عاصفة في سباق الذكاء الاصطناعي.. «DeepSeek» الصينية تستخدم رقائق «Nvidia» المتقدمة متحدّية القيود الأمريكية

في قلب سباق عالمي محتدم على ريادة الذكاء الاصطناعي، تفجّرت تقارير جديدة أعادت إشعال التوتر بين واشنطن وبكين، بعدما كشف مسؤول رفيع في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن شركة DeepSeek الصينية الناشئة قامت بتدريب أحدث نماذجها باستخدام أقوى رقائق الذكاء الاصطناعي التي تطورها Nvidia، والمعروفة باسم Blackwell، وذلك رغم الحظر الأمريكي الصارم المفروض على تصدير هذه الرقائق إلى الصين.
وبحسب ما نقلته رويترز، فإن النموذج الجديد الذي تعمل DeepSeek على إطلاقه خلال أيام قليلة تم تدريبه باستخدام رقائق Blackwell، في خطوة قد تمثل، إذا ما ثبتت صحتها، انتهاكًا مباشرًا لضوابط التصدير الأمريكية. وأشار المسؤول الأمريكي إلى أن لدى واشنطن اعتقادًا بأن الشركة الصينية قد تعمد إلى إزالة أو تعديل مؤشرات تقنية يمكن أن تكشف مصدر الرقائق المستخدمة، في محاولة لتفادي أي تتبع تقني قد يثبت استخدامها لمكونات أمريكية محظورة.
اللافت في هذه المعلومات أن الرقائق، وفقًا للتقديرات الأمريكية، جرى تجميعها داخل مركز بيانات تابع للشركة في منطقة منغوليا الداخلية، وهي منطقة ذاتية الحكم في الصين تضم بنية تحتية رقمية متنامية. غير أن المسؤول ذاته رفض الكشف عن الكيفية التي حصلت بها الحكومة الأمريكية على هذه المعلومات، كما امتنع عن توضيح المسار الذي مكّن DeepSeek من الوصول إلى تلك الرقائق، مكتفيًا بتأكيد موقف بلاده الحاسم بقوله إن السياسة الأمريكية واضحة ولا يتم شحن رقائق Blackwell إلى الصين.

تأتي هذه التطورات في سياق منظومة واسعة من القيود التي تشرف عليها وزارة التجارة الأمريكية، والتي تحظر تصدير أكثر الرقائق تطورًا إلى الصين باعتبارها من جواهر التاج في الصناعة التكنولوجية الأمريكية. ويعكس هذا النهج قلقًا متزايدًا في واشنطن من أن تسهم هذه التقنيات في تعزيز القدرات العسكرية الصينية أو في تقليص الفجوة التقنية بين القوتين العظميين في مجالات الحوسبة المتقدمة والذكاء الاصطناعي.
خلال الأشهر الماضية، شهدت السياسة الأمريكية تجاه صادرات الرقائق حالة من المد والجزر. ففي أغسطس الماضي، فتح ترامب الباب أمام Nvidia لبيع نسخة مخفّضة الأداء من Blackwell داخل السوق الصينية، في محاولة لتحقيق توازن بين المصالح التجارية والاعتبارات الأمنية. غير أنه عاد وتراجع عن هذا التوجه، مؤكدًا أن أكثر الرقائق تقدمًا يجب أن تخصص للشركات الأمريكية وألا تجد طريقها إلى الصين. وفي ديسمبر، سمحت الإدارة للشركات الصينية بشراء ثاني أكثر رقائق إنفيديا تقدمًا، المعروفة باسم H200، وهو قرار أثار انتقادات حادة من التيار المتشدد تجاه الصين، رغم أن الشحنات الفعلية ظلت متوقفة بفعل الاشتراطات التنظيمية المعقدة.
امتنعت Nvidia عن التعليق على ما أوردته رويترز، كما لم تستجب وزارة التجارة الأمريكية أو DeepSeek لطلبات التعقيب. من جهتها، أكدت السفارة الصينية في واشنطن أن بكين تعارض ما وصفته برسم خطوط أيديولوجية وتوسيع مفهوم الأمن القومي بشكل مفرط، إلى جانب الاستخدام الواسع لضوابط التصدير وتسييس القضايا الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية. أما وزارة الخارجية الصينية فأشارت إلى أنها ليست على علم بملابسات القضية عند سؤالها عن التقرير.
الجدل الدائر لا يقتصر على مسألة انتهاك محتمل لضوابط التصدير، بل يمتد إلى انقسام واضح داخل واشنطن نفسها حول أفضل السبل لإدارة المنافسة التكنولوجية مع الصين. فبينما يرى مسؤول الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض ديفيد ساكس والرئيس التنفيذي لشركة Nvidia جنسن هوانغ أن السماح بتدفق محدود ومدروس للرقائق المتقدمة إلى الصين قد يثني منافسين صينيين مثل Huawei عن مضاعفة جهودهم لتطوير بدائل محلية، يحذر تيار آخر من صناع القرار من المخاطر الاستراتيجية بعيدة المدى لمثل هذا النهج.
المتشددون تجاه الصين يجادلون بأن رقائق Blackwell، بما تملكه من قدرات هائلة في تدريب النماذج اللغوية الضخمة وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، يمكن تحويل استخدامها بسهولة من تطبيقات تجارية بحتة إلى أغراض عسكرية أو استخباراتية. ويرون أن أي تساهل في هذا المجال قد يهدد الهيمنة الأمريكية على مفاصل التكنولوجيا المتقدمة في العقود المقبلة.
في هذا السياق، اعتبر كريس ماكغواير، الذي شغل سابقًا منصب مسؤول في مجلس الأمن القومي خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، أن ما حدث إن صحّ يؤكد خطورة تصدير أي رقائق ذكاء اصطناعي متقدمة إلى الصين. وبالمثل، أشار سيف خان، الذي تولى منصب مدير شؤون التكنولوجيا والأمن القومي في مجلس الأمن القومي في عهد بايدن، إلى أن اعتماد شركات الذكاء الاصطناعي الصينية على رقائق متطورة يُشتبه في تهريبها يكشف حجم الفجوة التي لا تزال تعانيها الصين في إنتاج رقائق ذكاء اصطناعي محلية تضاهي نظيراتها الأمريكية.

ولا يقتصر القلق الأمريكي على مسألة الرقائق ذاتها، بل يمتد إلى الأساليب التقنية التي يُعتقد أن DeepSeek استخدمتها في تطوير نموذجها الجديد. فقد أوضح المسؤول الأمريكي أن النموذج الذي تم تدريبه باستخدام Blackwell يُرجح أنه اعتمد على تقنية التقطير، وهي منهجية تقوم على استخدام نموذج أكثر تطورًا لتقييم وتحسين مخرجات نموذج أحدث، ما يؤدي فعليًا إلى نقل جزء من المعرفة والخبرة المتراكمة إليه.
ويُعتقد أن هذه التقنية قد استندت إلى نماذج طورتها شركات أمريكية رائدة مثل Anthropic وGoogle وOpenAI وxAI. وإذا ما ثبت ذلك، فإن الأمر يطرح تساؤلات إضافية حول حماية الملكية الفكرية، وحدود الاستفادة غير المباشرة من التقنيات الأمريكية في بيئات خاضعة للقيود.
كانت DeepSeek، التي تتخذ من مدينة هانغتشو مقرًا لها، قد أثارت موجة من الاضطراب في أسواق التكنولوجيا مطلع العام الماضي بعدما أطلقت مجموعة من نماذج الذكاء الاصطناعي التي وُصفت بأنها تنافس بعض أفضل العروض الأمريكية من حيث الكفاءة والتكلفة. وقد عزز هذا التطور المخاوف في واشنطن من أن الصين قد تتمكن، رغم القيود، من تضييق الفجوة بسرعة أكبر مما كان متوقعًا.
الواقع أن معركة الرقائق لم تعد مجرد نزاع تجاري، بل تحولت إلى محور استراتيجي في العلاقات الدولية. فالرقائق المتقدمة تمثل العمود الفقري لأنظمة الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، وتحليل البيانات الضخمة، وحتى التطبيقات الدفاعية. ومن يمتلك القدرة على تصميمها وتصنيعها والتحكم في سلاسل إمدادها، يمتلك نفوذًا هائلًا في النظام العالمي الجديد.
بالنسبة للولايات المتحدة، يشكل الحفاظ على التفوق في هذا المجال أولوية قصوى. ولذلك تم توسيع نطاق القيود خلال السنوات الأخيرة لتشمل ليس فقط الرقائق نفسها، بل أيضًا المعدات اللازمة لتصنيعها والبرمجيات المستخدمة في تصميمها. أما الصين، فترى في هذه القيود محاولة لاحتوائها وإبطاء صعودها التكنولوجي، وترد عبر استثمارات ضخمة في تطوير صناعة أشباه الموصلات المحلية، إلى جانب البحث عن مسارات التفافية للحصول على التكنولوجيا المتقدمة.
قضية Blackwell، إذا ما تحولت إلى مواجهة رسمية أو تحقيق موسع، قد تمثل اختبارًا حقيقيًا لفاعلية نظام ضوابط التصدير الأمريكي. فهي تطرح سؤالًا جوهريًا حول مدى قدرة واشنطن على مراقبة سلاسل التوريد العالمية في عالم تتشابك فيه الشركات والموردون والوسطاء عبر قارات متعددة.
كما أنها تسلط الضوء على معضلة الشركات الأمريكية الكبرى، التي تجد نفسها بين مطرقة الالتزام بالقيود الحكومية وسندان المنافسة العالمية. فالسوق الصينية تظل واحدة من أكبر الأسواق في العالم لتقنيات الذكاء الاصطناعي، وأي انسحاب كامل منها يفتح المجال أمام منافسين محليين لتعزيز حضورهم وتسريع وتيرة الابتكار الداخلي.
في المقابل، يدفع التيار المتشدد في واشنطن باتجاه تشديد القيود، معتبرًا أن السماح بأي مستوى من الوصول إلى الرقائق المتقدمة قد يقوض أهداف الأمن القومي. وبين هذين التوجهين، تتأرجح السياسة الأمريكية، في محاولة للموازنة بين المصالح الاقتصادية والاستراتيجية.

في المحصلة، لا تبدو قضية استخدام رقائق Blackwell مجرد حادثة تقنية عابرة، بل حلقة جديدة في صراع أوسع على قيادة ثورة الذكاء الاصطناعي. فالتنافس بين الولايات المتحدة والصين لم يعد يدور فقط حول حجم الاقتصاد أو النفوذ الجيوسياسي، بل حول من يملك مفاتيح المستقبل الرقمي.
ومع اقتراب موعد إطلاق نموذج DeepSeek الجديد، تتجه الأنظار إلى الخطوات التي قد تتخذها واشنطن ردًا على هذه التقارير، وإلى ما إذا كانت القضية ستقود إلى تشديد إضافي للقيود أو إلى جولة جديدة من المفاوضات غير المعلنة بين القوتين. وفي كل الأحوال، يبقى سباق الذكاء الاصطناعي ساحة اختبار لإرادة الدول وقدرتها على الجمع بين الابتكار والأمن في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.




