«جروك» يزاحم الكبار بقوة.. تراجع ملحوظ في حصة «تشات جي بي تي» مع تصاعد حضور الروبوت المثير للجدل»

شهد سوق روبوتات الدردشة في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الأشهر الأخيرة تحولات لافتة، كان بطلها هذه المرة روبوت «جروك» التابع لرجل الأعمال الشهير إيلون ماسك، والذي تمكن من تعزيز موقعه في خريطة المنافسة الرقمية رغم موجة من الانتقادات الحادة والرقابة التنظيمية التي طالته.
اللافت في هذا الصعود أنه لم يأتِ في ظروف مثالية أو بيئة مستقرة، بل جاء في ظل جدل واسع حول استخدام الروبوت في توليد محتوى غير قانوني ومواد ذات طبيعة جنسية استهدفت نساء وقُصّر، ما فتح الباب أمام تساؤلات أخلاقية وقانونية حول مستقبل تقنيات الذكاء الاصطناعي وحدودها.
نمو حصة «جروك».. قفزة رقمية تعكس تحوّلًا في المشهد
أظهرت بيانات حديثة صادرة عن شركة الأبحاث Apptopia أن «جروك» سجل نموًا ملحوظًا في حصته داخل السوق الأمريكي، حيث ارتفعت نسبته إلى 17.8% خلال الشهر الماضي، مقارنة بنحو 14% في ديسمبر، فيما كانت حصته لا تتجاوز 1.9% في يناير 2025.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد تحسن تدريجي، بل تشير إلى قفزة نوعية في أداء المنتج خلال عام واحد فقط، وهو ما يعكس تغيرًا في سلوك المستخدمين واتساع قاعدة الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية، سواء في البحث أو الإنتاج الإبداعي أو التفاعل الاجتماعي.
ويُنظر إلى هذا النمو باعتباره مؤشرًا إيجابيًا لشركة xAI، المطوّرة للروبوت، وهي شركة ناشئة أسسها ماسك قبل نحو ثلاث سنوات بهدف منافسة عمالقة القطاع في وادي السيليكون. ورغم أن الشركة لا تزال في مرحلة توسع واستثمار كثيف، فإنها تضخ مليارات الدولارات في البنية التحتية للحوسبة ومراكز البيانات للحفاظ على قدرتها التنافسية.

بين الخسائر والاستثمار طويل الأجل
رغم وصفها بأنها شركة «خاسرة» من حيث الأرباح التشغيلية، فإن استراتيجية xAI تعتمد على الاستثمار طويل الأمد، على غرار ما فعلته شركات تقنية كبرى في بداياتها. فالإنفاق الضخم على تطوير النماذج اللغوية والبنية التحتية السحابية يمثل رهانًا على المستقبل أكثر منه سعيًا لتحقيق أرباح سريعة.
ويؤكد محللون أن قطاع الذكاء الاصطناعي يشهد مرحلة «حرق سيولة» عالية، حيث تتطلب المنافسة موارد هائلة لبناء نماذج متقدمة قادرة على معالجة مليارات البيانات وتقديم استجابات آنية بدقة مرتفعة.
اندماج كوني.. خطوة لإعادة تشكيل إمبراطورية ماسك
تزامن هذا النمو مع تطورات استراتيجية أوسع في إمبراطورية ماسك الاقتصادية، أبرزها إعلان شركة الفضاء SpaceX عن استحواذها على xAI مطلع هذا الشهر، في خطوة تهدف إلى توحيد مشاريع ماسك التقنية تحت مظلة أكثر تكاملًا.
الخطوة لا تبدو مالية فقط، بل تحمل أبعادًا استراتيجية عميقة، إذ يسعى ماسك إلى دمج قدرات الذكاء الاصطناعي مع مشاريعه الفضائية، بما في ذلك طموحه لوضع مراكز بيانات في المدار لتقليل زمن الاستجابة وتعزيز كفاءة المعالجة.
ووفق تقارير نشرتها وكالة رويترز، فقد قُدّرت قيمة الصفقة بنحو تريليون دولار، في حين بلغت قيمة «xAI» السوقية نحو 250 مليار دولار، ما يعكس الرهان الكبير على تكامل الذكاء الاصطناعي مع تقنيات الفضاء.
خريطة المنافسة.. إعادة توزيع القوى
على صعيد المنافسة، نجح «جروك» في تثبيت نفسه كثالث أكثر روبوتات الدردشة استخدامًا في الولايات المتحدة خلال يناير الماضي، مستفيدًا من دمجه داخل منصة X (المعروفة سابقًا بتويتر).
يتصدر المشهد حاليًا «تشات جي بي تي» التابع لشركة OpenAI بحصة بلغت 52.9% الشهر الماضي، رغم تراجعها من 80.9% في يناير من العام السابق. ويأتي في المركز الثاني «جوجل جيميناي» من شركة Google بحصة 29.4%، صعودًا من 17.3%.
هذا التراجع النسبي لحصة «تشات جي بي تي» لا يعني فقدان الصدارة، لكنه يشير إلى اتساع المنافسة ودخول لاعبين جدد بقوة إلى السوق. فالمستخدم الأمريكي بات يمتلك خيارات متعددة، ولم يعد يعتمد على منصة واحدة فقط.
الترويج المتقاطع.. سلاح «إكس» السري
يرى خبراء التكنولوجيا أن السر الأكبر وراء صعود «جروك» يكمن في استراتيجية الترويج المتبادل مع منصة X، حيث تم دمج الروبوت مباشرة في شريط التنقل داخل التطبيق، ما أتاح للمستخدمين تجربة فورية دون الحاجة إلى تنزيل تطبيق مستقل.
كما وفّرت المنصة مستويات مختلفة من الوصول إلى «جروك» ضمن اشتراكاتها المدفوعة، ما عزز من استخدامه بين المشتركين النشطين. هذا التكامل بين منصة اجتماعية واسعة الانتشار وأداة ذكاء اصطناعي متقدمة منح الروبوت ميزة تنافسية واضحة.
جدل أخلاقي.. اختبار صعب للثقة
رغم هذه النجاحات الرقمية، لا يزال «جروك» يواجه تحديات تنظيمية وأخلاقية. فقد تعرض لانتقادات واسعة بعد تقارير عن استخدامه في توليد صور غير قانونية ومحتوى إباحي مزيف، ما دفع جهات رقابية إلى التدخل.
وأعلنت منصة X عن فرض قيود جديدة عقب أزمة الصور العارية، إلا أن اختبارات لاحقة أظهرت أن الروبوت لا يزال قادرًا على إنتاج مثل هذا المحتوى عند توجيه أوامر محددة، الأمر الذي يثير مخاوف بشأن فعالية أنظمة الحماية.
القضية لا تخص «جروك» وحده، بل تعكس أزمة أوسع في صناعة الذكاء الاصطناعي، حيث تتسابق الشركات لتقديم نماذج أكثر قوة، أحيانًا على حساب أنظمة الأمان والرقابة.
![]()
سباق وادي السيليكون.. معركة بلا خطوط نهاية
المشهد الحالي يؤكد أن سباق الذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون دخل مرحلة جديدة، لم تعد فيها الأفضلية حكرًا على لاعب واحد. فبينما تواصل OpenAI تطوير نماذجها، وتستثمر Google بقوة في «جيميناي»، يسعى ماسك إلى تقديم رؤية مختلفة تقوم على الدمج بين الذكاء الاصطناعي والمنصات الاجتماعية والفضاء.
ويرى محللون أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من عمليات الدمج والاستحواذ، إضافة إلى تشديد تنظيمي أكبر، خاصة في ما يتعلق بحماية البيانات ومنع إساءة الاستخدام.
هل يستمر الصعود؟
السؤال المطروح الآن: هل يستطيع «جروك» الحفاظ على هذا الزخم؟
الإجابة تعتمد على عدة عوامل، أبرزها:
-
قدرة الشركة على معالجة الثغرات الأخلاقية بسرعة.
-
تطوير النموذج ليقدم أداءً ينافس الأفضل في السوق.
-
استمرار التكامل الفعّال مع منصة «إكس».
-
التعامل مع الرقابة التنظيمية دون تعطيل الابتكار.
ففي عالم الذكاء الاصطناعي، لا يكفي أن تكون سريعًا، بل يجب أن تكون موثوقًا أيضًا.

بين الطموح والمساءلة
يمثل صعود «جروك» قصة تجمع بين الجرأة الاستثمارية والجدل الأخلاقي. فمن جهة، نجح الروبوت في تحقيق نمو لافت داخل أكبر سوق تقني في العالم، ومن جهة أخرى، لا يزال يواجه تحديات تتعلق بالثقة والامتثال التنظيمي.
وبين هذين المسارين، يقف إيلون ماسك كعادته في قلب العاصفة، مراهِنًا على أن المستقبل سيكافئ من يغامر أولًا.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يتحول «جروك» إلى منافس دائم يعيد رسم خريطة روبوتات الدردشة عالميًا، أم أن العواصف التنظيمية ستحد من اندفاعه؟
الإجابة ستتضح في الأشهر المقبلة، لكن المؤكد أن سباق الذكاء الاصطناعي لم يعد سباقًا تقنيًا فقط، بل أصبح معركة ثقة، ومسؤولية، ورؤية طويلة المدى.




