«Grove» السعودية تغلق جولة تمويل أولية لدعم منظومة المنتجات الزراعية الطازجة

في خطوة تعكس تنامي اهتمام المستثمرين بإعادة تشكيل منظومة الغذاء في المملكة، أعلنت شركة قروڤ (Grove) السعودية المتخصصة في إنتاج وتسويق المنتجات الزراعية الطازجة، عن إغلاق جولتها التمويلية الأولية (Seed) بقيمة 19 مليون ريال سعودي (نحو 5 ملايين دولار أمريكي)، بقيادة صندوق أوتلايرز – Outliers VC، وبمشاركة كل من محمد وأحمد أبناء إبراهيم بن سعيدان، وشركة مدارات للاستثمار، إلى جانب مجموعة من المستثمرين الملائكيين.
وتأتي هذه الجولة في توقيت بالغ الأهمية لقطاع الزراعة والغذاء في المملكة، الذي يشهد تحولات هيكلية متسارعة في ظل مستهدفات رؤية السعودية 2030، الرامية إلى تعزيز الأمن الغذائي، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد، ودعم نماذج الاستدامة في استخدام الموارد الطبيعية.
شركة ناشئة برؤية تتجاوز “بيع الخضار”
تأسست قروڤ في عام 2024 على يد محمد بن غنام وأيمن الفيفي، انطلاقًا من رؤية واضحة تهدف إلى بناء علامة تجارية رائدة في قطاع المنتجات الزراعية، لا تقوم فقط على بيع المنتج النهائي، بل على إعادة تصميم العلاقة بين المزارع والسوق والمستهلك.
ويعتمد نموذج قروڤ التشغيلي على شراكات مباشرة ونوعية مع المزارعين المحليين، مدعومة بنظام تقني متكامل يربط جميع مراحل سلسلة الإمداد – من التخطيط الزراعي المبكر، مرورًا بالإنتاج والحصاد، وصولًا إلى التسويق والتوصيل – في منظومة واحدة تركز على الجودة، والشفافية، وتقليل الهدر.

سوق ضخم… وفجوة تشغيلية عميقة
تشير التقديرات إلى أن حجم القطاع الزراعي المحلي في المملكة يبلغ نحو 118 مليار ريال، في حين تصل قيمة واردات المنتجات النباتية إلى قرابة 40 مليار ريال خلال عام 2025، وهو رقم يعكس حجم الطلب المحلي، لكنه في الوقت ذاته يسلط الضوء على فجوة قائمة بين الإنتاج المحلي واحتياجات المستهلك.
هذه الفجوة – بحسب قروڤ – لا ترتبط بقدرة المزارعين أو محدودية الأراضي فحسب، بل تعود في جوهرها إلى نموذج تشغيلي تقليدي لسلاسل الإمداد، صُمم على مدار عقود ليخدم متطلبات التخزين الطويل والنقل لمسافات بعيدة، أكثر من خدمته لجودة المنتج أو قيمته الغذائية.
ونتج عن هذا النموذج تحديات متراكمة، أبرزها:
-
تذبذب جودة المنتجات.
-
محدودية الخيارات المتاحة للمستهلك.
-
سرعة التلف.
-
ارتفاع نسب الهدر الغذائي.
عندما تحكم الوساطة السوق
ساهمت سلاسل طويلة من الوسطاء والمشغلين المؤقتين في فرض منطق تجاري قصير المدى على القطاع، حيث أصبحت الأولوية لحجم الإنتاج والقدرة على التحمل اللوجستي، لا لجودة المحصول أو استدامته.
وأدى ذلك إلى ممارسات زراعية أضرّت بالمنظومة ككل، مثل:
-
الحصاد المبكر.
-
تجاوز فترات التحريم الآمن للمبيدات.
-
الإفراط في استخدام المياه.
-
التركيز على الشكل الخارجي على حساب القيمة الغذائية.
هذه الممارسات لم تضر بالمستهلك فحسب، بل أضعفت قدرة المزارعين المحليين – لا سيما الشباب منهم – على دخول السوق، وأعاقت تطوير سلاسل إمداد مستقرة وقادرة على التطور.

نموذج بديل: الجودة أولًا
تسعى قروڤ إلى كسر هذه الحلقة عبر بناء نموذج تسويقي يبدأ من المراحل الأولى للإنتاج الزراعي، حيث يتم مواءمة المحاصيل مع طلب السوق الحقيقي، وفق معايير جودة وتسعير واضحة ومتفق عليها مسبقًا.
هذا النموذج يمنح المزارع:
-
وضوحًا أكبر في التخطيط.
-
استقرارًا في الدخل.
-
حوافز حقيقية لتحسين الجودة.
وفي المقابل، يحصل المستهلك على:
-
منتجات طازجة مقطوفة حسب الطلب.
-
تنوع أكبر.
-
شفافية كاملة حول مصدر الغذاء وطريقة إنتاجه.
وقد انعكس هذا النهج عمليًا في مؤشرات أداء لافتة، إذ سجلت قروڤ معدل تكرار شراء بلغ 48%، مع نسبة هدر غذائي تقل عن 5%، وهي أرقام نادرة في قطاع سريع التلف بطبيعته.
استعادة “عقلية ابن الأرض”
وفي تعليقه على فلسفة الشركة، يقول محمد بن غنام، الشريك المؤسس:
“عبر التاريخ، كانت المزارع تُدار عبر أجيال من العائلات، وهو ما خلق ارتباطًا فطريًا بالأرض ومسؤولية تجاه المجتمع. لكن خلال العقود الأخيرة، تحولت صناعة القرار الزراعي إلى قرارات قصيرة المدى، تركز على العائد السريع دون اعتبار حقيقي للأثر البيئي أو الاجتماعي”.
ويضيف أن هذا التحول أدى إلى استنزاف الموارد الطبيعية، لا سيما المياه والتربة، وهو تحدٍ بالغ الخطورة في بلد مثل المملكة العربية السعودية، حيث يشكل شح المياه واقعًا قائمًا لا يمكن تجاهله.
التقنية في خدمة الاستدامة
تعمل قروڤ على تمكين المزارعين من خلال البيانات والمعرفة والأدوات التقنية، بما يساعدهم على:
-
تحسين كفاءة استخدام المياه.
-
تقليل الاعتماد على المبيدات الثقيلة.
-
الحفاظ على صحة التربة على المدى الطويل.
ويصف بن غنام هذا التوجه بأنه محاولة لإحياء عقلية “ابن الأرض” الحارس الأمين، الذي يفكر في الأثر الممتد لقراراته، لا في نتائج الموسم الواحد فقط.
تجربة شخصية تحولت إلى مشروع
أما أيمن الفيفي، الشريك المؤسس، فيربط فكرة قروڤ بتجربة شخصية كأب، حين لاحظ التغير الجذري في علاقة أطفاله بالفواكه والخضروات عندما بدأت تصلهم مباشرة من المزارع.
ويقول:
“كانت لحظة بسيطة، لكنها كشفت لي أن قرب الغذاء من مصدره وجودته يغيران علاقتنا بالطعام بالكامل. ومع الوقت، أدركت أن المشكلة ليست في المزارعين، بل في نماذج تشغيلية تضع الكفاءة اللوجستية فوق جودة الغذاء واستمراريته”.
ويرى الفيفي أن التغيير الحقيقي لا يتم عبر الخطاب أو المواجهة، بل عبر بناء بدائل عملية تثبت نفسها على أرض الواقع، وهو ما تسعى قروڤ إلى تحقيقه.
ثقة استثمارية في نموذج مختلف
من جانبه، أوضح محمد المشيقح، المؤسس والشريك العام في Outliers VC، أن الاستثمار في قروڤ جاء انطلاقًا من قناعة بأن الوصول إلى منتجات زراعية محلية عالية الجودة لم يعد ترفًا، بل حاجة أساسية ترتبط بصحة المجتمع واستدامته.

وأضاف:
“ما جذبنا في قروڤ ليس المنتج بحد ذاته، بل طريقة تفكير المؤسسين في إعادة بناء العلاقة بين المزارع والسوق. هذا النموذج يملك القدرة على إحداث أثر طويل الأمد يتجاوز حدود شركة واحدة”.
ما بعد الجولة التمويلية
تعتزم قروڤ توظيف التمويل الجديد في:
-
توسيع شبكة المزارعين الشركاء.
-
تطوير بنيتها التقنية.
-
تعزيز حضورها في السوق السعودي.
-
الاستثمار في الابتكار الزراعي المستدام.
نحو منظومة غذائية أكثر عدالة
في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي عالميًا، تمثل تجربة قروڤ نموذجًا محليًا واعدًا لإعادة التفكير في كيفية إنتاج الغذاء وتسويقه واستهلاكه، ليس فقط بوصفه سلعة، بل كعنصر أساسي في صحة الإنسان واستدامة المجتمع والاقتصاد.




