعف نمو الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة.

ووفقًا لبيانات صادرة عن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، فإن 55% فقط من البالغين يمتلكون صندوق طوارئ يغطي نفقات ثلاثة أشهر، مقارنة بـ59% في عام 2021.
كما أشار التقرير إلى أن أقل من نصف المشاركين قادرون على تغطية نفقات طارئة بقيمة 2000 دولار أو أكثر من مدخراتهم.

أزمة تقاعد تلوح في الأفق

تؤكد استطلاعات الرأي أن نسبة كبيرة من الأمريكيين متأخرة في الادخار للتقاعد، أو لا تملك أي مدخرات تُذكر لمرحلة ما بعد العمل.
وتشير التقديرات إلى أن الشخص النموذجي الذي يتراوح عمره بين 61 و65 عامًا سيواجه عجزًا سنويًا يقدر بنحو 9 آلاف دولار خلال فترة التقاعد، أي فجوة تمويلية تعادل 24% من احتياجاته.

وتتزامن هذه الأزمة مع تحول ديموغرافي تاريخي في الولايات المتحدة، يُعرف باسم Peak 65، حيث يصل أكثر من 4 ملايين شخص سنويًا – أو نحو 11 ألف شخص يوميًا – إلى سن 65 خلال الفترة من 2024 إلى 2027.

فجوة بين الأجيال

في حين يمتلك أبناء جيلي زد وواي عقودًا من الزمن لتصحيح مسار الادخار والاستفادة من العائد المركب، يفتقر من يقتربون من التقاعد إلى هذه الميزة الزمنية.
كما يحتفظ كبار السن عادة بنسبة أقل من الأسهم في محافظهم الاستثمارية، تجنبًا لمخاطر السوق، ما يحدّ من فرص نمو مدخراتهم مقارنة بالأجيال الأصغر.

ويحذر اقتصاديون من أن اضطرار أعداد كبيرة من المتقاعدين المحتملين إلى خفض إنفاقهم للحفاظ على مدخراتهم قد يترك آثارًا سلبية أوسع على الاقتصاد الكلي.

تحذير أخير: أزمة المعنى

ورغم تفاؤله الواضح، لم يتجاهل ماسك المخاطر الاجتماعية والنفسية المحتملة لعالم لا يحتاج فيه البشر إلى العمل لكسب رزقهم.
وحذر من أن الدخل الشامل المرتفع قد يترافق مع اضطرابات اجتماعية وأزمة أعمق تتعلق بالمعنى والغاية من الحياة.

وقال ماسك في ختام حديثه:

«إذا حصلت فعليًا على كل ما تريده، فهل هذا هو المستقبل الذي تريده حقًا؟ لأن ذلك يعني أن وظيفتك لن يكون لها أي أهمية».

بين تفاؤل ماسك الثوري وواقع اقتصادي يزداد تعقيدًا، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن على أعتاب عالم تُلغى فيه فكرة التقاعد والادخار، أم أن هذه الرؤية تظل أقرب إلى الخيال العلمي منها إلى الواقع القريب؟
الإجابة، كما يبدو، ستحدد شكل الحياة والعمل والمعنى الإنساني في العقود القادمة.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى