فيرلي الفرنسية تحصد 32 مليون يورو للتوسع في تصنيع بروتين الحليب مخبرياً دون الاعتماد على الأبقار

في خطوة تعكس التحول المتسارع في صناعة الأغذية البديلة على مستوى العالم، نجحت شركة Verley الفرنسية الناشئة في جمع تمويل جديد بقيمة 32 مليون يورو، ما يعادل نحو 37.6 مليون دولار، بهدف توسيع إنتاج بروتين مصل اللبن المصنع مخبرياً، والاستعداد لطرحه تجارياً في السوق الأمريكي قبل نهاية العام الجاري. ويأتي هذا التطور في توقيت حرج تشهد فيه الأسواق العالمية نقصاً متزايداً في إمدادات البروتينات التقليدية، خاصة تلك المستخلصة من حليب الأبقار، ما يفتح الباب أمام بدائل تكنولوجية أكثر استدامة وكفاءة.
التمويل الجديد يمثل دفعة قوية للشركة التي تأسست قبل أربع سنوات فقط، إذ ارتفع إجمالي ما جمعته من استثمارات إلى أكثر من 50 مليون يورو منذ انطلاقها. وقد قاد الجولة الاستثمارية صندوق Alven المتخصص في دعم الشركات التكنولوجية الناشئة ومقره باريس، بمشاركة بنك الاستثمار الحكومي الفرنسي Bpifrance إلى جانب عدد من الجهات الاستثمارية الأخرى التي تراهن على مستقبل البروتينات البديلة كأحد أعمدة الأمن الغذائي العالمي.
هذا التمويل لم يأتِ من فراغ، بل سبقه إنجاز تنظيمي مهم تمثل في حصول الشركة على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية Food and Drug Administration، المعروفة اختصاراً بـ FDA، ما يسمح لها بطرح بروتينها المصنع مخبرياً في الأسواق الأمريكية للاستخدام في المنتجات الغذائية والمشروبات، باعتباره بديلاً آمناً ومطابقاً وظيفياً لبروتين مصل اللبن التقليدي.
تعتمد “فيرلي” في إنتاجها على تقنية تُعرف باسم “التخمير الدقيق”، وهي تقنية حيوية متقدمة تقوم على استخدام كائنات دقيقة معدلة وراثياً لإنتاج بروتينات مطابقة لتلك الموجودة طبيعياً في الحليب. وبدلاً من الاعتماد على الأبقار لاستخلاص مصل اللبن، يتم إدخال الشفرة الجينية المسؤولة عن إنتاج بروتين “بيتا-لاكتوجلوبولين” إلى كائنات دقيقة تُغذى في بيئة مخبرية خاضعة للرقابة. وخلال عملية التخمير، تقوم هذه الكائنات بإنتاج البروتين المستهدف بكفاءة عالية، ليتم بعد ذلك استخلاصه وتنقيته ليصبح جاهزاً للاستخدام الصناعي.

بروتين “بيتا-لاكتوجلوبولين” يُعد المكون الأساسي في مصل اللبن، وهو المسؤول عن القيمة الغذائية المرتفعة التي تجعل منتجات الواي بروتين خياراً مفضلاً لدى الرياضيين ومحبي اللياقة البدنية. يتميز هذا البروتين بقدرته العالية على الذوبان وسرعة الامتصاص في الجسم، إضافة إلى احتوائه على نسب مرتفعة من الأحماض الأمينية الأساسية، ما يجعله عنصراً محورياً في مكملات التغذية الرياضية والمشروبات عالية البروتين.
وتسعى الشركة من خلال استثماراتها الجديدة إلى إنشاء خطوط إنتاج قادرة على تلبية الطلب المتنامي في الولايات المتحدة، حيث تعاني السوق من نقص في إمدادات مصل اللبن التقليدي. وتشير بيانات القطاع إلى أن معظم عقود توريد مصل اللبن في أمريكا محجوزة حتى عام 2026، نتيجة الطلب المرتفع من شركات الأغذية والمشروبات، خاصة تلك العاملة في مجالات التغذية الصحية والمكملات الرياضية.
هذا العجز في الإمدادات يضع المصنعين أمام تحديات تتعلق باستقرار الأسعار وضمان التوريد طويل الأجل، وهو ما تحاول “فيرلي” معالجته من خلال تقديم مصدر بديل ومستقر للبروتين، لا يعتمد على تقلبات الإنتاج الزراعي أو أسعار الأعلاف أو العوامل المناخية التي تؤثر في إنتاج الحليب.
ولا يقتصر تميز البروتين المصنع مخبرياً على كونه بديلاً تقنياً فحسب، بل يمتد إلى مزايا بيئية واضحة. فإنتاج البروتين عبر التخمير الدقيق يقلل بشكل كبير من استهلاك الأراضي الزراعية والمياه، ويخفض انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بتربية الأبقار وصناعة الألبان. وفي ظل الضغوط المتزايدة لتحقيق أهداف الاستدامة وخفض البصمة الكربونية، تمثل هذه التقنية خياراً جذاباً للشركات التي تسعى إلى تحسين سجلها البيئي دون التضحية بالجودة أو الأداء الوظيفي لمنتجاتها.
كما يتميز بروتين “فيرلي” بأنه عديم الطعم تقريباً، ويتحمل درجات الحرارة العالية، ما يجعله مناسباً للاستخدام في مجموعة واسعة من التطبيقات الغذائية، بدءاً من المشروبات الجاهزة وحتى المنتجات المخبوزة والحلويات. وهذه الخاصية تمنح الشركات المصنعة مرونة أكبر في تطوير منتجات جديدة دون الحاجة إلى تعديلات كبيرة في النكهات أو التركيبات.
ومن بين الاستخدامات الواعدة لهذا البروتين ما يُعرف بمشروبات “Protein Shots”، وهي مشروبات صغيرة الحجم عالية التركيز، تتطلب بروتيناً يذوب بسرعة ولا يترسب في قاع العبوة. البروتين التقليدي قد يواجه تحديات في هذا الجانب، بينما يوفر البروتين المصنع مخبرياً خصائص ذوبان أفضل وثباتاً أعلى في القوام، ما يعزز جاذبية المنتج النهائي للمستهلك.
الرهان على السوق الأمريكية ليس عشوائياً، إذ تُعد الولايات المتحدة أكبر سوق عالمي لمكملات البروتين والتغذية الرياضية، مع قاعدة واسعة من المستهلكين الذين يبحثون عن منتجات عالية الجودة ومتوافقة مع معايير الاستدامة. كما أن البيئة التنظيمية الواضحة، بعد الحصول على موافقة FDA، توفر إطاراً قانونياً يسمح للشركة بالتحرك بثقة نحو التوسع التجاري.
ورغم أن مفهوم البروتين المصنع مخبرياً قد يبدو جديداً للبعض، فإنه جزء من موجة أوسع من الابتكارات في قطاع “الأغذية الدقيقة” أو “Precision Fermentation”، الذي شهد نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة. هذا القطاع لا يقتصر على بروتينات الحليب فحسب، بل يشمل أيضاً إنتاج إنزيمات وفيتامينات ومكونات غذائية أخرى باستخدام تقنيات حيوية متقدمة.
بالنسبة لفرنسا وأوروبا عموماً، يمثل نجاح “فيرلي” نموذجاً للشركات الناشئة القادرة على الجمع بين البحث العلمي العميق والقدرة على جذب استثمارات دولية. كما يعكس ثقة المستثمرين في جدوى النماذج القائمة على التكنولوجيا الحيوية لمعالجة تحديات الغذاء والطاقة والبيئة.
ويرى محللون أن الطلب العالمي على البروتين سيواصل الارتفاع خلال العقود المقبلة، مدفوعاً بالنمو السكاني وتغير أنماط الاستهلاك وارتفاع مستويات الدخل في العديد من الدول. في المقابل، تواجه أنظمة الإنتاج التقليدية ضغوطاً متزايدة بسبب محدودية الموارد الطبيعية والتغير المناخي. ومن هنا، تبرز الحلول البديلة، مثل التخمير الدقيق، كأحد المسارات الاستراتيجية لسد الفجوة بين العرض والطلب.
ومع أن الطريق لا يخلو من تحديات، سواء على مستوى توسيع نطاق الإنتاج أو خفض التكاليف لتكون منافسة للبروتين التقليدي، فإن التمويل الجديد يمنح “فيرلي” القدرة على الاستثمار في البنية التحتية الصناعية، وتحسين كفاءة العمليات، وبناء شراكات مع شركات الأغذية الكبرى في الولايات المتحدة.
كما أن وجود مستثمرين ذوي خبرة مثل Alven وBpifrance يعزز من فرص الشركة في التوسع الدولي، سواء عبر اتفاقيات توريد طويلة الأجل أو من خلال شراكات استراتيجية لتطوير منتجات مشتركة تحمل قيمة مضافة أعلى.
في المحصلة، لا يمثل جمع 32 مليون يورو مجرد جولة تمويل جديدة لشركة ناشئة، بل يعكس تحولاً أوسع في خريطة صناعة البروتين عالمياً. فبينما كانت الأبقار لعقود المصدر الرئيسي لمصل اللبن، تفتح التكنولوجيا الحيوية اليوم آفاقاً لإنتاج نفس البروتين، أو ما يطابقه تماماً، داخل خزانات تخمير مخبرية، بكفاءة أعلى وبصمة بيئية أقل.
ومع اقتراب موعد طرح المنتج في السوق الأمريكية قبل نهاية العام، ستتجه الأنظار إلى مدى قدرة “فيرلي” على ترجمة ابتكارها العلمي إلى نجاح تجاري واسع النطاق. فإذا تمكنت من إثبات قدرتها على تلبية الطلب بجودة مستقرة وسعر تنافسي، فقد تصبح نموذجاً يحتذى به في سباق عالمي لإعادة تعريف مصادر البروتين في القرن الحادي والعشرين.




