يلا تيك

جوجل وصناعة النجوم الجدد: كيف تُعيد التكنولوجيا تشكيل المسيرة المهنية؟

في عالم يتغير بوتيرة لم تعهدها البشرية من قبل، ويعيد فيه الذكاء الاصطناعي رسم قواعد التنافس المهني، تبرز شخصيات قيادية أثبتت أن النجاح لم يعد حكرًا على المسارات التقليدية، بل هو مزيج من المرونة، والجرأة، والقدرة على إعادة اكتشاف الذات. ومن بين هؤلاء تأتي روث بورات، رئيسة وكبيرة مسؤولي الاستثمار في جوجل، التي خطفت عناوين الصحف — وعلى رأسها «وول ستريت جورنال» — بفضل مسيرتها الفريدة والدروس التي استخلصتها من عقود أمضتها في قمة صناعة المال والتكنولوجيا.

روث بورات: سؤال واحد غيّر مسار حياة مهنية كاملة

عندما سئلت بورات عن سر صعودها الصاروخي من مورغان ستانلي إلى واحدة من أهم المناصب في جوجل، أجابت بإيجاز يُلخّص فلسفة مهنية بأكملها:
«كنت أسأل نفسي دائمًا: ما هو أفضل وأعلى استخدام لقدراتي؟»

وترى بورات أن كثيرين يقعون في فخ التصورات المسبقة بشأن نوع العمل الذي يعتقدون أنهم خلقوا من أجله، فيفوتون بذلك فرصًا جوهرية. فالعالم — كما تؤكد — شديد الديناميكية، والنجاح الحقيقي يحالف من يتعلم كيف يغيّر اتجاهه كلما تغيّر اتجاه الريح.

وتنسجم رؤيتها مع ما يطرحه قادة آخرون في الصناعة، مثل رائد الأعمال مارك كوبان والرئيس التنفيذي لـ Amazon Web Services مات غارمان، الذين يعتبرون المرونة والقدرة على التكيف أهم المهارات المطلوبة في عصر تحكمه خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتقنيات التعلم العميق.

النقد البنّاء… و”النجم الذي يواجهني”

وما يميز بورات ليس فقط فلسفتها المهنية، بل قدرتها على تقبّل النقد بصفته وقودًا للنمو. تقول:
«النجم بالنسبة لي هو من يواجهني. من يجرؤ على تحدّي أفكاري بطرق مختلفة.»

وهي تشدد على أن أكثر ما يزعجها في الموظفين هو أولئك الذين ينفذون دون تفكير أو إضافة، معتبرة أن أي حوار — حتى مع رئيس دولة — يجب أن يرتقي بمحتواه وعمقه وبصيرته. فالمكانة لا تُكتسب بالولاء الأعمى، بل بالقدرة على تقديم قيمة حقيقية.


نجاح المسيرة المهنية لموظفي جوجل: قصة سندس خالد

في موازاة قصة بورات، يسطع مثال آخر يعكس التحولات الجديدة في مشهد العمل: قصة سندس خالد، القيادية في قطاع التكنولوجيا والتي حققت في عام واحد فقط دخلًا بلغ 600 ألف دولار، نصفه من وظيفتها في جوجل، والنصف الآخر من مشروع جانبي لا يستغرق منها سوى خمس ساعات أسبوعيًا.

ورغم أنها تنحدر من خلفية متوسطة وبدأت مسيرتها دون وعي مالي كبير — كما تصف نفسها — فإنها استطاعت مضاعفة راتبها أكثر من ثلاث مرات بين عامي 2015 و2024، ليصل اليوم إلى 292 ألف دولار سنويًا.

كيف بنت سندس ثروتها؟

بحسب ما نشرته Business Insider، لم تكن القفزة المالية التي حققتها سندس نتيجة المصادفة، بل ثمرة تخطيط واعٍ وتطوير مستمر للمهارات. كما أنها استغلت خبرتها التقنية في بناء محتوى متخصص عبر «إنستجرام»، يحاكي قصص النجاح النسائية في قطاع التكنولوجيا، ويقدّم نصائح ومسارات مهنية عملية.

وتروي سندس أن النسخة الأصغر سنًا من نفسها كانت ستشعر بامتنان مذهل لو علمت أنها جنت 302 ألف دولار إضافية في عام واحد من نشاط لا يتطلب سوى بضع ساعات أسبوعيًا — وهو دليل على التحول الكبير الذي تشهده صناعة المحتوى بوصفها مصدر دخل حقيقي لا يقل أهمية عن الوظيفة الأساسية.


الترقيات الاستراتيجية في أمازون: البدايات تصنع الفارق

بدأت سندس مسيرتها في عام 2013 بتدريب في شركة أمازون، قبل أن تحصل على أول عقد دائم في 2014 كمهندسة بيانات. كان راتبها حينها نحو 77 ألف دولار، لكنه ارتفع بسرعة ليصل إلى 127 ألف دولار بعد عام واحد فقط، عقب ترقيتها إلى “مهندسة بيانات من المستوى الثاني”.

وتعزو سندس نجاحها في تحقيق الترقيات إلى إستراتيجية اعتمدت على تقييم دوري لقدراتها ومعرفة المهارات اللازمة للوصول إلى المستوى الوظيفي الأعلى — وهي ذاتها فلسفة “التطوير المستمر” التي يدعو إليها كبار قادة التكنولوجيا، بما فيهم روث بورات.

من أمازون إلى جوجل: مفاوضات جعلتها أقوى

في 2019، وبعد أن أصبحت عالمة بيانات يتجاوز راتبها 232 ألف دولار، بدأت عروض العمل تتوالى عليها من جوجل ومايكروسوفت. ومع أنها كانت تحب وظيفتها في أمازون، إلا أنها كانت انتقائية في اختيار دورها التالي، الأمر الذي منحها قوة تفاوضية نادرة.

وفي ديسمبر 2019، انضمت إلى جوجل، لتصبح قائدة تحليلات رئيسة في مجالي البحث والإعلانات — وهو منصب يضعها ضمن أكثر القيادات التقنية دخلًا وتأثيرًا في الشركة.


مستوى دخل موظفي جوجل: صناعة المحتوى منافس حقيقي للراتب الأساسي

رغم سنوات العمل المكثف والتطور الوظيفي السريع، تؤكد سندس أن مشروعها الجانبي لم يكن في البداية سوى “هواية”، لكنها تحولت الآن إلى مورد دخل ضخم — يضاهي، بل يتجاوز أحيانًا راتبها الأساسي.

وهي تقضي ما بين 4 و5 ساعات أسبوعيًا فقط في صناعة المحتوى، خارج ساعات عملها الرسمية (40 ساعة)، وتقول إنها تستمتع بهذا العمل الذي يجمع بين الشغف والتأثير والربح.

معادلة جديدة للثروة في عصر الذكاء الاصطناعي

تعكس قصة سندس تحولًا عميقًا في فهم الثروة الحديثة: لم يعد الاعتماد على وظيفة واحدة كافيًا، بل أصبحت القيمة الحقيقية في استغلال المهارات الجانبية وتوظيف الخبرة المهنية عبر منصات رقمية تتسع للجميع.


خلاصة: قيادة المسيرة المهنية… بين رؤية بورات وتجربة سندس

ما يجمع روث بورات وسندس خالد هو شيء واحد: القدرة على إعادة تعريف الذات المهنية في عالم سريع التغير.

  • بورات تؤكد أن النجاح يبدأ بسؤال بسيط: كيف أستخدم قدراتي بأفضل طريقة؟

  • وسندس تثبت أن المهارات التقنية، إذا حُسن توظيفها، يمكن أن تصبح أصلًا ماليًا ضخمًا يفوق الوظيفة نفسها.

في النهاية، يبدو أن المسيرة المهنية في الشركات الكبرى مثل جوجل وأمازون، لم تعد مجرد طريق إلى راتب مجزٍ، بل أصبحت منصة تمنح أصحابها قدرة غير مسبوقة على بناء ثروات متعددة المصادر، وصناعة تأثير يتجاوز حدود المكتب التقليدي.

إنه عصر جديد…
تتقدم فيه من يمتلك القدرة على التكيف، الجرأة على التغيير، والبصيرة لرؤية ما لا يراه الآخرون.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى