«iRobot» تحت ضغط الرسوم الجمركية والمنافسة الصينية.. هل كانت سياسات ترامب التجارية الشرارة التي عجلت بإفلاس صانعة المكانس الذكية «Roomba»؟
«iRobot».. هل رسوم ترامب الجمركية وراء إفلاس شركة المكانس الكهربائية «رومبا»؟
في تطور لافت داخل سوق الأجهزة المنزلية الذكية، أعلنت شركة iRobot الأمريكية، الرائدة عالميًا في صناعة المكانس الكهربائية الروبوتية وصاحبة العلامة التجارية الشهيرة Roomba، دخولها رسميًا في إجراءات الإفلاس، بعد سنوات من الضغوط المتراكمة التي فرضتها المنافسة الشرسة، والتغيرات الجذرية في سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع التكاليف الناتج عن الرسوم الجمركية الأمريكية.
هذا الإعلان لا يمثل فقط نهاية مرحلة لشركة كانت يومًا ما أيقونة للابتكار التكنولوجي، بل يعكس أيضًا التحولات العميقة التي يشهدها قطاع التكنولوجيا الاستهلاكية، حيث لم تعد الريادة التقنية وحدها كافية لضمان البقاء في سوق عالمي يتسم بسرعة التغير وقسوة المنافسة.

إفلاس «iRobot».. ماذا حدث؟
أوضحت الشركة، في بيان رسمي، أنها تقدمت بطلب إفلاس وفق ما يُعرف بإجراء الفصل 11 المعبأ مسبقًا، وهو نوع من الحماية القانونية يسمح بإعادة هيكلة الديون ونقل الملكية مع الاستمرار في التشغيل، بهدف تقليل الاضطرابات على الموظفين والعملاء وسلاسل التوريد.
وبموجب هذا الإجراء، ستنتقل ملكية شركة iRobot إلى Picea Robotics، وهي الشركة المصنعة الرئيسية لأجهزة iRobot، ومقرها مدينة شنتشن الصينية، في خطوة تعكس التحول الكامل في مركز الثقل الصناعي من الولايات المتحدة إلى آسيا، ليس فقط في التصنيع، بل في الملكية والتحكم الاستراتيجي أيضًا.
بيئة تجارية خانقة وضغوط متعددة
بحسب الوثائق المقدمة إلى الجهات القضائية المختصة، فإن البيئة التجارية الصعبة لعبت الدور الأكبر في دفع الشركة إلى هذا المسار، حيث اضطرت iRobot إلى:
-
خفض أسعار منتجاتها بشكل متكرر للحفاظ على قدرتها التنافسية.
-
زيادة الاستثمارات في تطوير تقنيات جديدة لمواكبة الابتكارات السريعة التي يطرحها المنافسون، خصوصًا من الصين.
-
تحمّل ارتفاع كبير في تكاليف الإنتاج نتيجة الرسوم الجمركية الأمريكية.
وأكدت الشركة أن الرسوم الجمركية الأمريكية التي بلغت 46% على الواردات القادمة من فيتنام – حيث يتم تصنيع معظم أجهزة iRobot المخصصة للسوق الأمريكية – تسببت في زيادة التكاليف بنحو 23 مليون دولار خلال عام واحد فقط، وهو رقم ضخم بالنسبة لشركة تعاني أصلًا من تراجع في الإيرادات وهوامش الربح.
من القمة إلى الهبوط الحاد
قبل سنوات قليلة فقط، كانت iRobot واحدة من أنجح شركات الأجهزة الذكية في العالم. ففي عام 2021، بلغت القيمة السوقية للشركة نحو 3.56 مليار دولار، مستفيدة من الارتفاع الكبير في الطلب على الأجهزة المنزلية الذكية خلال فترة جائحة كورونا، حين أصبح المستهلكون أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا داخل منازلهم.
لكن هذا الازدهار لم يدم طويلًا. فمع انحسار تأثير الجائحة، وعودة أنماط الاستهلاك التقليدية، وظهور منافسين يقدمون منتجات أقل سعرًا وبمواصفات متقاربة، بدأت الشركة تفقد زخمها تدريجيًا.
اليوم، تراجعت القيمة السوقية لشركة iRobot إلى نحو 140 مليون دولار فقط، وهو انخفاض دراماتيكي يعكس حجم الأزمة التي واجهتها.
انهيار في البورصة ورد فعل المستثمرين
رد فعل الأسواق لم يتأخر. ففي يوم الجمعة الماضي، انخفض سهم iRobot بأكثر من 13% في بورصة ناسداك بنيويورك، وهي المنصة التي تضم كبرى شركات التكنولوجيا في العالم.
هذا التراجع الحاد يعكس فقدان ثقة المستثمرين في قدرة الشركة على استعادة مكانتها السابقة، حتى مع إعلانها أن إجراءات الإفلاس لن تؤثر على:
-
عمل تطبيقات Roomba
-
استمرارية سلاسل التوريد
-
خدمات دعم العملاء والصيانة
إلا أن هذه التطمينات لم تكن كافية لتهدئة مخاوف السوق، خصوصًا في ظل انتقال الملكية إلى شركة آسيوية.
منافسة صينية تفرض واقعًا جديدًا
أحد الأسباب الجوهرية لأزمة iRobot هو الصعود القوي للشركات الصينية في سوق المكانس الكهربائية الروبوتية. فقد نجحت هذه الشركات في تقديم منتجات:
-
بأسعار أقل بكثير
-
بمواصفات تقنية متقدمة
-
مع دورات تطوير أسرع
-
وقدرة أعلى على امتصاص الصدمات الجمركية
ومع امتلاكها سلاسل إمداد متكاملة داخل آسيا، أصبحت هذه الشركات أكثر مرونة في مواجهة التقلبات الاقتصادية والسياسية، مقارنة بشركات أمريكية تعتمد على التصنيع الخارجي.

من مختبرات MIT إلى منازل العالم
تأسست شركة iRobot في عام 1990 على يد ثلاثة باحثين من مختبر الذكاء الاصطناعي التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، في تجسيد حي لروح الابتكار الأكاديمي التي تتحول إلى نجاح تجاري.
في سنواتها الأولى، ركزت الشركة على تكنولوجيا الدفاع والفضاء، قبل أن تتجه إلى السوق الاستهلاكية بإطلاق المكنسة الروبوتية Roomba عام 2002، والتي أحدثت ثورة حقيقية في مفهوم تنظيف المنازل.
وسرعان ما تحولت Roomba إلى اسم مرادف للمكانس الروبوتية، تمامًا كما أصبح اسم “Google” مرادفًا للبحث على الإنترنت.
حصص سوقية قوية… لكنها لم تنقذ الشركة
رغم أزمتها الحالية، لا تزال iRobot تحتفظ بحصص سوقية مهمة، إذ تشير بيانات الشركة إلى أن:
-
Roomba تستحوذ على نحو 42% من السوق الأمريكية
-
وتمتلك حوالي 65% من السوق اليابانية للمكانس الكهربائية الروبوتية
لكن هذه الحصص، رغم قوتها، لم تكن كافية لتعويض تراجع الأرباح وارتفاع التكاليف، خاصة مع تحوّل المنافسة من مجرد ابتكار إلى حرب أسعار شرسة.
صفقة أمازون… الفرصة الضائعة
في عام 2022، بدا أن شركة iRobot على وشك الخروج من أزمتها، بعدما أعلنت شركة أمازون عن نيتها الاستحواذ عليها مقابل 1.7 مليار دولار، في صفقة كانت ستعيد رسم مستقبل الشركة بالكامل.
غير أن هذه الصفقة اصطدمت برفض هيئة مراقبة المنافسة التابعة للاتحاد الأوروبي، التي أعربت عن مخاوف تتعلق بالاحتكار واستخدام البيانات، ما أدى في النهاية إلى إحباط الصفقة بالكامل.
ويرى محللون أن فشل هذه الصفقة كان الضربة القاضية لطموحات iRobot في الحفاظ على استقلالها ومكانتها العالمية.
الرسوم الجمركية وسياسات ترامب
لم تكن iRobot وحدها المتضررة من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على الواردات الأجنبية، ضمن سياسة هدفت – بحسب ترامب – إلى تعزيز الصناعة الأمريكية وخلق وظائف محلية.
لكن الواقع أظهر أن العديد من الشركات الأمريكية، التي تعتمد على التصنيع الخارجي، واجهت ارتفاعًا حادًا في التكاليف، ما أضعف قدرتها التنافسية بدلًا من دعمها.
وقد كانت iRobot مثالًا صارخًا على هذا التأثير، حيث تحولت الرسوم الجمركية من أداة حماية إلى عبء ثقيل ساهم في تسريع الانهيار.

من هي شركة Picea Robotics؟
الشركة التي ستتولى ملكية iRobot، وهي Picea Robotics، تُعد واحدة من كبار مصنعي المكانس الكهربائية الروبوتية في العالم. تمتلك الشركة:
-
مرافق بحث وتطوير وإنتاج في الصين وفيتنام
-
أكثر من 7000 موظف حول العالم
-
سجل مبيعات يتجاوز 20 مليون مكنسة كهربائية روبوتية
ويرى مراقبون أن استحواذ Picea على iRobot قد يمنح العلامة التجارية الأمريكية فرصة جديدة للبقاء، ولكن بهوية مختلفة، وتحت إدارة تركز على الكفاءة الصناعية أكثر من الابتكار الرائد.
نهاية رمز… وبداية مرحلة جديدة
إفلاس iRobot لا يعني فقط تعثر شركة، بل يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ التكنولوجيا الاستهلاكية، حيث كانت الشركات الأمريكية هي المحرك الأساسي للابتكار والسيطرة السوقية.
اليوم، يبدو أن المشهد يتغير بسرعة، مع انتقال الريادة الصناعية إلى آسيا، وتحوّل الابتكار إلى سباق عالمي لا يعترف بالأسماء الكبيرة بقدر ما يكافئ السرعة والكلفة والكفاءة.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل تنجح iRobot، تحت ملكية جديدة، في استعادة جزء من بريقها القديم؟
أم أن اسم Roomba سيتحول مع الوقت إلى مجرد ذكرى لحقبة مضت؟




