دارا خسروشاهي: لا مكان للتخطيط الخماسي في عالم سريع التغيّر

في عالم تتسارع فيه التحولات التكنولوجية والاقتصادية بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد التخطيط طويل المدى بالمعنى التقليدي ضمانة للنجاح، بل قد يتحول – وفقًا لبعض القادة التنفيذيين – إلى وهم إداري خطير. هذا ما عبّر عنه دارا خسروشاهي، الرئيس التنفيذي لشركة أوبر، خلال مقابلة لافتة مع برنامج Leaders Playbook على قناة CNBC، حين أكد أنه لا يراهن على الخطط طويلة الأمد، ولا يؤمن بقدرتها على الصمود في بيئة تتغير كل بضعة أشهر.
خسروشاهي، الذي يقود واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا والنقل في العالم، لم يطرح رأيًا عابرًا أو تصريحًا مثيرًا للجدل فحسب، بل قدّم فلسفة متكاملة في الإدارة، تقوم على الواقعية، والمرونة، والتركيز على ما يمكن التحكم فيه، بدل الغرق في توقعات بعيدة قد لا ترى النور أبدًا.
«التخطيط لخمس سنوات؟ أنت تخدع نفسك»
بصراحة لافتة، قال خسروشاهي:
«إذا كنت تعتقد أنك تخطط لخمس سنوات في المستقبل، فأنت تخدع نفسك».
هذه الجملة، التي بدت صادمة للبعض، تعكس تحولًا عميقًا في طريقة تفكير قادة الشركات الكبرى. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، والتغيرات التنظيمية، والتقلبات الجيوسياسية، لم يعد المستقبل خطًا مستقيمًا يمكن رسمه بدقة، بل مساحة مفتوحة للاحتمالات.
ويرى خسروشاهي أن المشكلة لا تكمن في غياب الرؤية، بل في التمسك المفرط بخطط جامدة لا تترك مجالًا للتعديل. فالقائد – من وجهة نظره – مطالب بأن يكون صريحًا مع نفسه ومع فريقه، وأن يعترف بعدم اليقين، بدل التظاهر بالتحكم الكامل في المستقبل.
إدارة الاحتمالات بدل التنبؤ بالمستقبل
وفقًا لخسروشاهي، فإن القيادة الحديثة لم تعد قائمة على التنبؤ الدقيق، بل على الاستعداد الذكي. أي أن القائد لا يملك رفاهية انتظار وضوح الصورة، بل عليه أن يجهّز شركته للتعامل مع سيناريوهات متعددة، بعضها قد يبدو متناقضًا.
ويضيف أن الصراحة مع الفريق عنصر أساسي في هذه المعادلة، لأن الادعاء بأن كل شيء محسوم يخلق بيئة زائفة، بينما الاعتراف بالمخاطر يعزز الثقة ويحفّز الابتكار.

السيارات الذاتية: مستقبل محتمل… لكن التوقيت مجهول
من أبرز الملفات التي تجسد فلسفة خسروشاهي في التفكير، ملف السيارات ذاتية القيادة. فبينما تُعد هذه التكنولوجيا أحد أكبر الوعود في قطاع النقل، فإن مسارها لا يزال محفوفًا بعدم اليقين.
خسروشاهي لا ينكر أهمية هذا التحول، بل يؤكد أن أوبر ترى في السيارات الذاتية فرصة حقيقية على المدى المتوسط والطويل. ولهذا السبب، عقدت الشركة شراكات استراتيجية مع كيانات رائدة مثل Waymo، بهدف تسهيل وصول هذه التقنية إلى المستخدمين في عدد متزايد من المدن.
لكن في الوقت نفسه، يعترف الرئيس التنفيذي لأوبر بأن أحدًا لا يستطيع الجزم بالمدة التي ستستغرقها السيارات الذاتية لتصبح مألوفة وآمنة ومقبولة على نطاق واسع. فالتحديات التقنية، والتشريعات، وقبول المستهلك، كلها عوامل يصعب التنبؤ بها بدقة.
توزيع الوقت: المستقبل القريب أولًا
انطلاقًا من هذا الغموض، يكشف خسروشاهي عن كيفية إدارته لوقته كرئيس تنفيذي. فهو يخصص ما بين 60 إلى 70% من وقته للتركيز على المستقبل القريب، أي القرارات التي ستؤثر على الشركة خلال الأشهر القادمة، وليس السنوات البعيدة.
هذا لا يعني تجاهل الرؤية بعيدة المدى، بل التعامل معها بمرونة، دون تحويلها إلى عبء يعيق اتخاذ القرارات اليومية. فالمستقبل – كما يراه – لا يُبنى بالقفزات الكبرى وحدها، بل بسلسلة من الخطوات الصغيرة المتقنة.
التفاصيل اليومية: حيث تُصنع الفوارق الحقيقية
يربط خسروشاهي النجاح المؤسسي بالقدرة على إدارة التفاصيل الصغيرة، تلك التي قد تبدو غير مؤثرة منفردة، لكنها تصنع فارقًا تراكميًا ضخمًا بمرور الوقت.
ويقول في هذا السياق:
«نحن كشركة نعمل باستمرار على تحسين التفاصيل الصغيرة في كل ما نقوم به».
هذه الفلسفة تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الشركات الرقمية الكبرى، حيث لا يكفي امتلاك فكرة مبتكرة، بل يجب تحسين تجربة المستخدم، ورفع كفاءة العمليات، والاستجابة السريعة للملاحظات.
ويضيف خسروشاهي أنه يخصص ما يقرب من 30% من وقته للتفكير على المدى الطويل، في محاولة لموازنة الحاضر بالمستقبل، دون التضحية بأي منهما.

علم النفس يؤيد الأهداف قصيرة الأمد
ما يطرحه خسروشاهي لا يقتصر على خبرة إدارية، بل يتقاطع مع آراء خبراء علم النفس، الذين يرون أن التركيز على الأهداف قصيرة الأمد ممارسة صحية وفعالة، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات.
عالم النفس المالي تشارلز شافين يؤكد أن حتى التخطيط لعام كامل قد يكون بعيدًا في بعض الأحيان، مشيرًا إلى أن الأهداف المرحلية ضرورية للحفاظ على الدافع وتقييم التقدم.
ويقول شافين:
«يمكنك وضع هدف لعام، لكن تحتاج إلى أهداف مرحلية بينهما».
هذه الرؤية تتماشى مع طبيعة الدماغ البشري، الذي يتفاعل بشكل أفضل مع الإنجازات القريبة، مقارنة بالوعود البعيدة غير الملموسة.
ما الذي تملكه فعلًا؟
من جانبها، تشير المعالجة النفسية إيمي مورين إلى أن التركيز على الأهداف القصيرة يساعد الإنسان على التمييز بين ما هو تحت سيطرته وما هو خارجها.
وتكتب مورين أن الحياة مليئة بعوامل لا يمكن التحكم فيها: تصرفات الآخرين، الأزمات المفاجئة، الظروف الطبيعية. لكن السؤال الجوهري – كما تقول – ليس ما الذي سيحدث غدًا، بل:
«ماذا فعلت اليوم لتقوي نفسك عقليًا؟».
هذا السؤال، في جوهره، ينسجم مع فلسفة خسروشاهي التي تركز على الفعل اليومي، لا التوقع البعيد.
تطوير الفريق: الاستثمار الحقيقي في المستقبل
في ختام رؤيته، يوضح خسروشاهي أن عدم القدرة على التنبؤ بعقد كامل لا يعني التخلي عن الاستعداد له. والاستعداد – من وجهة نظره – يبدأ من الاستثمار في البشر.
فهو يرى نفسه جيدًا في تطوير الأشخاص، ويعتبر أن جوهر القيادة يتمثل في التعرف على أعضاء الفريق، والاستماع إليهم، وفهم نقاط قوتهم وضعفهم.
ويقول:
«جزء من تطوير الأشخاص هو طرح تحديات أمامهم لرؤية أدائهم».
لكن هذه التحديات – كما يؤكد – يجب أن تكون مصحوبة بالدعم، لا الإقصاء. فالقائد الناجح لا يترك فريقه يواجه الصعوبات وحده، لكنه في الوقت ذاته لا يحميه من كل اختبار، لأن النمو الحقيقي لا يحدث دون احتكاك.
بدون تحديات… لا تطور
يشدد خسروشاهي على أن المدراء التنفيذيين لا يمكن أن يتطوروا في بيئة خالية من التحديات. فالأخطاء، والضغوط، والقرارات الصعبة، كلها عناصر أساسية في تشكيل قادة المستقبل.
ومن هنا، فإن أفضل ما يمكن أن يفعله القائد – في عالم غير قابل للتنبؤ – هو بناء فريق مرن، قادر على التكيف، واتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية.

الواقعية كأداة للنجاح
ما يقدمه دارا خسروشاهي ليس دعوة للتخلي عن الطموح أو الرؤية، بل إعادة تعريف لهما. فبدل مطاردة خطط بعيدة قد لا تتحقق، يدعو إلى التركيز على الحاضر، وإدارته بكفاءة، مع إبقاء العين مفتوحة على المستقبل دون وهم السيطرة عليه.
في زمن تتغير فيه القواعد باستمرار، قد يكون الاعتراف بعدم اليقين هو أكثر القرارات شجاعة… وأكثرها حكمة.




