أخبار ومقالات

جيل زد بين شغف “الجمعة السوداء” وحذر الإنفاق: كيف يعيد الجيل الأصغر رسم خريطة التسوق والريادة عالميًا؟

في السنوات الأخيرة، تحوّل يوم الجمعة السوداء من مجرد موسم خصومات إلى مرآة دقيقة تعكس تغيّر سلوك المستهلكين، وتقدّم قراءة واضحة حول اتجاهات الأجيال المختلفة. وبينما تتراجع معدلات الشراء لدى كثير من الفئات، يبرز جيل “زد” بوصفه القوة الأكثر نشاطًا وتأثيرًا في هذا الموسم، رغم المفارقة اللافتة بين إقبالهم على التسوق ورغبتهم في تخفيض الإنفاق العام خلال العطلات.

هذا التحوّل جاء في سياق اقتصادي عالمي متقلّب، مليء بالتحديات، ويكشف بوضوح كيف يتصرّف الجيل الأصغر سنًا في مواجهة الضغوط المعيشية، وكيف أعادت التكنولوجيا، وخصوصًا وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي، تشكيل علاقته بالشراء والاختيارات، وصولًا إلى طموحهم لإنشاء شركات تُغيّر قواعد اللعبة.


تحليل سلوك جيل “زد”: بين الإقبال والادخار

في سبتمبر 2025، أعلنت شركة PwC عن نتائج استطلاع واسع كشف أن جيل “زد” — رغم الحماس الكبير لموسم الجمعة السوداء — يخطط لتقليل نفقاته الإجمالية خلال موسم العطلات بنسبة 23% مقارنة بالعام السابق. هذه النسبة تعدّ أكبر انخفاض بين جميع الأجيال، وتناقض التوقعات السابقة التي رجّحت زيادة إنفاقهم بنسبة 37%.

وتعكس هذه الأرقام أن الإقبال الكبير لجيل “زد” على يوم الجمعة السوداء لا يعني بالضرورة إسرافًا أو اندفاعًا شرائيًا؛ بل هو سلوك مدروس يسعى للحصول على أقصى قيمة ممكنة من الخصومات الضخمة، دون تجاوز الحدود المالية التي يفرضها الواقع الاقتصادي الصعب.

وتأتي هذه النتائج في وقت يتواصل فيه ما يعرف بـ”الاقتصاد على شكل K“، حيث تزداد الفجوة بين الفئات الأعلى دخلًا التي تواصل الإنفاق بلا تحفظ، والفئات محدودة الدخل التي أصبحت أكثر حذرًا وحرصًا في كل خطوة شرائية.

وفي تقرير آخر لشركة Deloitte، ظهر أن المستهلكين — بمختلف فئاتهم — يخططون لإنفاق أقل بنسبة 4% في الجمعة السوداء مقارنة بالعام الماضي، متأثرين بارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد حالة عدم اليقين الاقتصادي.

 

توجهات المستهلكين: قيمة أعلى وعودة للمتاجر الصغيرة

بحسب تصريحات أنجيلا روثرفورد، نائبة رئيس مبيعات السوق المتوسطة في شركة AT&T Business، فإن المستهلكين أصبحوا أكثر وعيًا بالقيمة الحقيقية لسلع العطلات، وأكثر انتقاءً في الشراء، وهو ما يظهر بوضوح في اتجاه تم رصده خلال استطلاع AT&T:

  • 77% من المستهلكين قالوا إنهم سيتجهون إلى المتاجر الصغيرة إذا كانت الأسعار مماثلة.

  • نسبة من يدعمون اقتصادهم المحلي ارتفعت 8% مقارنة بالعام الماضي.

هذا التحول لا يرتبط فقط بالرغبة في التوفير، بل بوعي أكبر حول دور المشروعات الصغيرة في دعم الاقتصاد المحلي، والحفاظ على جودة الخدمات الشخصية التي يفتقدها كثيرون في الأسواق الضخمة ومنصات التجارة الإلكترونية.

ويبدو أن المستهلك أصبح يبحث عن أفضل قيمة مقابل المال، وليس السعر الأقل فقط. وهو ما يجعل المتاجر الصغيرة اليوم أمام فرصة نادرة لإعادة بناء علاقتها بالجمهور، خصوصًا جيل “زد” الذي يُظهر اهتمامًا متصاعدًا بالعلامات المتخصصة والمنتجات المحلية.


دور “السوشيال ميديا” في تشكيل اختيارات جيل زد

اللافت أن تأثير السوشيال ميديا على قرارات الهدايا والتسوّق ليس بالقوة التي يُظنها البعض. فبحسب الاستطلاع:

  • 72% من المتسوقين يعتمدون على التسوق المباشر داخل المتاجر كمصدر أساسي لأفكار الهدايا.

  • بينما لا يشكّل المحتوى المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي مصدرًا رئيسيًا للإلهام الشرائي.

أما بالنسبة لتقنيات الذكاء الاصطناعي:

  • يفضّل أكثر من نصف المستهلكين البحث التقليدي عبر الإنترنت.

  • فقط 9% يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي للعثور على الهدايا.

ورغم ذلك، تؤكد “روثرفورد” أن هذا الاتجاه سيتغير تدريجيًا بمرور الوقت، مع توسّع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية، وتطوّر قدرتها على تقديم توصيات أكثر تخصيصًا وفعالية.

ويظل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي ملموسًا في جانب آخر: الحملات الإعلانية المكثفة، التي تستهدف جيل “زد” تحديدًا بصور مبتكرة وعروض جذابة. هذه الحملات — كما تشير التقارير — تلعب دورًا كبيرًا في جذب الشباب لموسم الخصومات الضخم، وتخلق نوعًا من الإحساس بحتمية الشراء في هذا اليوم.


جيل زد يغيّر العالم… ولكن التحديات لا ترحم

يتجاوز تأثير جيل “زد” حدود التسوّق والاستهلاك؛ فهو جيل يسعى، بشكل واضح، إلى خلق عالم جديد من خلال روح ريادية عالية. فعدد كبير من شباب هذا الجيل يطمح لتأسيس شركاتهم الخاصة، سواء في مجالات التقنية، أو المحتوى الرقمي، أو التجارة الإلكترونية.

إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإنهم قادرون على:

  • قيادة موجات من الابتكار التقني

  • تحدي الصناعات التقليدية

  • إطلاق شركات تغيّر قواعد المنافسة

  • تقديم حلول جديدة لمشكلات عالمية مثل البيئة والصحة والطاقة

لكن الواقع يكشف جانبًا آخر من الصورة؛ فمعدلات فشل الشركات الناشئة لا تزال مرتفعة. ووفق إدارة الأعمال الصغيرة الأمريكية:

  • 50% من الشركات الصغيرة تفشل خلال أول خمس سنوات من تأسيسها.

ومع ذلك، يتمتع جيل “زد” بميزة استثنائية:
القدرة على التكيّف السريع، وإتقان الأدوات الرقمية، والتحرك بخفة في أسواق تتغير بلا توقف.

وعند النظر إلى قصص النجاح المنطلقة من مؤسسات كبرى مثل MIT، يتضح أن الابتكار العميق، المدعوم بالبحث العلمي والتطوير المستمر، هو الطريق الأكثر صلابة لبناء شركات طويلة العمر. في المقابل، مشاريع المؤثرين وصناع المحتوى — رغم انتشارها — لا تعتمد على بنية علمية أو تطوير طويل الأجل، بل تقوم على العلامة الشخصية والتفاعل السريع وتحقيق الأرباح في المدى القصير.

ولذلك يشكل جيل “زد” اليوم ثنائية مثيرة للاهتمام:
جيل يبتكر لسنوات قادمة، وجيل آخر يربح من لحظة واحدة.


يكشف المشهد العام أن جيل “زد” يقف في قلب التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية اليوم. فهو جيل:

  • يُقبل بشدة على موسم الجمعة السوداء

  • لكنه يقلل إنفاقه الإجمالي طوال العام

  • يدعم المتاجر الصغيرة إذا توفرت القيمة

  • يتأثر بالسوشيال ميديا… لكن ليس بالشكل الذي يتوقعه البعض

  • يطمح لريادة عالمية رغم تحديات فشل الشركات

  • ويعيد رسم قواعد التسوّق والابتكار والريادة

وبينما تتغير اتجاهات الاستهلاك بسرعة غير مسبوقة، يظل جيل “زد” بمثابة البوصلة التي تحدد شكل الأسواق، وطبيعة الحملات التسويقية، ومستقبل ريادة الأعمال في عالم لا يتوقف عن التحوّل.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى