حاضنات أعمال ومستثمرين

لماذا قد يفضّل مساهمو «وارنر برذرز ديسكفري» عرض باراماونت النقدي على صفقة نتفليكس رغم تصاعد المنافسة؟

تعيش شركة «وارنر برذرز ديسكفري» (WBD) واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخها، مع دخولها قلب صراع استحواذ معقّد تتداخل فيه الحسابات المالية، والمخاوف التنظيمية، وطموحات عمالقة البث العالمي. فبين عرض نقدي كامل تقدّمت به باراماونت بقيمة 30 دولارًا للسهم الواحد، وعرض منافس من نتفليكس يركّز على الاستوديوهات ومنصة البث «HBO Max»، يجد المساهمون أنفسهم أمام قرار مصيري قد يعيد رسم خريطة صناعة الإعلام والترفيه عالميًا.

وبحسب الإفصاحات الأخيرة، فإن مساهمي «وارنر برذرز ديسكفري» يملكون مهلة مبدئية حتى 21 يناير لتقديم أسهمهم إلى باراماونت مقابل السعر النقدي المعروض. غير أن هذا الموعد النهائي لا يزال مرنًا، إذ تمتلك باراماونت الحق في تمديده حتى موعد انعقاد الاجتماع السنوي لشركة WBD، وهو الاجتماع الذي لم يُعلن عن تاريخه بعد، رغم انعقاده هذا العام في 2 يونيو، ما يفتح الباب أمام أسابيع إضافية من المفاوضات والضغوط والمساومات خلف الكواليس.


صفقة محتملة تعيد تشكيل الشركة بالكامل

في حال نجاح باراماونت في الاستحواذ على 51% من الأسهم القائمة لشركة WBD، فإنها ستضمن السيطرة الإدارية الكاملة على الشركة، بما في ذلك أصولها السينمائية العملاقة، ومنصات البث، وشبكاتها التلفزيونية. هذا السيناريو من شأنه أن يُجهض فعليًا التوصية السابقة لمجلس إدارة «وارنر برذرز ديسكفري» التي وافق بموجبها على بيع الاستوديوهات السينمائية وأصول البث المباشر إلى نتفليكس.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن مجلس الإدارة، رغم موافقته المبدئية على صفقة نتفليكس، بات يواجه ضغوطًا متزايدة من كبار المساهمين الذين يرون في عرض باراماونت النقدي فرصة أكثر وضوحًا وأقل مخاطرة، خاصة في ظل التقلبات الحادة التي تشهدها أسهم شركات التكنولوجيا والإعلام.


بين نتفليكس وباراماونت: أيام حاسمة لإقناع المساهمين

في الأيام والأسابيع المقبلة، من المتوقع أن تكثّف كل من نتفليكس وباراماونت اتصالاتها مع مساهمي WBD، في محاولة لترجيح كفة العرض الخاص بها. فالمعركة لم تعد محصورة في الأرقام المعلنة، بل تمتد إلى إقناع المستثمرين بالرؤية الاستراتيجية طويلة الأجل، ومدى قابلية كل صفقة للحصول على الموافقات التنظيمية دون عراقيل.

وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي يخيّم على المشهد:
هل يقبل المساهمون العرض الحالي؟ أم ينتظرون تصعيدًا قد يقود إلى حرب مزايدة تاريخية؟


نظرية الألعاب تدخل المشهد

القرار الذي يواجهه مساهمو «وارنر برذرز ديسكفري» لا يمكن اختزاله في مقارنة بسيطة بين سعرين. فالأمر أقرب إلى لعبة استراتيجية معقّدة، حيث قد يفضّل بعض المستثمرين الدفع باتجاه تصعيد المنافسة بين الطرفين، على أمل تحقيق أعلى عائد ممكن، بغض النظر عن هوية المشتري النهائي.

ويجادل محللون بأن مجرد إبداء عدد كافٍ من المساهمين استعدادهم لتقديم أسهمهم إلى باراماونت، قد يدفع نتفليكس إلى تحسين عرضها، وهو ما قد يجرّ باراماونت بدورها إلى رفع السعر، في سيناريو كلاسيكي لحرب مزايدة لا رابح فيها سوى المساهمين.


لماذا قد يختار المساهمون عرض باراماونت؟

رغم تعقيد المشهد، هناك سببان رئيسيان قد يدفعان المساهمين إلى تفضيل عرض باراماونت في مرحلته الحالية:

أولًا: القيمة النقدية الواضحة

عرض باراماونت يبلغ 30 دولارًا نقدًا للسهم الواحد مقابل الاستحواذ على الشركة بالكامل، وهو رقم يفوق بشكل مباشر عرض نتفليكس البالغ 27.75 دولارًا للسهم الواحد، والذي يقتصر على الاستوديوهات السينمائية ومنصة «HBO Max» دون باقي الأصول.

الفارق هنا لا يقتصر على القيمة الاسمية، بل يمتد إلى طبيعة العرض نفسه. فبينما تطرح باراماونت صفقة نقدية كاملة تضمن للمساهمين عائدًا فوريًا وواضحًا، يتضمن عرض نتفليكس عنصرًا من الأسهم بنسبة تقارب 16%، إضافة إلى ما يُعرف في الأوساط المالية بـ«القلادة»، وهو هيكل مالي يجعل القيمة النهائية للأسهم المستلمة غير مؤكدة حتى إتمام الصفقة فعليًا.

ثانيًا: إشعال حرب مزايدة

قد يرى بعض المساهمين أن قبول عرض باراماونت أو التلويح به، هو أفضل وسيلة لدفع نتفليكس إلى العودة بعرض أعلى. فباراماونت نفسها ألمحت إلى أن عرضها الحالي ليس العرض النهائي، ما يعني أن الباب مفتوح أمام تحسين الشروط إذا اقتضت المنافسة ذلك.

لماذا قد يفضّل مساهمو «وارنر برذرز ديسكفري» عرض باراماونت النقدي على صفقة نتفليكس رغم تصاعد المنافسة؟
لماذا قد يفضّل مساهمو «وارنر برذرز ديسكفري» عرض باراماونت النقدي على صفقة نتفليكس رغم تصاعد المنافسة؟

عامل الموافقات التنظيمية: كلمة السر في القرار

أحد أكثر العوامل حساسية في هذا الصراع يتمثل في احتمالات الحصول على الموافقات التنظيمية. وهنا تبدو كفة باراماونت، في نظر كثير من المستثمرين، أكثر توازنًا.

فاستحواذ نتفليكس على استوديوهات «وارنر برذرز» ومنصة «HBO Max» سيؤدي إلى تركيز غير مسبوق في سوق البث المباشر، خاصة أن نتفليكس تمتلك بالفعل أكثر من 300 مليون مشترك حول العالم. هذا الحجم الضخم أثار مخاوف سياسية وتنظيمية، وصلت إلى أروقة الكونغرس الأمريكي، بل وأشار إليها علنًا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معتبرًا أن الصفقة قد تطرح إشكاليات تتعلق بحصة السوق والمنافسة العادلة.

في المقابل، تروج باراماونت لفكرة أن دمج «Paramount+» مع «HBO Max» يشكل خطرًا أقل على المنافسة، نظرًا لأن عدد مشتركي «باراماونت+» لا يتجاوز 80 مليون مشترك، ما يجعل الكيان الناتج أقل هيمنة مقارنة بسيناريو نتفليكس.


مستقبل «ديسكفري جلوبال».. نقطة الخلاف الكبرى

أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في الصفقة يتمثل في مصير «ديسكفري جلوبال»، وهي مجموعة شبكات الكابل الخطية التي تضم علامات بارزة مثل CNN وTNT وDiscovery وHGTV وTBS، والتي تخطط WBD لفصلها لتصبح كيانًا مستقلاً مدرجًا في البورصة بحلول منتصف عام 2026، في حال عدم بيع الشركة بالكامل.

الرئيس التنفيذي لشركة «باراماونت سكاي دانس»، ديفيد إليسون، صرّح صراحة في وقت سابق من هذا الشهر بأنه يقيّم سهم «ديسكفري جلوبال» عند دولار واحد فقط، مستندًا إلى توقعاته بشأن المضاعفات المحتملة لتداول شبكات الكابل الخطية، والتي قد لا تتجاوز ضعف الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك، وفقًا لتقييمات السوق الحالية.

هذا التقييم المتواضع يثير مخاوف لدى بعض المساهمين من أن الاحتفاظ بـ«ديسكفري جلوبال» كشركة مستقلة قد لا يضيف قيمة حقيقية على المدى المتوسط أو الطويل.


منطق باراماونت: معادلة الثلاثين دولارًا

تلخّص باراماونت حجتها في معادلة بسيطة:
30 دولارًا نقدًا للسهم الواحد مقابل شركة كاملة، مقارنة بـ 27.75 دولارًا لجزء من الأصول، مضافًا إليه دولار واحد تقديري لقيمة «ديسكفري جلوبال».

وترى باراماونت أن عرضها لا يقدّم فقط قيمة أعلى، بل يقلل أيضًا من المخاطر المرتبطة بتقلبات أسهم نتفليكس، وعدم وضوح القيمة النهائية للأسهم التي سيحصل عليها المساهمون في حال إتمام الصفقة المنافسة.


حرب المزايدات.. السيناريو الأكثر ترجيحًا؟

في نهاية المطاف، قد لا يكون الهدف الحقيقي لبعض المساهمين هو بيع الشركة إلى باراماونت أو نتفليكس بحد ذاته، بل تعظيم المكاسب عبر دفع الطرفين إلى رفع عروضهما. ومع إشارة إليسون الواضحة إلى أن عرض باراماونت الحالي قابل للتحسين، تزداد احتمالات دخول الصفقة مرحلة جديدة من التصعيد.

ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل نشهد واحدة من أشرس حروب الاستحواذ في تاريخ صناعة الإعلام؟ أم سينجح أحد الطرفين في حسم المعركة مبكرًا؟

ما هو مؤكد أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة، ليس فقط لمستقبل «وارنر برذرز ديسكفري»، بل لمشهد الإعلام العالمي بأكمله، في وقت تتسارع فيه وتيرة الاندماجات، وتضيق فيه هوامش المنافسة، وتصبح القرارات الاستراتيجية أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى