أوروبا في مواجهة وادي السيليكون: تصعيد رقابي غير مسبوق ضد عمالقة التكنولوجيا

تكثّف أوروبا خلال العامين الأخيرين جهودها الرقابية بشكل ملحوظ في محاولة لفرض قواعد أكثر صرامة على شركات التكنولوجيا العملاقة، التي بات نفوذها الاقتصادي والتقني مؤثرًا في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين. ومع تصاعد المخاوف من ممارسات احتكارية، واختلالات محتملة في المنافسة، وتجارب استخدام تثير الجدل، فتحت الهيئات الأوروبية سلسلة من التحقيقات، وفرضت غرامات بمليارات اليورو طالت معظم الشركات الكبرى: «جوجل»، «آبل»، «ميتا»، «مايكروسوفت»، «أمازون»، و«تيك توك».
وتكشف هذه التحركات عن مرحلة جديدة من التدقيق الرقابي، ربما تكون الأكثر قوة وحسمًا منذ نشأة اقتصاد المنصات الرقمية.
جوجل تحت الضغط: غرامات متتالية ومعارك قانونية مفتوحة
لا تزال «جوجل» تتصدر قائمة الشركات الأكثر تعرضًا للعقوبات الأوروبية، إذ فرضت المفوضية الأوروبية في 5 سبتمبر غرامة ضخمة بلغت 2.95 مليار يورو، بسبب ممارسات احتكارية مرتبطة بنشاط الإعلانات الرقمية، في خطوة تؤكد رغبة الاتحاد الأوروبي في كبح هيمنة الشركة على القطاع.

ولم تكن هذه العقوبة الأولى. ففي سبتمبر من العام الماضي، حققت «جوجل» انتصارًا قانونيًا حين ربحت طعنًا على غرامة بقيمة 1.49 مليار يورو، فُرضت عليها سابقًا بدعوى إعاقة منافسيها في مجال إعلانات البحث. لكن هذا الانتصار لم يدم طويلًا؛ إذ خسرت قبل ذلك بأسبوع طعنًا آخر ضد غرامة قديمة بقيمة 2.42 مليار يورو، أقرّتها المحكمة على خلفية استغلال خدمة مقارنة الأسعار لمنح منتجات الشركة أفضلية غير عادلة.
وفي بريطانيا، خلصت هيئة المنافسة في سبتمبر الماضي إلى أن «جوجل» أساءت بالفعل استخدام موقعها المهيمن في سوق الإعلانات الرقمية. وزادت الضغوط بعدما أطلقت الهيئة تحقيقات جديدة شملت «ألفابت» و«أمازون» لتعاونهما مع شركة «أنثروبيك» للذكاء الاصطناعي.
أما في فرنسا، فقد أعلنت هيئة المنافسة في مارس 2024 عن فرض غرامة قدرها 250 مليون يورو على «جوجل» في قضية ترتبط بحقوق الملكية الفكرية في تعاملاتها مع ناشري الأخبار.
شركات التكنولوجيا تحت الحصار: أوروبا تشدّ قبضتها
لم تكن «جوجل» وحدها في مرمى العقوبات الأوروبية؛ فـ«أمازون» أيضًا واجهت انتكاسة قضائية حين رفضت المحكمة العامة في الاتحاد الأوروبي في نوفمبر طلبها بإلغاء تصنيفها ضمن المنصات الخاضعة لمتطلبات أشد صرامة وفق قواعد المحتوى الجديدة.
وفي أكتوبر 2025، تقدّمت منظمات حقوقية بشكوى رسمية ضد «آبل» متهمة الشركة بفرض ممارسات مقيدة في متجر التطبيقات، وبشروط تحدّ من المنافسة على أجهزتها. وجاءت هذه الشكوى بالتزامن مع تصنيف هيئة المنافسة البريطانية لكل من «آبل» و«جوجل» باعتبارهما شركتين تتمتعان بـ«وضع سوقي استراتيجي»، وهو توصيف يمنح الحكومة البريطانية سلطات أوسع لفرض تغييرات إلزامية على ممارساتهما.
وبموجب قانون الأسواق الرقمية (DMA)، فرضت بروكسل في أبريل غرامات كبيرة على شركات كبرى؛ حيث طالت «آبل» غرامة قدرها 500 مليون يورو، بينما واجهت «ميتا» غرامة أخرى بلغت 200 مليون يورو.
وتصاعدت متاعب «آبل» أكثر عندما خسرت في مارس طعنًا ضد تقييم تنظيمي ألماني يسمح بفرض قيود إضافية على ممارساتها داخل السوق. ثم جاءت ضربة أكبر في سبتمبر 2024 عندما خسرت طعنًا ضد قرار يلزمها بدفع 13 مليار يورو من الضرائب المتأخرة لإيرلندا، ضمن حملة أوروبية أوسع تستهدف الامتيازات الضريبية للشركات متعددة الجنسيات.
وفي يوليو 2024، أعلنت المفوضية الأوروبية أن «آبل» وافقت على فتح نظام الدفع عبر اللمس أمام المنافسين، تجنبًا لمزيد من الإجراءات الاحتكارية. وعلى الرغم من هذا التراجع، بقيت الشركة تحت المجهر بعدما فرضت عليها بروكسل في مارس غرامة قدرها 1.84 مليار يورو لعرقلة منافسة تطبيقات بث الموسيقى عبر قيود متجر التطبيقات.

ميتا ومخاوف الذكاء الاصطناعي: واتساب في قلب التحقيق
وفيما يخص «ميتا»، فتحت المفوضية الأوروبية في 4 ديسمبر تحقيقًا جديدًا بشأن دمج الشركة خصائص الذكاء الاصطناعي داخل تطبيق «واتساب»، وسط مخاوف تتعلق بحماية الخصوصية والشفافية في استخدام البيانات.
وتعكس هذه الخطوة امتدادًا لمسار طويل من المواجهات، إذ كانت المفوضية قد غرّمت الشركة في نوفمبر 2024 مبلغ 797.72 مليون يورو بسبب ممارسات مسيئة تفضّل خدمة «فيسبوك ماركت بليس» على منافسيها.
كما تتهم المفوضية «ميتا» بعدم الالتزام بقانون الأسواق الرقمية، خصوصًا عبر نموذج «ادفع أو وافق»، الذي يفرض على المستخدمين دفع رسوم أو الموافقة على تتبع الإعلانات، وهو نموذج أثار انتقادات واسعة في الأوساط الحقوقية الأوروبية.
مايكروسوفت وتيك توك: المخالفات تمتد عبر الأطلسي
أما «مايكروسوفت»، فقد واجهت في يونيو 2024 اتهامات رسمية بربط تطبيق «تيمز» بشكل غير قانوني مع مجموعة «أوفيس»، في خطوة اعتبرت أنها تمنع المنافسين من الوصول العادل إلى السوق.
وفي أكتوبر، اتهمت المفوضية الأوروبية شركة «تيك توك» ومعها «ميتا» بعدم منح الباحثين إمكانية الوصول الكافي للبيانات العامة، كما ينص قانون الخدمات الرقمية (DSA). وأظهرت النتائج الأولية أن المنصتين لم تلتزما بتقديم سجل واضح للإعلانات، ما يعوق جهود الكشف عن الإعلانات المضللة.
وتصاعدت الضغوط أكثر على «تيك توك» في مايو عندما وُجهت إليها اتهامات جديدة بعدم الامتثال لمتطلبات نشر سجل الإعلانات، وهو القرار الثاني من نوعه ضمن القانون منذ بدء تطبيقه. وكانت منصة «إكس» التابعة لإيلون ماسك أول من وُجهت له اتهامات مشابهة في العام السابق.

أوروبا تعيد رسم حدود القوة الرقمية
يتضح من حجم الغرامات، واتساع نطاق التحقيقات، وتنوع الجهات التنظيمية المشاركة، أن الاتحاد الأوروبي يرسل رسالة واضحة مفادها أن زمن السيطرة المطلقة لشركات التكنولوجيا الكبرى قد انتهى.
وباتت القارة العجوز تستعد لمرحلة جديدة تتوازن فيها القوى بين الحكومات والمنصات الرقمية، في محاولة لضبط إيقاع سوق بات أكثر تعقيدًا وتأثيرًا من أي وقت مضى.
ومع استمرار التحقيقات واتساع الإطار التشريعي، يبدو أن المواجهة بين أوروبا و«وادي السيليكون» لن تهدأ قريبًا — بل ربما تكون مجرد بداية لحقبة رقابية جديدة ترسم مستقبل التكنولوجيا العالمية.




