ضغوط تنظيمية أوروبية متصاعدة تُجبر «تيك توك» على تشديد سياسات التحقق من أعمار المستخدمين

في ظل تصاعد الضغوط التنظيمية الأوروبية على منصات التواصل الاجتماعي، تستعد منصة TikTok لتطبيق تقنية جديدة ومتطورة لاكتشاف أعمار المستخدمين داخل دول الاتحاد الأوروبي خلال الأسابيع القليلة المقبلة، في خطوة تعكس تحولًا واضحًا في تعامل المنصة مع ملف حماية الأطفال والقصر على الإنترنت، وتؤشر في الوقت ذاته إلى مرحلة جديدة من العلاقة بين شركات التكنولوجيا الكبرى والجهات التنظيمية الأوروبية.
خطوة استباقية تحت ضغط أوروبي
تأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه «تيك توك»، المملوكة لشركة ByteDance الصينية، تدقيقًا متزايدًا من قبل المؤسسات الأوروبية المعنية بحماية البيانات وحقوق الأطفال، على خلفية اتهامات متكررة بعدم كفاية آليات التحقق من أعمار المستخدمين، والسماح عمليًا بوجود ملايين الأطفال دون السن القانونية على المنصة.
وبحسب ما أفادت به الشركة لوكالة رويترز، فإن النظام الجديد – الذي لم يُعلن عنه من قبل – هو ثمرة تجربة تجريبية استمرت نحو عام كامل داخل أوروبا، خضعت خلالها التقنية لاختبارات دقيقة لقياس فعاليتها ومدى توافقها مع القوانين الأوروبية الصارمة، وعلى رأسها اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR).
كيف تعمل التقنية الجديدة؟
تعتمد التقنية الجديدة على مزيج معقد من أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات السلوكية، حيث تقوم المنصة بدراسة عدة مؤشرات رقمية لتقدير عمر المستخدم، من بينها:
-
بيانات الملف الشخصي مثل تاريخ الميلاد المعلن، والصورة الشخصية، والوصف المكتوب.
-
محتوى الفيديوهات المنشورة، بما يشمل طبيعة الموضوعات، وطريقة الحديث، واختيار المؤثرات الصوتية والبصرية.
-
أنماط السلوك داخل التطبيق، مثل أوقات الاستخدام، وطريقة التفاعل مع المحتوى، وأنواع الحسابات التي يتم متابعتها.
ومن خلال هذه العناصر مجتمعة، تحاول الخوارزميات التنبؤ بما إذا كان الحساب يعود لطفل دون سن 13 عامًا، وهو الحد الأدنى لاستخدام المنصة وفقًا لسياسات «تيك توك» والقوانين الأوروبية.

مراجعة بشرية بدل الحظر التلقائي
وعلى عكس ما تخشاه منظمات حقوق المستخدمين، أكدت «تيك توك» أن النظام الجديد لن يعتمد على الحظر التلقائي للحسابات التي يُشتبه في أنها تعود لأطفال دون السن القانونية. وبدلًا من ذلك، ستُحال هذه الحسابات إلى مراجعة بشرية يقوم بها مشرفون مدربون، بهدف تقليل الأخطاء المحتملة التي قد تنتج عن القرارات الآلية البحتة.
وترى الشركة أن هذا النهج يحقق توازنًا دقيقًا بين هدفين متعارضين نسبيًا:
الأول هو حماية الأطفال ومنع وصولهم إلى محتوى غير مناسب، والثاني هو تفادي الإضرار بالمستخدمين البالغين نتيجة تقديرات خاطئة للعمر.
تصاعد التدقيق التنظيمي الأوروبي
يأتي هذا التحرك في سياق أوسع من التدقيق التنظيمي المتزايد داخل الاتحاد الأوروبي، حيث أصبحت مسألة التحقق من أعمار المستخدمين محورًا أساسيًا في النقاشات التشريعية المتعلقة بمنصات التواصل الاجتماعي.
وتخشى السلطات الأوروبية من أن تكون الأدوات الحالية المستخدمة من قبل الشركات إما غير فعالة، بما يسمح للأطفال بالتحايل بسهولة على القيود العمرية، أو شديدة التدخل في الخصوصية، عبر طلب وثائق حساسة أو بيانات بيومترية من المستخدمين.
وفي هذا الإطار، يضغط البرلمان الأوروبي وعدد من الحكومات الوطنية باتجاه فرض حدود عمرية أكثر وضوحًا وصراحة لاستخدام منصات التواصل، مع إلزام الشركات بتطوير حلول تحقق تتماشى مع معايير الخصوصية الصارمة المعمول بها داخل الاتحاد.
تباين المواقف بين الدول الأوروبية
ورغم هذا التوجه العام، لا تزال مواقف الدول الأوروبية متباينة بشأن السن المناسبة لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي. ففي حين تميل بعض الدول إلى تشديد القيود ورفع الحد الأدنى للعمر، تفضل دول أخرى منح الأسر دورًا أكبر في اتخاذ القرار، مع الاكتفاء بإجراءات حماية أقل صرامة.
هذا التباين يضع شركات التكنولوجيا، وعلى رأسها «تيك توك»، أمام تحدٍ معقد يتمثل في تطوير أنظمة مرنة وقابلة للتكيف مع اختلاف الأطر القانونية والتنظيمية بين دولة وأخرى، دون المساس بوحدة التجربة الرقمية داخل السوق الأوروبية الموحدة.
التجربة البريطانية: نتائج مشجعة
وأشارت «تيك توك» إلى أن التجربة التجريبية التي أُجريت في المملكة المتحدة حققت نتائج ملموسة، حيث أسفرت عن إزالة آلاف الحسابات الإضافية التي تعود لأطفال دون 13 عامًا، لم تكن تُكتشف بالآليات التقليدية السابقة.
وشكلت هذه النتائج عاملًا حاسمًا في قرار الشركة تعميم النظام الجديد على نطاق أوسع داخل أوروبا، باعتباره أداة فعالة لتعزيز الامتثال للقوانين، وتقليل المخاطر التنظيمية التي قد تترتب على استمرار وجود حسابات قاصرين على المنصة.
آليات التحقق عند الاعتراض على الحظر
وفي حال اعتراض المستخدم على قرار الحظر أو تقييد الحساب، ستلجأ «تيك توك» إلى مجموعة من أدوات التحقق الإضافية، أبرزها:
-
تقنية تقدير العمر عبر ملامح الوجه التي تطورها شركة Yoti، وهي تقنية تعتمد على تحليل صورة سيلفي لتقدير الفئة العمرية دون تخزين الصورة بشكل دائم.
-
فحوصات بطاقات الائتمان، التي تُستخدم كمؤشر غير مباشر على بلوغ المستخدم السن القانونية.
-
الوثائق الرسمية الصادرة عن الحكومات، مثل بطاقات الهوية أو جوازات السفر، في الحالات التي تستدعي تحققًا دقيقًا.
وتجدر الإشارة إلى أن شركة Meta المالكة لمنصتي Facebook وInstagram تستخدم بدورها تقنية «يوتي» للتحقق من أعمار المستخدمين، ما يعكس اتجاهًا عامًا داخل قطاع التكنولوجيا للاعتماد على مزودي خدمات خارجيين في هذا المجال.

تصميم خاص يتماشى مع الخصوصية الأوروبية
وأكدت «تيك توك» أن التقنية الجديدة جرى تطويرها خصيصًا لتلائم البيئة التنظيمية الأوروبية، مع مراعاة متطلبات الخصوصية وحماية البيانات. وأوضحت أنها عملت بشكل وثيق مع هيئة حماية البيانات في أيرلندا (Ireland Data Protection Commission)، التي تُعد الجهة الرقابية الرئيسية على عمليات الشركة داخل الاتحاد الأوروبي.
وتحرص المنصة، وفقًا لتصريحاتها، على ضمان أن تكون جميع عمليات تحليل البيانات وتقدير الأعمار متوافقة مع القوانين الأوروبية، وألا تؤدي إلى تخزين غير مبرر أو استخدام موسع للبيانات الشخصية.
إشعارات للمستخدمين وشفافية أكبر
ضمن إطار تعزيز الشفافية، أعلنت «تيك توك» أن المستخدمين الأوروبيين سيتلقون إشعارات رسمية مع بدء تطبيق النظام الجديد، توضح طبيعة التقنية وأهدافها، والخيارات المتاحة في حال الاعتراض أو طلب المراجعة.
وتأمل الشركة أن يسهم هذا النهج في بناء قدر أكبر من الثقة مع المستخدمين والجهات التنظيمية على حد سواء، في وقت أصبحت فيه ثقة الجمهور في منصات التواصل محل تساؤل متزايد.

بين حماية الأطفال ومستقبل المنصات
تعكس خطوة «تيك توك» إدراكًا متناميًا لدى شركات التكنولوجيا بأن مستقبلها في الأسواق الأوروبية بات مرتبطًا بشكل وثيق بمدى التزامها بحماية القصر واحترام الخصوصية. كما تؤكد أن معركة التحقق من الأعمار لم تعد مجرد مسألة تقنية، بل أصبحت قضية سياسية وتشريعية بامتياز.
وفي الوقت الذي تسعى فيه المنصة إلى إثبات جديتها في التعامل مع هذه التحديات، يبقى السؤال مطروحًا حول مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على تحقيق التوازن المنشود بين الأمان الرقمي والحقوق الفردية، دون أن يتحول إلى أداة رقابة مفرطة أو مصدر جديد للانتهاكات.
وبينما تستعد «تيك توك» لتطبيق نظامها الجديد، تترقب الأنظار ردود فعل المستخدمين والهيئات التنظيمية، في اختبار قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة من تنظيم منصات التواصل الاجتماعي داخل أوروبا.




