حاضنات أعمال ومستثمرين

روبرت هيرجافيك يكشف سر النجاح المهني لجيل زد: لا تتبع شغفك… اتبع ما يستهلك تفكيرك

في خضم التغيّرات العاصفة التي يشهدها سوق العمل العالمي، يواجه جيل زد ضغوطًا متزايدة لم يعهدها أي جيل سابق بالشكل نفسه. فالتنافس الشرس، والتطور التكنولوجي المتسارع، وتقلّب متطلبات التوظيف، جعلوا من العثور على الوظيفة المناسبة مهمة شاقة، تتطلب أكثر من مجرد شغف أو مهارة تقليدية. وفي ظل هذه التحديات، برزت نصيحة لافتة قدّمها روبرت هيرجافيك، نجم برنامج “Shark Tank”، والملياردير العصامي، مستندًا في جزء منها إلى حكمة تعلمها من شريكه السابق مارك كوبان — نصيحة ربما تُعيد صياغة طريقة تفكير هذا الجيل حول العمل والنجاح.

نقل خبرة “روبرت هيرجافيك” إلى الجيل زد

في بداية مسيرته، لم يكن هيرجافيك يعرف بالضبط إلى أين يتجه. كان يفكر في أن يصبح محققًا في الـFBI، أو يعمل في صناعة السينما، قبل أن يكتشف عالم الأمن السيبراني. ومنذ ذلك الحين، لم يستطع التوقف عن التفكير فيه؛ فوجد نفسه مسحوبًا إلى هذا المجال بقوة لم يستطع تجاهلها. هذا الاكتشاف — كما يقول — لم يكن وليد الصدفة، ولا معتمدًا على “الشغف” الذي ينادي به الجميع.

فالوظائف الأولى في حياة أي شاب، بحسب هيرجافيك، قد تكون مجرد وسيلة لدفع الفواتير أو اكتساب الخبرات، لكنها يجب أن تكون خطوات متتابعة نحو الاتجاه الذي تجد نفسك «مهووسًا» به، لا مجرد محب له. فالمجال الذي تستمر في التفكير فيه كل صباح، وتسعى لتعلم المزيد عنه دون كلل، هو ما يمكن أن تبني عليه حياة مهنية حقيقية.

الشغف أم الهوس؟… ما نصيحة هيرجافيك الحقيقية؟

هيرجافيك يعيد تعريف النصائح المهنية التقليدية بإعادة صياغة الفرق بين الشغف والهوس. فبينما يعتبر الشغف رغبة لطيفة وسهلة التعلق بها، يصف الهوس بأنه «فعل مستمر»، جهد يومي، واندفاع لا يتوقف. فالشغف — كما يقول — لا يطالبك بشيء، لكنه أيضًا لا يأخذك إلى أي مكان. أما الهوس، فهو يتطلب منك كل شيء، لكنه في المقابل قادر على أن يجعلك الأفضل في مجالك.

مارك كوبان لخّص هذه الفكرة بعبارات صادمة خلال أحد مواسم التصوير قائلًا:
«الحياة لا تهتم بشغفك.. وأنا أيضًا لا أهتم بشغفك.»
وهي عبارة، رغم قسوتها، تكشف جانبًا مهمًا من الحقيقة: سوق العمل لا يمنح الفرص للأكثر عاطفية، بل للأكثر التزامًا.

بين الطموح والواقعية: كيف يتخذ جيل زد قراراته المهنية؟

يشدد هيرجافيك على أن الهوس وحده لا يكفي. فجيل زد — تحت ضغط الحاجة لتحقيق نجاح سريع — قد يقع في فخ القرارات قصيرة المدى. يقول:
«عندما تبلغ الحادية أو الثانية والعشرين، تكون مهووسًا بالغد. وهذا جيّد لأنه وقود صواريخ… لكن الكثيرين يتخذون قرارات قصيرة الأجل ولا يرون الصورة الكاملة.»

ما يحتاجه هذا الجيل، بحسب رؤيته، هو هذا المزيج النادر بين الهوس الحقيقي، والرؤية طويلة المدى، والصبر على البناء التدريجي.

تحديات المقابلات الوظيفية… اختبار التفكير قبل الخبرات

حتى بعد اختيار المسار المناسب، يكتشف الشباب تحديًا جديدًا: المقابلات الوظيفية. فبرأي هيرجافيك، لم تعد المقابلات مجرد أسئلة تقليدية حول الخبرات، بل أصبحت اختبارات عقلية لقياس القدرة على الصمود والتفكير النقدي.

ويروي هيرجافيك حادثة طريفة لكنها عميقة الدلالة من بداية مسيرته حين خضع لمقابلة مع وارن آفس، مؤسس شركة Avis. بدأ الحوار بسؤال مألوف عن تجاوز التحديات، لكن السؤال التالي جاء صادمًا:
«هل تعتقد أنك تتحكم في مصيرك؟»

وعندما أجاب بـ«نعم»، سأله آفس:
«حسنًا، ماذا لو فقدت القدرة على المشي في حادث؟ هل تظل حينها المتحكم في مصيرك؟»

لم يكن الهدف إيجاد إجابة مثالية، بل اختبار المرونة الذهنية، والقدرة على التفكير خارج القوالب. وهي مهارات يعتبرها هيرجافيك اليوم أهم من أي شهادة جامعية.

كيف يعيد جيل زد تشكيل معادلة النجاح المهني؟

المشهد المهني العالمي يتغير بسرعة، وهذا التغيير تقوده قيم جديدة يتبناها جيل زد، تختلف جذريًا عما يطلبه مديرو التوظيف. دراسة أعدّتها Becoming You Labs على أكثر من 77 ألف شاب، قارنت نتائجها مع آراء 2100 مدير توظيف من قطاعات التكنولوجيا والاستشارات والمصارف والخدمات المهنية. النتيجة؟ فجوة قيمية ضخمة.

قيم جيل زد الأكثر أهمية جاءت كالتالي:

  • العناية بالنفس

  • التعبير الأصيل عن الذات

  • مساعدة الآخرين

هذه القيم تعكس توجهًا نحو رفاهية شخصية أكبر، ورفضًا للأنماط الوظيفية القديمة القائمة على الضغط الدائم والعمل المتواصل.

لكن في المقابل، يرى أصحاب الأعمال أن القيم الأكثر أهمية في المرشح هي:

  • المرونة

  • القدرة على حل المشكلات

  • الالتزام

  • العمل تحت الضغوط

  • المبادرة

هذا التضارب يخلق تحديًا مزدوجًا: جيل يسعى إلى التوازن والإنسانية، وسوق عمل يطلب الانضباط والسرعة والتكيف.


خلاصة… ما الذي يحتاجه جيل زد فعلًا؟

بين نصيحة هيرجافيك، وخبرة كوبان، وما تكشفه الدراسات الحديثة، يبدو أن الرسالة الأساسية لهذا الجيل هي:

لا تبحث فقط عمّا تحبه… بل عمّا لا تستطيع التوقف عن التفكير فيه.
لا تطارد الشغف… بل طوّر الهوس الصحي.
ولا تنظر إلى يومك فقط… بل إلى حياتك بعد عشر سنوات.

جيل زد اليوم يعيد تشكيل قواعد العمل، لكن النجاح — كما يكشف كبار المستثمرين — سيظل ملكًا لمن يجمعون بين الهوس الحقيقي، والقدرة على التكيف، والبصيرة الطويلة.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى