ساتيا ناديلا يدعو إلى الإسراع في دمج واعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي

لا ينظر،ساتيا ناديلا الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه مجرد موجة تكنولوجية عابرة، أو أداة إضافية لتعزيز المنتجات والخدمات القائمة، بل يراه في آنٍ واحد تهديدًا وجوديًا قد يطيح بالشركات التي لا تواكبه، وفرصة تاريخية نادرة لا تتكرر إلا مرة واحدة في كل جيل. فرصة قادرة على إعادة رسم خريطة صناعة التكنولوجيا العالمية، وترسيخ إرثه الشخصي على قمة واحدة من أكبر الشركات في تاريخ وادي السيليكون.
بالنسبة لناديلا، لا تقتصر هذه المهمة على بعدها المهني فحسب، بل تحمل أبعادًا شخصية عميقة، تفرض عليه إعادة التفكير في طريقة عمل مايكروسوفت من الجذور، وعلى جميع المستويات: من القيادة العليا، إلى فرق الهندسة، مرورًا بنماذج التطوير، والتمويل، واتخاذ القرار.
في قلب هذا التحول، تقود مايكروسوفت واحدة من أوسع عمليات إعادة الهيكلة التنظيمية في تاريخها الحديث، تتضمن تغييرات تنفيذية لافتة، وتوجيهات صارمة تلزم الفرق بالعمل بوتيرة أسرع، وبهيكل تنظيمي أكثر رشاقة، وبدرجة غير مسبوقة من الاستعجال.

إعادة تركيز النفوذ: الذكاء الاصطناعي أولًا
يهدف ساتيا ناديلا، وفقًا لمصادر مطلعة، إلى إعادة تركيز النفوذ داخل مايكروسوفت حول قادة الذكاء الاصطناعي، وإعادة تشكيل الطريقة التي تطوّر بها الشركة منتجاتها، وتموّل مشاريعها، وتتخذ قراراتها الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، قال أحد كبار التنفيذيين في مايكروسوفت لموقع بيزنس إنسايدر إن “ساتيا يدفع بقوة نحو رفع مستوى الحدة والاستعجال في جميع أرجاء الشركة”. وأضاف أن هذا النهج الجديد يفرض ضغطًا متزايدًا على بعض القيادات المخضرمة، ويدفعهم إلى اتخاذ قرار حاسم بشأن الاستمرار في هذا المسار المكثف، أو مغادرة الشركة.
وبحسب المصدر نفسه:
“عليك أن تسأل نفسك بصدق: إلى متى ترغب في الاستمرار بهذا الإيقاع؟ لأن حجم العمل المطلوب لإنجاز ثورة ناديلا في الذكاء الاصطناعي هائل وغير مسبوق”.
وتشير معلومات من داخل الشركة إلى أن ناديلا يجري بالفعل محادثات مباشرة وصريحة مع كبار التنفيذيين، يحثهم خلالها على الالتزام الكامل بعملية التحول الجذري، أو التفكير جديًا في مغادرة مايكروسوفت، في رسالة واضحة مفادها أن المرحلة المقبلة لا تحتمل أنصاف الحلول.
تحولات تنظيمية غير تقليدية
ضمن هذه الرؤية، اتخذ ساتيا ناديلا هذا العام خطوة لافتة، بتعيين رئيس تنفيذي جديد لأعمال مايكروسوفت التجارية، في محاولة متعمدة لتفريغ جزء من وقته، والتركيز بشكل أعمق على العمل التقني والهندسي المطلوب لتحقيق طموحاته في الذكاء الاصطناعي.
وبحسب مذكرة داخلية اطّلع عليها موظفون، أطلق ناديلا أيضًا اجتماعًا أسبوعيًا مخصصًا لتسريع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب قناة خاصة على منصة “مايكروسوفت تيمز”، تهدف إلى تسريع وتيرة العمل، وجمع الأفكار من مختلف أنحاء الشركة.
اللافت في هذه الاجتماعات أنها لا تعتمد على العروض التقديمية التقليدية لكبار التنفيذيين. بل على العكس، يُشجَّع المهندسون والموظفون التقنيون في المستويات الأدنى على التحدث مباشرة، ومشاركة رؤيتهم من “الخطوط الأمامية” لتطوير الذكاء الاصطناعي.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن هذا الأسلوب المتعمد في كسر الهرمية التنظيمية يُنظر إليه داخل الشركة بوصفه “فوضويًا بعض الشيء”، لكنه مقصود، ويهدف إلى تجنب القيادة الفوقية الصارمة، وإطلاق طاقات الابتكار الكامنة في الصفوف الخلفية.

تغييرات محتملة في الصف القيادي
في خضم هذه التحولات، تحدث ثلاثة تنفيذيين في مايكروسوفت لموقع بيزنس إنسايدر عن احتمال تقاعد راجيش جاها، المسؤول المخضرم عن منتجات أوفيس وويندوز، إلى جانب تداول احتمالية تقاعد تشارلي بيل، الذي يقود أعمال الأمن السيبراني في الشركة.
غير أن فرانك شو، المتحدث باسم مايكروسوفت، نفى وجود أي خطط وشيكة لتغييرات في فريق القيادة العليا، مؤكدًا أن الشركة لا تتوقع تغييرات قريبة في الوقت الراهن.
اعتلاء مناصب قيادية جديدة
ضمن إعادة توزيع الأدوار، عيّنت مايكروسوفت مؤخرًا جادسون ألثوف، رئيس المبيعات المخضرم، رئيسًا تنفيذيًا للأعمال التجارية للشركة، في خطوة اعتبرها مراقبون جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة هندسة القيادة.
وفي الوقت نفسه، بدأ ساتيا ناديلا باستخدام مصطلح “منتصف الأشواط” بدلًا من “البدايات المبكرة” عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي، وهو تعبير مستمد من لعبة الكريكيت، يعكس قناعته بأن الرحلة ما زالت طويلة، وتتطلب نفسًا طويلًا، والتزامًا كاملًا حتى النهاية.
وقال ناديلا في هذا السياق:
“سيسمح لنا ذلك، أنا وقادة الهندسة، بالتركيز الكامل على أعلى طموحاتنا التقنية، من بناء مراكز البيانات، إلى هندسة الأنظمة، وعلوم الذكاء الاصطناعي، وابتكار المنتجات، لقيادة هذا التحول الجيلي بأقصى درجات الحدة والسرعة”.
ناديلا في العمق… وألثوف في الواجهة
عمليًا، بات جادسون ألثوف يقضي وقتًا أطول بوصفه الوجه العلني لمايكروسوفت في الفعاليات الكبرى، مثل مؤتمر “إغنايت” الأخير، الذي شكّل سابقة لكونه أول مؤتمر في عهد ناديلا لا يلقي فيه الرئيس التنفيذي الكلمة الافتتاحية.
ويرى أحد التنفيذيين أن هذه الخطوة بدأت تؤتي ثمارها، إذ منحت ناديلا “مساحة إضافية” للتفرغ العميق لقيادة التحول التقني المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
وقال المصدر:
“ساتيا منخرط بالكامل في قيادة الشركة لتعلّم الذكاء الاصطناعي وبنائه واحتضانه. خطوة جادسون كانت ذكية للغاية، لأنها منحت ساتيا وقتًا إضافيًا لدفع رحلة الذكاء الاصطناعي قدمًا”.
توجيهات صارمة ونقطة تحول تاريخية
في توجيهات داخلية أخرى، وجّه ساتيا ناديلا رسائل حاسمة إلى كبار التنفيذيين عبر قناة مخصصة على “تيمز”، مقتصرة على نواب الرؤساء التنفيذيين وما فوقهم، أكد فيها أن مايكروسوفت تمر بنقطة تحول لا تقل أهمية عن الانتقال إلى الحوسبة السحابية.
وأوضح أن الشركة بحاجة إلى إعادة التفكير جذريًا في نموذج أعمالها، وطريقة عملها، وثقافتها الداخلية.
وقال:
“يجب علينا جميعًا أن نعمل ونتصرف كمساهمين فرديين داخل منظماتنا، نتعلم باستمرار، ونتخلى باستمرار عن مفاهيم قديمة لم تعد صالحة”.
وأضاف بنبرة لافتة:
“أبتسم قليلًا في كل مرة يخبرني أحدهم عن صديق يعمل في شركة ناشئة للذكاء الاصطناعي، وعن سرعتهم وتركيزهم. الحقيقة أن هذا يحدث هنا في مايكروسوفت أيضًا، أمام أعيننا مباشرة”.
«وظيفة الإنتاج»… المفهوم الجديد
من جانبها، أوضحت آشا شارما، رئيسة منتجات الذكاء الاصطناعي الأساسي في مايكروسوفت، والتي انضمت إلى الشركة في 2024، أن العمليات الداخلية شهدت تحولًا جذريًا خلال فترة قصيرة.
ويتمحور مفهوم “وظيفة الإنتاج” الجديد لدى ناديلا حول استخدام الذكاء الاصطناعي لإعادة تعريف طريقة إنشاء وبناء وتسليم المنتجات والخدمات من الأساس.
وأشارت شارما إلى أن وتيرة تطور الذكاء الاصطناعي باتت تفرض على مايكروسوفت إعادة التفكير ليس فقط في منتجاتها، بل في كيفية صناعة البرمجيات نفسها.

وعلى مدار عقود، اعتمد تطوير البرمجيات على نموذج “خط الإنتاج”: مدخلات من أشخاص ووقت وموارد تتحول إلى مخرجات. وكان توسيع الإنتاج يتطلب بالضرورة زيادة هذه المدخلات.
لكن، بحسب شارما:
“الذكاء الاصطناعي يكسر هذه العلاقة”.
فالوكلاء الأذكياء، والبيانات، والقدرات المعرفية، أصبحت وحدات قابلة للتوسع، قادرة على توليد البرمجيات والرؤى والقرارات دون زيادة موازية في ساعات العمل أو الميزانيات، ما يعني انخفاضًا جذريًا في التكلفة الحدية للابتكار.
وفي المحصلة، تتيح هذه التحولات للفرق التركيز على ما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي استبداله بسهولة: الحكم السليم، والذوق، وحل المشكلات المعقدة.




