يلا تيك

هدنة في معركة الخصوصية.. «جوجل» تتفادى غرامات بمليارات الدولارات

نجحت شركة «جوجل»، التابعة لمجموعة «ألفابت»، في تفادي واحدة من أكبر العقوبات المالية المحتملة في تاريخ قضايا الخصوصية الرقمية بالولايات المتحدة، بعدما أقنعَت قاضيًا اتحاديًا في مدينة سان فرانسيسكو برفض طلبات تقدّم بها مستهلكون لفرض عقوبات إضافية تتجاوز قيمتها ملياري دولار، على خلفية اتهام الشركة بجمع بيانات مستخدمين رغم تعطيلهم إعدادات الخصوصية الرئيسة.

وجاء قرار القاضي الاتحادي «ريتشارد سيبورج»، رئيس المحكمة الجزئية الأمريكية، ليضع حدًا لمحاولة المدّعين إجبار «جوجل» على التخلي عن نحو 2.36 مليار دولار، باعتبارها أرباحًا “غير مشروعة” حققتها الشركة من ممارسات تتبع بيانات التطبيقات، إلى جانب طلبهم إصدار أمر قضائي دائم يُلزم الشركة بوقف بعض ممارسات جمع البيانات المرتبطة بالإعلانات.

خلفية القضية… خصوصية معطّلة وبيانات تُجمع

تعود جذور النزاع إلى دعوى جماعية رفعها ملايين المستخدمين في الولايات المتحدة، اتهموا فيها «جوجل» بمواصلة جمع بيانات نشاط التطبيقات واستخدامها لأغراض تحليلية وإعلانية، رغم قيامهم بتعطيل إعدادات تتبع النشاط داخل حساباتهم الشخصية.

ووفقًا لملف القضية، فإن المستخدمين اعتقدوا أن إيقافهم لخيار “نشاط التطبيقات والويب” يعني بالضرورة توقف «جوجل» عن جمع بيانات استخدامهم للتطبيقات المختلفة، غير أن الشركة – بحسب ما خلصت إليه هيئة المحلفين لاحقًا – استمرت في جمع بعض هذه البيانات بطرق لم تكن واضحة أو مفهومة بشكل كافٍ للمستهلكين.

هدنة في معركة الخصوصية.. «جوجل» تتفادى غرامات بمليارات الدولارات
هدنة في معركة الخصوصية.. «جوجل» تتفادى غرامات بمليارات الدولارات

حكم هيئة المحلفين… إدانة دون تجريد من الأرباح

في سبتمبر الماضي، أصدرت هيئة محلفين فيدرالية حكمًا اعتُبر آنذاك ضربة قوية لـ«جوجل»، حيث خلصت إلى مسؤولية الشركة عن جمع بيانات المستخدمين سرًا، ومنحت المدّعين تعويضات مالية بلغت 425 مليون دولار.

ورغم ضخامة هذا المبلغ، فإنه جاء أقل بكثير من المطالبات الأصلية التي تقدم بها المدّعون، والتي وصلت إلى نحو 31 مليار دولار، استنادًا إلى تقديراتهم لحجم الأرباح التي حققتها «جوجل» من استخدام هذه البيانات عبر الإعلانات والخدمات التحليلية.

كما أصدرت هيئة المحلفين حكمًا استشاريًا اعتبرت فيه أن تجريد «جوجل» من الأرباح – أي إلزامها بإعادة ما حققته من مكاسب مالية – لم يكن مبررًا قانونيًا في هذه القضية، وهو ما مهّد الطريق أمام القاضي لرفض هذا الطلب لاحقًا بشكل نهائي.

رفض العقوبات الإضافية… والقاضي يحسم الجدل

وفي قراره الصادر يوم الجمعة، رفض القاضي «سيبورج» الطلب المقدم من المدّعين بفرض عقوبات مالية إضافية تتجاوز ملياري دولار، كما رفض إصدار أمر قضائي دائم يمنع «جوجل» من الاستمرار في ممارسات جمع بيانات الإعلانات.

وأكد القاضي في حيثيات حكمه أن المدّعين فشلوا في إثبات وجود “ضرر مستقبلي لا يمكن إصلاحه”، وهو شرط أساسي لإصدار أوامر قضائية دائمة بموجب القانون الأمريكي.

كما اعتبر أن التقديرات التي قدمها المدّعون حول الأرباح المزعومة التي حققتها «جوجل» كانت “مدعومة بشكل غير كافٍ” من الناحية القانونية والفنية، ولم ترقَ إلى مستوى الإثبات المطلوب لتبرير تجريد الشركة من أرباحها.

موقف «جوجل»… إنكار واستئناف مرتقب

من جانبها، نفت «جوجل» مرارًا ارتكاب أي مخالفات متعمدة، مؤكدة أن سياسات الخصوصية الخاصة بها كانت متاحة للمستخدمين، وأن جمع البيانات يتم لأغراض تشغيلية وتحليلية ضرورية لتحسين الخدمات.

وأعلنت الشركة أنها ستتقدم باستئناف رسمي على حكم سبتمبر الذي أدانها وجعلها مسؤولة عن دفع 425 مليون دولار تعويضات، في خطوة تعكس تمسكها بموقفها القانوني وسعيها لتقليص الخسائر المالية والمعنوية.

وفي الوقت نفسه، رفض القاضي طلب «جوجل» بإلغاء اعتماد فئة المدّعين في الدعوى الجماعية، والتي تمثل نحو 98 مليون مستخدم و174 مليون جهاز، ما يعني بقاء نطاق القضية كما هو دون تقليص عدد المتضررين قانونيًا.

المدّعون: الممارسات مستمرة رغم الحكم

على الجانب الآخر، أكد محامو المدّعين أن القضية لا تتعلق فقط بالتعويضات المالية، بل بجوهر الحق في الخصوصية الرقمية، مشيرين إلى أن «جوجل» – بحسب قولهم – لم تُجرِ تغييرات جوهرية على إفصاحات الخصوصية أو ممارسات جمع البيانات، حتى بعد صدور حكم هيئة المحلفين.

واعتبر المدّعون أن استمرار هذه الممارسات يشكّل تهديدًا طويل الأمد لخصوصية المستخدمين، ويبرر – من وجهة نظرهم – فرض قيود قضائية صارمة على أنشطة الشركة المتعلقة بجمع البيانات.

رد «جوجل»: أي قيود ستشلّ منظومة التطبيقات

في المقابل، حذّرت «جوجل» من أن إصدار أوامر قضائية تمنعها من جمع البيانات المرتبطة بحسابات المستخدمين سيؤدي إلى “شلل شبه كامل” في خدمات التحليلات، التي يعتمد عليها ملايين مطوري التطبيقات في الولايات المتحدة وحول العالم.

وأكدت الشركة أن هذه البيانات تشكّل العمود الفقري لمنظومة الإعلانات الرقمية، وتُستخدم كذلك في تحسين أداء التطبيقات، واكتشاف الأعطال، وتطوير ميزات الأمان، معتبرة أن تقييدها بشكل جذري سيضر بالمستخدمين والمطورين على حد سواء.

الخصوصية في قلب صراع أكبر

ويأتي هذا الحكم في سياق سلسلة طويلة من القضايا والتحقيقات التي تواجهها «جوجل» داخل الولايات المتحدة وخارجها، تتعلق بهيمنتها على سوق البحث والإعلانات الرقمية، وسيطرتها الواسعة على البيانات الشخصية للمستخدمين.

ففي السنوات الأخيرة، صعّدت الجهات التنظيمية الأمريكية والأوروبية من ضغوطها على شركات التكنولوجيا الكبرى، مطالبة بمزيد من الشفافية، وقيود أشد على استخدام البيانات، وسط تنامي القلق العام بشأن الخصوصية، والذكاء الاصطناعي، واستغلال المعلومات الشخصية لأغراض تجارية.

ما بعد الحكم… سابقة قانونية أم محطة عابرة؟

ورغم أن «جوجل» نجحت في تجنب عقوبة بمليارات الدولارات، فإن الحكم لا يُعد انتصارًا كاملًا لها، إذ يكرّس مبدأ مساءلة الشركات التقنية الكبرى عن ممارسات جمع البيانات، حتى في الحالات التي يعتقد فيها المستخدمون أنهم محميون بإعدادات الخصوصية.

كما أن استمرار القضية في مرحلة الاستئناف، إلى جانب القضايا الأخرى المفتوحة ضد الشركة، يعني أن ملف الخصوصية سيظل حاضرًا بقوة في مستقبل «جوجل» القانوني والتنظيمي.

وفي المحصلة، تعكس هذه القضية الصراع المتصاعد بين نماذج الأعمال الرقمية القائمة على البيانات، وحقوق المستخدمين في الخصوصية، وهو صراع مرشح للتصاعد أكثر مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، واتساع الاعتماد على البيانات في مختلف جوانب الحياة الرقمية.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى